«في جثة القتيل دوماً تكمن الحقيقة» — نزار قباني.
دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
ثمة جثث لا تموت. تُوارى في التراب وتُغلق عليها الأبواب وتُحاط بإجراءات قانونية محكمة، لكنها تظل قابلة للكلام، ولو بعد حين. جثة جيفرى إبستين واحدة من تلك الجثث التي لم تُسلم سرّها كاملاً، أو لعلها فعلت، لكن أحدهم آثر أن يُبقيه فى درج محكم داخل محكمة باردة.
حين صاغ نزار قباني عبارته، لم يكن يشير إلى جريمة بعينها، بل إلى ذلك التوتر الدائم بين ما يظهر وما يُحجب. الجثة ليست خاتمة الحكاية، بل مفتتحها الفعلي؛ هي الوثيقة الأخيرة التي لا تُحسن الكذب، حتى حين يتقنه الجميع.
في قضية إبستين، لم تكن الجثة كافية. المشهد، كما رُوي، بدا مكتمل العناصر: سجن، كاميرات معطلة، حراسة مثقلة بالإهمال، ورجل انتهى مشنوقاً على سرير بطابقين. التقرير الرسمي قال إنها حالة انتحار، لكن الشك بقي حياً ، كأن هناك فجوة صغيرة لا تُرى بالعين، أو كلمة أخيرة لم تُقرأ.
وسط هذا الالتباس، برزت حكاية المذكرة. فقد أفادت صحيفة النيويورك تايمز بأن رفيق زنزانة إبستين، نيكولاس تارتاغوليونى ، عثر في يوليو 2019 على رسالة مكتوبة بخط اليد داخل الزنزانة، بعد حادثة وُجد فيها إبستين فاقد الوعي وبشريط قماش حول عنقه. نجا يومها، قبل أن يُعثر عليه ميتاً بعد أسابيع. الرواية تقول إن المذكرة كانت على ورقة صفراء من دفتر قانوني، مخبأة بين صفحات رواية مصوّرة، وتحمل نبرة متأرجحة بين التحدي والإنهاك، وتنتهي بعبارة وداع.
ليست المسألة في وجود المذكرة بقدر ما هي في مصيرها. فقد أُلحقت بالقضية الجنائية الخاصة بتارتاغليوني، وخُتمت بأمر قضائي، لتُحفظ في خزنة داخل المحكمة، بعيداً عن أعين الصحافة والمحققين على حد سواء. حتى الجهات الرسمية أقرت بأنها لم تطّلع عليها. هكذا تتحول ورقة قد تحمل مفتاحاً لفهم اللحظات الأخيرة إلى جزء من نزاع إجرائي، وتغدو الحقيقة نفسها مادة قابلة للحجب والتنظيم والتأجيل.
المفارقة أن كل ذلك يحدث في وقت أُفرج فيه عن ملايين الصفحات من الوثائق المرتبطة بالقضية، في سياق ما وُصف بجهد شامل للشفافية. غير أن كثرة الأوراق لا تعني بالضرورة وضوح الصورة، بل قد تزيدها التباساً ، خصوصاً حين تُحجب أجزاء منها أو تُقدَّم في سياقات منقوصة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: هل تحتاج الحقيقة إلى تلك المذكرة؟ الجسد نفسه قال الكثير؛ آثار حادثة سابقة، روايات متباينة، نظام سجني يعترف بثغراته، وسجين يبدّل أقواله. هذا كله ليس صمتاً ، بل ضجيج كثيف. لكن الإنسان، في بحثه القلق عن يقين نهائي، يظل يتطلع إلى جملة فاصلة، إلى توقيع أخير يضع حداً للتأويل.
لهذا نُعلّق آمالاً كبيرة على «مذكرة انتحار» محتملة. نريد من الميت أن يتكلم بوضوح، أن يشرح، أن يحسم. غير أن الحقيقة، في كثير من الأحيان، لا تأتي في صيغة جملة واحدة، بل في هيئة شبكة من الوقائع المتقاطعة التي يصعب جمعها في معنى نهائي.
في حالة إبستين، تبدو الجثة كأنها تفتح باب السؤال، فيما توحي المذكرة الغائبة بأن ثمة ما لا يُتاح بسهولة. بين الاثنين، تتشكل مسافة تتسع للتأويل، وتبقى الحقيقة معلقة بين ما قيل وما حُجب.
هكذا تستعيد عبارة نزار قباني معناها الأعمق: الحقيقة كامنة، نعم، لكنها لا تُسلِّم نفسها طواعية. ثمة دائمًا من يعيد صياغتها، أو يقتطع منها، أو يضعها في ملف مختوم. قد تكون الجثة صادقة، لكن الرواية التي تُبنى حولها ليست كذلك بالضرورة.
في النهاية، لا يعود السؤال ما إذا كان الرجل قد انتحر أو قُتل، بل لماذا تظل قصته مفتوحة. لأن الجثة لم تقل كل شيء بعد، أم لأن ما قالته لم يُتح لنا أن نسمعه كاملاً ؟! .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم