الديمقراطية التوافقية منعاً لبرلمان “يا البوث نعالي ما وقعت في عينك” (٢-٣) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


قطع شك أن الديمقراطية هي آخر ما في اهتمام الذين يزفوننا إلى الانتخابات هذه الأيام. إنهم من ناس “يا رقبي خلصي” من الثورة للصيد في ماء عكرها الذي هو عكر التغيير وقد عضهم بنابه منذ ديسمبر ٢٠١٨. فالانتخابات ليست هي الحل كما وقع في خاطر الثورة المضادة. فمطلبنا منذ ثورة أكتوبر ١٩٦٤ كان هو الديمقراطية التوافقية في مصطلح اليوم. وهي الديمقراطية التي نتعاقد عندها حول برلمان ترى كل قطاعات المجتمع نفسها فيه فتحرص عليه. ويترتب على هذا أن نتواضع عند قانون انتخابي سنضطر فيه لخرق مبدأ الصوت الواحد للمواطن الواحد بسماحة تكفل تمثيلاً أسخى لقوي اجتماعية مثل المدينة وقواها الحديثة والمرأة والشباب لنؤمن استدامة الديمقراطية. فبرلماناتنا التي التزمت بالصوت الواحد للمواطن الواحد في ١٩٥٨ و١٩٦٥ و١٩٨٥ لم تعمر لأن الريف، المجيش في غالبه يومها للأحزاب التقليدية، طغى. فلم تجد القوى الحديثة، التي منها الجيش والمهنيين من هم عماد الدولة، أنفسهم فيها فاعتزلتها ثم انقضت عليها.
حرصُنا أن تقوم الانتخابات، التي تجعل البرلمانية فينا إجماعاً وميثاقا، هو ما دفعني للقول إن دعوة الثورة المضادة للانتخابات كالطريق للخروج من الاستقطاب الذي نحن فيه لا تصدر عن حماسة للديمقراطية. فإن سألتهم في غير حال الانتهازية هذه لقالوا لك إن الديمقراطية نفسها لا تصلح للسودان لأنها ما جاءت إلا ذهب انقلاب بريحها: الدورة الخبيثة. وجاؤوا بذرائع لتبخر الديمقراطية منا بقولهم بخلونا من الثقافة الديمقراطية، أو تمكن العقل الرعوي منا. وقيل عنها إنها مثل من يلبس بدلة ثلاثية في صيف السودان. وبدلاً من أن يتأنوا في التفكير فيما يجعل الديمقراطية مستدامة فينا تجدهم يسارعون اليوم بانتخابات معجلة لا يعصمهم منها أن البرلمان الذي سيحصل منها ستنطوي صفحته معجلاً مثل سابقاته. فمطلبهم ليس الديمقراطية. مطلبهم من الانتخابات أنها، في وخم فلوليتهم وانتهازيتهم، هو قطع طريق الثورة. وحرصنا نحن على وضع قانون انتخابي لديمقراطية توافقية هو طريقنا لبرلمانية مستدامة. هو طريقنا الأكيد للإجماع الوطني الذي يدون فيه الحلة عيطة والنقارة عصا.
دعوتنا في صف الثورة لديمقراطية توافقية لما بعد الثورة قديمة كما مر. ولم تجد، يا للأسف، تقعيداً فقهياً لها خلال معارضة الإنقاذ الطويلة. فكنا في اليسار دعونا لمثل هذه الديمقراطية منذ ثورة أكتوبر ١٩٦٤ ثم في ١٩٨٥ من دون تسمية. ولم تنشغل الدوائر السياسية المعارضة ولا الأكاديمية بفقهها مع أنها مما صار مصطلحاً معلوماً في علم السياسة في سياق التمييز الإيجابي للمرأة مثلاً. وأذاعه فينا المرحوم الإمام الصادق المهدي والمرحوم الطيب زين العابدين.
وسمة هذه الديمقراطية هو ما اسميه ب”الأريحية”. فيتنازل فيها صاحب الغلبة الاقتراعية هوناً ما ليفسح المجال لتمثيل جماعات منافسة له دونه حظاً في الغزارة الاقتراعية. ولا يقوم صاحب الغلبة بهذه الأريحية مِنة أو حناناً، بل لأنه ربما كان هو المستفيد الأكبر من استقرار المؤسسة البرلمانية مثلاً. فلما عرضنا ما اتفق لنا من اقتراحات للديمقراطية التوافقية على أحزاب الكثرة: حزبا الأمة والوطني الاتحادي (١٩٦٤) وحزبا الأمة والاتحاد الديمقراطي (١٩٨٥) صما أذنهما عنا عزة بغزارتهما وتمسكا ب”صوت واحد للمواطن الواحد”. وحدث ما حدث.
لم نكن مصرين على دقائق اقتراحاتنا للديمقراطية التوافقية مثل تخصيص دوائر للعمال والمزارعين، أو الإكثار من دوائر المدن. كانت اقتراحاتنا مجرد حرص منا ألا يقوم برلمان يغلب فيه الريف فلا ترى قطاعات كثيرة من شعبنا نفسها فيه، فتعتزله، ويصير مادة لمسخرتها مثل “يا البوث نعالي ما وقعت في عينك”، فيطاله الانقلاب. وجرت انتخابات بعد الثورتين على مبدأ للغالب كل الصيد. وقام برلمانان. ولم يدم أي منهما في الحكم لسوى ٤ سنوات. ويقال الطمع ودر ما جمع.
هل لنا من التجارب في ممارستنا الديمقراطية ما قاربنا به هذه الديمقراطية التوافقية وسرتنا؟
نعم. فلنا القدوة في دوائر الخريجين منذ ١٩٥٤ وفي اتحاد التمثيل النسبي بجامعة الخرطوم كما سنرى.
*هل من بحوزته كتيب تقييم انتخابات ١٩٦٥ الصادر عن الحزب الشيوعي السوداني فيتكرم بصورة منه لنا.

IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك