السياسة الجنائية في التعامل مع الثوار .. بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي


في الوقت الذي تشتعل فيه الثورة السلمية التي تطالب بإسقاط النظام في جميع مدن السودان،لا زالت  الحكومة تنتهج سياستها المعهودة مع المتظاهرين المتمثلة في الاعتقال والتعذيب، ثم اختيار بعض المعتقلين لتقديمهم لمحاكمات جنائية بموجب تهم ملفقة بغير عناية الغرض منها التنكيل بالمعارضين وزرع الخوف في قلوبهم.

يتم الان تقديم العديد من المعتقلين مثل رضوان داوود وعمر عشاري وخالد سلكو وداد درويش وغيرهم من المعتقلين، لمحاكمات جائرة لفقتها السلطة الباطشة تحت تهم تتراوح بين اثارة الشغب وقلب نظام الحكم وممارسة الارهاب، الغرض منها النيل منهم وترويعهم، وارسال رسالة قوية لبقية الشباب الثائر. في المحكمة تم تقديم بعض المعروضات كأدلة جنائية ضد المتهمين مثل قطع قماش تستخدم لكتابة الشعارات، وزجاجات خل يستخدمها المتظاهرون لإبطال مفعول الغاز المسيل للدموع الذي تستخدمه الشرطة والامن لتفريق المسيرات، وكمامات لاتقاء شره. هذه التهم والادلة والمحاكمات لا تدعو فقط للسخرية والاستهزاء، ولكنها تثير الشفقة على نظام القضاء الجنائي السوداني الذي اصبح مطية في ايدي الاجهزة الامنية والتنفيذية التي تسخره للتنكيل بالمعارضين. و هذا هو المدخل الذي نفذت منه المحكمة الجنائية الدولية التي ما كان لها ان تتدخل في قضايا حرب دارفور لو كان لدينا قضاء حر ومستقل.
إن ممارسة السياسة الجنائية ضد المعارضين والمتظاهرين غير مجدية وقد تم تجريبها في بواكير عهد الانقاذ حين تم تقديم دكتور مأمون محمد حسين ، والامير نقد الله وغيرهم من القيادات السياسية لمحاكمات سياسية، فلم تقطع هذه المحاكمات المفبركة دابر المعارضة او تكسر شوكتها، كما لم تعالج أسباب الثورة على النظام او تلغيها. كما أن التلويح بممارسة السياسة الجنائية المتمثلة في فتح البلاغات على الثوار المسالمين يعيد القضية إلى المربع الأول الذي بدأت عنده ويعكس الفشل السياسي الذي ظلت تعاني منه الانقاذ منذ اغتصابها للسلطة قبل ثلاثة وعشرين عاماً. ان خروج الالاف من الشباب من الرجال والنساء للشوارع يدل على شيء واحد: هو ان هذه الجماهير قد سئمت و”قرفت” من نظام الانقاذ، وانها غير راضية باستمرار هذا النظام الذي اضاع البلاد وقسمها ونشر الحروب في ارجائها وجوع الشعب وسامه العذاب.
لابد  للإنقاذ من الاعتراف بأنها فشلت سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وامنياً، وان اصرارها على محاكمة الثوار المسالمين يعكس حالة غريبة من التعنت والغباء السياسي، وانعدام في القدرة على التعلم من تجارب الغير القريبة، في وقت شهدنا فيه كيف خرج المعتقلون السياسيون من المعتقلات والسجون ليدكوا عروش الدكتاتورية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن. وهؤلاء المعتقلين ان خرجوا من معتقلاتهم بعد نصر قريب سيكون انتقامهم من جلاديهم ادمى وامر مما شهدناه في هذه الدول. هؤلاء الطغاة تحدوا شعوبهم واساءوا اليها وعملوا على اذلالها كل صباح جديد بالاعتقالات والتعذيب والمحاكمات الكيدية، فكانت النتيجة الطبيعية ان ثارت عليها الشعوب واقتلعت انظمتهم من جذورها ورمت بها مع جثثهم في مزبلة التاريخ.
ان سلطة الانقاذ قد اوشكت على الزوال دون شك، فنهايتها الدانية ستكون بمنطق القوة نفسه الذي طالما راهنت عليه وتصر عليه، فالقوة العسكرية مهما كانت لها حدود، فان لم تحدها قوة اخرى مقابلة، وضع لها الشعب الثائر متراساً واوقفها عند حدها. ان الثورة التي اشتعلت ضد النظام لن تتوقف رغم بطش وقمع الشرطة والاجهزة الامنية، ورغم الاعتقالات والمحاكمات الكيدية التي تحيكها الحكومة، وهي منتصرة لا محالة بإرادة هؤلاء الشباب الذين تزج بهم الانقاذ في سجونها.

Ibrahim Ibrahim [ibrali7@hotmail.com]


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات