خــيط رفــيع
19 فبراير, 2011
عبد الله علقم, منبر الرأي
39 زيارة
(كلام عابر)
هناك موقع على الشبكة العنكبوتية يحمل اسم "منتديات القضارف" أسسته جماعة ناهضة من أبناء القضارف المقيمين في العاصمة السعودية الرياض قبل ثلاث سنوات، وكان نقلة حضارية كبيرة وعملا ثقافيا مميزا في كل منطقة القضارف واستطاع أن يستقطب الاهتمام والأقلام وأن يتواصل مع كل أبناء القضارف في الوطن وفي خارجه وأصبح جزءا من الحياة من الحياة اليومية في مدينة تعاني ما زالت من الضمور الثقافي والاعلامي ولأبناء المدينةالمنتشرين في المهاجر. وفي يوم الخميس الماضي 17 فبراير كان احتفال مؤسسيه بعيدهم الثالث مثلما احتفلوا مرتين من قبل في الرياض ، وظللت أحرص رغم البعد الجغرافي ، هم في الرياض وأنا في الدمام على بعد اربعمائة كيلومتر منهم، ورغم فجوة السنين والأجيال، معظمهم في سن أبنائي، فقد كنت حريصا على المشاركة في هذه المناسبة مثلما كنت أفعل من قبل، فهي من لحظات الفرح التي غدت عزيزة في هذه الأزمنة ، فضلا عن أني ارى فيهم مستقبلا غير الماضي الذي كان ورؤية جديدة للأشياء.
وقبل أن أشد الرحال لحضور هذه المناسبة التي يزيدها ألقا وجود فريق "ديم حمد والشايقية" الذي جاء من القضارف للرياض ممثلا للسودان في بطولة الأندية العربية للكرة الطائرة، جاءني هاتف ينعى إليّ شِقيقا لم تلده أمي. عشنا معا أيام الطلب في الجامعة وعشنا أحلام المستقبل بعد ذلك بطموحات تحلق في السماوات يوم أن كانت الأحلام مجانية متاحة للجميع لا يصادرها أحد، وظللنا نحلم معا حتى باعدت بيننا الأيام والحلم بالمستقبل في بلاد الآخرين إلا أنه، الراحل محمد مرسي محمد، لم يخطر بباله في يوم من الأيام أن يربط أحلامه ومستقبله بمكان خارج الوطن مثلما يفعل الآخرون، من اغترب منهم ومن يستعد أو يحلم بركوب الموجة. تمرد على كل الأمكنة فما طاب له المقام إلا في حقل التعليم الذي وهبه جل سنوات عمره. كانت كل أسلحته هي قدر كبير من الزهد وتفاؤل لا محدود وابتسامة وسخرية يتحدى بها المستحيل ويقهر بها ومعها أشباح الإحباط واليأس. كان ببراءة ونقاء طفل كبير. لا شك أن كل من عاصره في مدرسة بورتسودان الثانوية وفي جامعة الخرطوم وكل من زاملوه في حقل التعليم وفي النادي النوبي في الخرطوم والذي كان رئيسا له وكل من عرفوه سيفتقدون تلك الابتسامة والضحكة.
خيط رفيع ذلك الذي يفصل بين الفرح والحزن، والابتسامة والدمعة، والحياة والموت، والبقاء والعدم ، كلها وجهان لنفس العملة ولا تختلف إلا من حيث أسبقية الحدث. لم أستطع حضور فرحتهم بكبد منفطر وفؤاد كسير .. لم يكن بيدي أن أفرح مثلهم وإن أردت فذلك ما لا أملكه ولم أرغب في نقل ما أنا فيه من كآبة للآخرين بعد أن سبقتني قطعة مني إلى القبر، فالحزن يظل حالة شخصية وملكا حصريا للحزين بغصته الباقية في الحلق والتي تستعصي مرارتها على الأيام، وهو شعور نفسي وقتي تختزنه الذاكرة ويتسرب إلى دواخل الذات،تخف وطأته ولكنه يبقى رغم أنه لن يعيد من رحل ، فدوران الأرض لا يتوقف لرحيل أحد.
أرجو من القاريء الكريم أن يدعو معي للأستاذ محمد مرسي محمد، الذي سبقنا للقاء ربه، بالرحمة والمغفرة وفسيح الجنان. وسلام علي مرسي في عليائه ، وطيب الله ثراه.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com