الهوية السودانية وجدلية الوحدة و التعدد

د. صبري محمد خليل/أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم

Sabri.m.khalil@gmail.com

علاقات الإنتماء المتعددة للشخصية السودانية : للشخصية الحضارية المشتركة السودانية ، علاقات إنتماء متعددة. وهناك ثلاثة مذاهب في تفسير العلاقة بينها :

1.مذهب” الوحدة المطلقة”:
يستند الى إفتراض- خاطئ- مضمونه أن علاقات الإنتماء المتعددة، ذات مضمون واحد، مما يؤدي إلى الخلط بينها وإعتبارها متناقضة، وبالتالي يرتب على تقرير إحداها إلغاء غيرها .
للمزيد:

  • د. الحاج بلال عمر، الهوية السودانية، ص37.
    ويرتب على هذا، تقريره وجوب إنفراد جماعة” قبلية او شعوبية ” سودانية معينة ، بالسلطة والثروة دون غيرها من جماعات سودانية، بإعتبارها تنفرد بتمثيل هذه العلاقة .

نماذج للمذهب:

ا/ مذهب العصبية القبلية” العربية ” : يستند الى إفتراض – خاطئ- مضمونه أن العرب الحاليين- على المستوى الوطنى ” السودان” او القومى ” الامة العربية”- هم سلالة عرقية لعرب الجاهلية.

  • فهو يستند إلى معيار عرقى، موروث من الأطوار القبلية .
  • ويتجاهل أن الإسلام ارتقى بالعرب إلى طور الأمة- القومى- والذى معيار الانتماء اليه لغوى- غير عرقى ( فمن تكلم العربية فهو غير. عربى).
  • فهو يخلط بين مصطلحى العربي” العرب فى طور الأمة”، والأعرابي بالمصطلح القرآنى” العرب فى الأطوار القبلية”.
  • وهو يتجاهل حقيقة أن الجماعات القبلية السودانية، ذات الأصول العرقية العربيه، قد اختلطت بغيرها من جماعات قبلية وشعوبية سودانيه، ذات الأصول العرقية غير العربية” سامية- حامية/ حامية…” .
    للمزيد انظر :
  • علي عبد الرحمن/ الديمقراطية والإشتراكية في السودان، ص22.

ج/ مذهب الشعوبية دون المستوى الوطني:
يستند الى إفتراض – خاطئ – مضمونه أن تقرير علاقة الإنتماء النوبية ” ذات المضمون التاريخى- الشعوبى” للشخصية الحضارية النوبية، يقتضى إلغاء علاقات انتمائها الأخرى، فهو يتجاهل أن الوجود الحضارى العام” الوطنى ، القومى ، الدينى …” ، يحدد الوجود الحضارى النوبى الخاص، ويكمله ولكن لا يلغية.

  • فهو بذلك ينكر أثر الحضارى النوبى في تكوين الشخصية السودانية ككل.
  • وينكر دور العلماء النوبيين ،الذين تلقوا العلم فى مراكز علميه ،فى البلاد العربيه الاخرى” مثال الأزهر فى مصر “، فى نشر الإسلام فى السودان وافريقيا.
  • كما ينكر أثر اللغة النوبية على اللغة العربية فى السودان، والتى استلفت منها مفردات كثيره ، تتعلق بأسماء الأماكن الجغرافية وأدوات الزراعه وطقوص الزواج… كما قرر العديد من الباحثين.

د/ مذهب الشعوبية على المستوى الوطنى:
يستند الى إفتراض – خاطئ- مضمونه ان تقرير علاقة الإنتماء الوطنية السودانية” ذات المضمون الجغرافى – الأقليمى” للشخصية السودانيه يقتضى الغاء علاقات إنتمائها الأخرى ” القومية، الدينية…”. فى حين أن الاخيره تحدها فتكملها وتغنيها ولكن لا تلغيها.

هـ/ مذهب إنكار وحدات التكوين الإجتماعى: هو فى الأصل مذهب أجنبى، رغم محاولات بعض الكتاب تبيئتة فى سياق الفكر السياسى والإجتماعي الإسلامى المعاصر ” كسيد قطب وتقى الدين النبهانى…” – فرغم الأسلمه الشكلية يظل جوهره يتناقض مع الإسلام ونصوصه القطعيه- و مضمونه -هنا- إفتراض أن تقرير علاقة الإنتماء الإسلامية” ذات المضمون الدينى – الحضارى”، للشخصية السودانية يقتضى الغاء علاقات انتمائها الأخرى. ” مادون الوطنية، الوطنية، القومية…” ،فهو يستند الى إفتراضين خاطئين:
الأول: أن الإسلام ينكر وحدات واطوار التكوين الإجتماعى المختلفة ،فى حين أنه أقر بها:

  • الاسره( ومن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا).
  • العشيره( وانذر عشيرتك الاقربين).
  • القبيلةوالشعب( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
  • معيارى الانتماء إلى طور الامة- القومى:
    ١. اللسان” اللغه”( فمن تكلم العربية فهو عربى).
    ٢. الأرض الخاصه” الديار بالمصطلح القرانى( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم) .
    الثانى: أن الإسلام ينكر علاقات الإنتماء إلى هذه الوحدات والأطوار ، فى حين انه أقر بها (وإنه لَذِكرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون).

و/ مذهب الخلط بين المضمون الجغرافى والإجتماعي لعلاقة الإنتماء الافريقية: يستند الى افتراض – خاطئ – مضمونه أن تقرير علاقة الإنتماء الأفريقية للشخصية السودانية، يقتضى إلغاء علاقات انتمائها الاخرى” القومية، الدينية…”. فهو يتجاهل الحقائق التالية:

  • أن لها مضمونين:
    ١. مضمون أساسى ” جغرافى – قارى” .
    ٢. مضمون ثانوى “إجتماعى – حضارى”، يتمثل فى المشترك ” الإجتماعى – الحضارى” بين القبائل والشعوب والامم”، لكنه لا يرقى لدرجه الوحده” اجتماعية- حضارية”، فهى ليست أمة.
  • الخلط بين مصطلحى ” افريقى وحامى”، بينما يقطن افريقيا حاميين وغيرهم. كما يوجد الحاميين فى قارات اخرى ايضا.

ي/ مذهب إلغاء علاقة الإنتماء الطبقية، لعلاقات الإنتماء الاجتماعية: ويستند الى المذهب الماركسي فى صيغته الأصلية. وهو يتجاهل حقيقه أن الإنتماء الطبقى لا يلغى علاقات الإنتماء ” الوطنية والقومية والدينية…”.

  1. مذهب “التعدد المطلق”:
    يرتب على الإقرار بتعدد علاقات إنتماء الشخصية الحضارية السودانية ، إنكار وحدتها . وهو ما يلزم منه نزوع للإنفصال والتفكك. ومن اهم ممثلية مذهب الليبرالي فى صيغته الأصلية، الذى يتطرف فى إثبات الوجود الفردى ، لدرجة الغاء – أو التقليل من اهميه- الوجود الجماعى، وبالتالى يمهد الطريق أمام تفكك الدوله -كممثل للمجتمع- خاصه الدول النامية ذات البنية الهشه. وايضا يكرس لتجزئة وتفتيت الأمة، فضلا عن التغريب والإستلاب الحضارى.
  2. مذهب العلاقة الجدلية بين الوحدة والتعدد:
    يرى أن ان العلاقه بين علاقات الانتماء المتعددة، علاقة تحديد وتكامل،وليست إلغاء وتناقض ، كما هو الحال في علاقات انتماء الفرد المتعددة ( للأسرة، للقبيلة،للوطن، للحزب، للدولة، للدين…)
    للمزيد انظر:
  • د. عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، ص25-42.

ثالثاً: محددات الهوية السودانية:

أ/ الإسلام كعلاقة إنتماء دينية – حضارية :

  • الإسلام دين أغلبية الشعب السودانى .
  • الإسلام دين وحضارة، واذا كان كدين مقصور على المسلمين، فهو كحضاره يشمل المسلمين وغير المسلمين، للإشتراك فى العادات والتقاليد، ذات المصدر الحضارى الواحد.
  • والإسلام لا يلغى التعدد الدينى والحرية الدينية، بل ينظمة. والحديث هنا عن الإسلام طبقا لنصوصه القطعيه وبعيدا عن مذاهب الغلو التى لا تعبر عن جوهره “وثيقة المدينه التى تنظم العلاقه بين المسلمين واليهود نموذجا” .
  • دليل تاريخي: اتفاقية البقط (651م) كانت هدنة بين المسلمين والنوبة، وأقرت التعايش والتبادل دون إكراه (محمد سعيد القدال).
  • كما ساهمت كل من الممالك الإسلامية السودانية، والطرق الصوفية السودانية، في نشر الإسلام سلمياً.

ب/ العربية كعلاقة انتماء لغوية- مشتركة:
العربية هى اللغة القومية المشتركة للجماعات القبلية والشعوبية السودانيه، بصرف النظر عن اصولها العرقيه، ولهجاتها القبلية ولغاتها الشعوبية الخاصة.
للمزيد انظر:

  • محمد بشير عمر، التنوع والوحدة القومية.

ج/ السودانية كعلاقة انتماء وطنيه :علاقة انتماء إلى أرض مشتركة.

  • السودان الوطن تكوّن تاريخياً قبل الفتح التركى و الاستعمار البريطانى، ممثلا فى وجود روابط بين الجماعات القبليه والشعوبية السودانية، رغم ضعف الرابط السياسى الموحد ، نتيجة لعوامل جغرافية وتاريخية واجتماعية..

د/ النوبية كعلاقة انتماء تاريخية – حضاريه:

  • ساهمت في تشكيل الشخصية الحضارية السودانية.
  • اصبحت جزء من الوجود الحضارى العربى- الاسلامى.
  • لعبت دوراً مهماً في نشر الإسلام فى السودان وافريقيا.
  • للمزيد انظر :
    فضل الله أحمد عبد الله، دولة سنار.

هـ/ علاقات الإنتماء القبلية:

  • متعددة .
  • مقبوله طالما اعتبرت نفسها جزء من كل” وطنى وقومي ودينى…”( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
  • ترفض فى حال اعتبرت نفسها كل قائم بذاته، فى حال التعصب للجماعة القبليه أو الشعوبية ” نهى الاسلام عن العصبية القبلية”.

و/ الإفريقية كعلاقة الانتماء جغرافية – قارية:

  • فى الاساس انتماء قاري جغرافي.
  • رغم وجود مشترك اجتماعى وحضارى بين الامم والشعوب والقبائل التى تقطن فى قاره افريقيا ، الا انها لا ترقى الى درجه وحدة إجتماعية- حضارية.
  • لا توجد وحده عرقية فى القاره ، بل تعدد عرقى.

ي/ علاقات الانتماء العرقية:

  • السودان يتميز بالتعدد العرقى.
  • تسود العنصرية- كظاهرة إجتماعية سالبة- فى كل الجماعات” القبلية أو الشعوبية السودانية”- ولو بدرجات متفاوتة- كمحصله لتخلف النمو الإجتماعى للمجتمع السودانى، نتيجة لعوامل متفاعله” داخلية وخارجية”.
  • لذا فإن محاربتها مسئولية مشتركة.
  • وتتم بالعمل المشترك التدريجى على القضاء على أنماط التفكير” الذاتية”، والنظم الاجتماعية ” الموضوعية ، التى تكرس للعنصرية و غيرها من مظاهر تخلف النمو الإجتماعى ….
    للمزيد انظر:
    د. التجاني مصطفى، مجلة التأصيل، ص93).

…………
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل

https://drsabrikhalil.wordpress.com

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

ظاهرة “المثقف الحربائي”: تحليل منهجي لأسباب الظاهرة ودورها المُخَرِّب

د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم تعريف : هي …