الرحيل الفاجع .. إبراهيم سليمان ينعى صديق عمره م. بشير الجزولي


قال الحق جلّ وعلا: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)
الفاجعة التي هزّت أركان الأسرة، الموت المفاجئ للأخ العزيز والصديق الصدوق، الباشمهندس الخلوق، بشير حسين على الجزولي، الذي رحل عن دنيانا الفانية ملبياً نداء ربه إثر علة مفاجئة ليلة الاثنين الثاني من شهر رمضان المنقضي عام 1443هــ الموافق الرابع من شهر ابريل 2022م
ما أفجع أن تصحو من النوم لتتلقى خبر وفاة أعزّ أخ وأصدق صديق؟ وكم هو مرعب أن يرحل أقرب الناس إليك بغتة؟ وكم هو مؤلم أن تفارق صديق العمر للأبد بعد طول فراق؟
كدنا نستبعد رحيله هكذا دون مقدمات ودون وداع، لو لا استدراكنا أنّ الموت حق، وأنّ الحياة باطلة، وأنّ البقاء لله وحده. ورغم ابتلائنا بمصيبة الموت، في الأهل والأقارب والأصدقاء، لأول مرة نشعر برعب الرحيل، وغفلة الإغترار بالحياة الدنيا، وأنّ الموت أقرب إلينا من حبل الوريد.
في معنى لحديث مروي عنه صلى الله عليه وسلم، من يشهد له أهله وجيرانه ومعارفه ويبرؤون ذمته، ويثنون عليه خيرا، فإنّ الله يجيز شهادتهم ويفيض عليه من رحمته، ونحسب أنّ الله قد منّ علي الفقيد بشير الجزولي خيرا، برحيله يسرا في ساعة السحر، من ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان الفضيل.
لا نزكيّه على الله، ولكننا نحسب أن الراحل زول الله وحبيب الرحمن، لقوله صلى الله عليه سلم “أحبّ الناس لله، أنفعهم للناس، وأحبّ الأعمال لله سرور تدخله على مسلم” ولا نرى من هو أنفع لأسرته وأقاربه وأصدقائه وسائر معارفه من الراحل بشير الجزولي، ينتظره أصحاب الحوائج شهرٌ بشهرٍ بفارغ الصبر ليأتي من مقر عمله بحقول البترول، يبرمجون مع عودته، ويستفسرون عن مواعيد سفره وتواريخ حِله وترحاله، ينتظره القريب والبعيد للمرافقة إلى المشافي العصيّة، والمشاوير العائلية البعيدة، يترقبونه لمراجعة الدوائر الحكومية المعقدة، وعمادات الجامعات الجشعة، واستقبال الداخليات غير الرحيمة، ينتظرونه ليتوّسط مجالس الصلح بين متخاصمين، أو إصلاح بين زوجين، يترقب عودته من حقول البترول النائية، من يتردد في طرق باب خطوبة، ومن يرتب لسماية مولود، أو الاحتفال بتخرج. الراحل المقيم مهندس بشير الجزولي كان ملجأ للمحتاجين يسندهم بعد الله وما أكثرهم، كان ملاذا بعد المولى لأصحاب الحوائج من أهله ومعارفه وما أحوجهم لشهامته، كان كريماً جوادا لم يبخل بماله، ولم يضنّ باتسامته الصافية والصادقة على من يعرف ومن لا يعرف.
رحل جمل شيل الأسرة، وترك فراغاً لا نظن هنالك من يملأه من الجيل الحالي، رحل الخدوم فجأة وكان نسيج وحده، دربه كبير، و”باعه” واسع وعماده مرتفع في العلالي.
قبل مغادرتنا البلاد، ما كنا لنفترق مع الراحل، سيما خلال عطلات نهاية الأسبوع، والإجازات الرسمية للجامعات، نصول ونجول معا في زياراتنا العائلية داخل العاصمة وخارجها، كان “جيبنا” واحد، نتبادل قمصان “القشرة”، همومنا متشابهة، وأحلامنا متماثلة، فإنني خير من يشهد له بالسماحة والتؤدة والتأني والجلد في الملمات، لم اجد بشيرا قط إلاّ وهو هاش المحيا، باش الوجه، يستسهل كل الصعاب، ولا يهاب المصائب، ليست في نظره مشكلة ليست لها حل، فالراحل مَلك في الأرض يمشي بين الناس، وقلّ ما يجود الزمان بمثله، بفقده المُر، فقدنا أخٌ عزيزا وصديقا حميما، وطوينا ذكريات عطرة، ومحطات مهمة في مشوار حياتنا، عليه شآبيب الرحمة والمغفرة.
يندر أن أحادث الراحل هاتفياً، ولم أسمع ضحكته الصافية، ويستحيل أن أتصل عليه في شأن من شئون الأسرة الممتدة، ولم أجده على علم به، وتواصل في شأنه، فالراحل كما اسمه، كان اسما على مسمى، بشيرا، مبشرا بسماحة صلة الأرحام، وعظمة قضاء حوائج الناس، وقباحة التقوقع على الذات، وأسرار الثقة المطلقة في قدرة الله، ومردود الفأل الحسن، والرهان على عدم اليأس وتجنب القنوط من جزاء عمل الخيرات، بلا منٍ ولا أذى.
حببّ لله للراحل قضاء حوائج الناس، فأحبه الناس، فكانت فاجعة رحيله عظيمة، والكسر العائلي جلل، لكننا لا نقول إلاّ ما يرضى الله. نسأله جل وعلا أن يعّوض كل من يفتقده خيراً.
رحل بشير الجزولي، ولم ترحل مكارمه، قال أحمد شوقي:
فأرفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمرٌ ثاني
شيّد الراحل المقيم صرحا عظيما من السمعة الطيبة والصيت الحسن، وهي أفضل من “طولة” العمر، وحقا وراء كل عظيم امرأة، والفقيد ليس استثناءً، فكانت رفيقة دربه الأستاذة أميرة أحمد حامد، سلسلة أسرة آل أحمدي الراكزة بحي أبو دَقَل العريق بالنهود، تسنده لفعل الخيرات، وتعينه على قضاء حوائج الناس، حتى إن كان خصما من زمنهم الأسري، ورغم أنّ الأستاذة أميرة أم أولاد الراحل، مسؤولة راكزة بديوان المراجع العام، هيأت لزوجها الفقيد الفلاح فيما عجز عنه الآخرين في فعل الخيرات، فكان خيار ذرية الجزولي لأهله المتوسمين فيه خيرا، ولم يخيّب من قصده متعّشماً معروفا.
وهب الله للراحل من زوجته الفضلى أستاذة أميرة، هبة الله، وهيفاء، وعبدالرحمن وأحمد، ربنا يجبر كسرهم في فقدهم الجلل، ويبارك فيهم.
استعجل المنية رحيل الفقيد إلى الرفيق الأعلى، ولم تمهله لوداع أهله وأحبابه، كما أمهلت جده الرجل الصالح، العارف بالله والخادم لكتابه الكريم الشيخ على الجزولي، المتوفي عام 1968م، وكان على علم بعلامات دنو أجله، إذ ودّع أهله ومعارفه وداع الراحلين إلى مِنى، لتدركه المنية بأمدرمان، بعد قضاء فريضة الحج، وزيارة المصطفى في روضته الشريفة، وقبل عودته لنار تُقابته القرآنية العامرة بطلاب العلم في أم لُبانة بكردفان. توفي الحاج على الجزولي ببقعة المهدي بعد 70 عاماً من استشهاد والده الجزولي محمد في كرري عام 1898م ودفن على مسافة ليست بعيدة من مرقد والده في مقابر أحمد شرفي.
أمّ ابن عمه الشيخ صديق حسن الجزولي، القارئ والإمام المقيم لمسجد الشجرة العُزوزاب بالخرطوم جموع حاشدة، صلى على جثمانه الطاهر وورى الثرى في مقابر حمد النيل بامدرمان.

اللّهم يا رحمن يا رحيم، أرحم عبدك بشير الجزولي، رحمةً واسعة من عندك، وبدلّ شبابه بالجنة، وأرزقه الفردوس الأعلى بفضل شهرك المبارك، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، اللّهم بارك في ذريته، وأرفق بهم وأحفظهم، وعوّض كل من أفتقد معروفه، أو كان ينعم بسماحته خيراً، اللّهم، أرزقه دارا خير من داره، وأهلٌ خيرا من أهله، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
ونحن إذ نعزي في فقد الراحل المقيم، نعزي أنفسنا، بعد عزاء أسرته الصغيرة، زوجته وأبنائه وبناته، وعائلته الكبيرة، آل الجزولي، وآل آدم أحمداي، وآل إسحق فخرالدين، الممتدة في كردفان ودارفور والعاصمة والنيل الأبيض، والخليج وليبيا.
والعزاء موصول لهيئة شؤون الأنصار، والروابط الاجتماعية والهندسية لكردفان الكبرى، ولزملاء الراحل بشركة النيل الكبرى للبترول وإدارتها.
“إنّا لله وإنّا إليه راجعون”
المملكة المتحدة في7 مايو 2022م
إبراهيم سليمان

ebraheemsu@gmail.com
///////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات