أنتم تسرون في دماي رغم غيابكم… ترنيمة الفقد في محراب الذاكرة

محمد صالح محمد

في عتمة المسافات التي تفصلنا عن ملامحهم ينمو نوعٌ غريبٌ من الحضور؛ حضورٌ لا تراه العين لكنه يستوطن النبض ويتسلل تحت الجلد حتى يغدو جزءاً من كيمياء الوجود. يقولون إن الغياب جفاء وأقول إن الغياب في حضرة من نحب ليس إلا صياغةً أخرى للبقاء ولكنها صياغةٌ مكتوبةٌ بمداد الوجع ومحفورةٌ في خلايا الروح.

نفيُ الجسد… وإثباتُ الأثر
ليس الغياب مجرد مقعدٍ خالٍ أو بابٍ أُصدد بل هو استيطانٌ قسريّ في تلافيف الذاكرة. حين رحلتم لم ترحلوا تماماً؛ بل انفرطتم في عالمي كحبات المسك فصرتُ أشمّ عطركم في غيمةٍ عابرة وأسمع صدى ضحكاتكم في حفيف الشجر. لقد تحولتم من شخوصٍ نلمس أيديهم إلى أشباحٍ مضيئةٍ تسكن الدماء وتجري في الشرايين جريان الأوكسجين في رئة الغريق.

إنها المفارقة الموجعة كيف لمن لا نراه أن يكون الأكثر حضوراً؟ وكيف لمن سكت صوته أن يكون الأكثر ضجيجاً في صمتنا؟

حين يسكنون الدماء …
حين أقول “أنتم تسرون في دماي” أنا لا أستعيرُ مجازاً شاعرياً بل أصفُ حالةً من الاندماج الوجداني. فالحزن عليكم لم يعد ضيفاً يزورني في المساء ثم يرحل بل أصبح “جينياً” يتوارثه قلبي مع كل نبضة.

في الانكسار: أجدكم السند الذي كان فأتجرع غيابكم غصّة.
في النجاح: أبحث عن أعينكم بين الحشود فإذا لم أجدها صار الطعم مرّاً.
في العزلة: أنتم الأنيس الذي لا يتكلم والرفيق الذي لا يغادر الخيال.

إن هذا السريان في دمي يعني أنكم صرتم “البوصلة” التي لم تعد موجودة في اليد ولكنها مغروسة في عمق الاتجاهات.

وحشةُ الغياب… ولوعةُ الانتظار
كم هو قاسٍ هذا النزاع بين العقل الذي يدرك استحالة العودة وبين القلب الذي يرفض إغلاق النوافذ. الغيابُ هو مدرسةُ الصبر المُرّ و هو أن نعتاد على التحدث إلى الفراغ وأن نبتسم لصورٍ صامتة وأن ننتظر في كل طرقات العمر مرورَ طيفٍ يشبهكم أو نسمةَ ريحٍ تحمل شيئاً من أثركم.

“نحن لا ننسى الراحلين لأننا نريد ذلك بل لأنهم أصبحوا جزءاً من هندسة أرواحنا؛ فكيف للإنسان أن ينسى ركناً يسند سقف كيانه؟”

وفاءٌ حتى الرمق الأخير …
رغم الوجع الذي يخلفه رحيلكم ورغم الثقوب التي تركها غيابكم في ثوب أيامي إلا أنني أقبلُ بهذا السريان الحزين في دمي. فأن تظلوا فيّ وجعاً خيرٌ من أن تبرد ذكراكم أو تندثر في زحام الحياة.

سأظلُّ أحملكم في كريات دمي وأحرس طيفكم بدموع الوفاء فأنتم لم تغيبوا إلا لكي تسكنوا فيّ بشكلٍ أعمق وأبقى وأكثر قداسة. أنتم الغائبون الحاضرون والمنسيون في عرف الدنيا و المخلدون في فردوس قلبي.

أدركُ يقيناً أنني ما عدتُ أملك من أمري شيئاً سوى أن أكون مقبرةً تمشي على قدمين تضمّ في جوفها بقايا ضحكاتكم وفتات وعودكم التي لم تكتمل. إن الغياب لم يكن يوماً مجرد مسافة بل هو “بترٌ” للروح مع الإبقاء على الجسد حياً ليتلذذ بالألم.

سأظلُّ أحملكم في دمي ثقلاً يكسر ظهري وشوكاً يدمي وريدي وسأقبلُ بهذا السجن الأبدي خلف قضبان ذكراكم؛ فالموت الحقيقي ليس في رحيلكم بل في تلك اللحظة التي أدركتُ فيها أنني سأكمل ما تبقى من العمر أتحسس مكانكم في قلبي فلا أجدُ إلا فجوةً باردة ونزيفاً لا ينقطع وصمتاً يصرخ في أذني كل مساء: “لقد رحلوا وما بقي في دمي سوى صدى الوداع.”

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

نزيف الغربة … وعدٌ مستحيل في كفّ الرحيل

محمد صالح محمدتتكسر الكلمات في حنجرتي كشظايا الزجاج ويتحول الحبر إلى دموع صامتة تسيل على …