الطائر …. الجريح … بقلم: أحلام إسماعيل حسن



(7)

إجتمعنا حول العرافة نستطلع ما قاله الودع …. نستبشر بالخير الذى وعدتنا به …. بدأت العرافة حديثها بأنها ترى ليلا حالك السواد لايكاد الشخص أن يرى فيه شيئاً … بدأت تتمتم الوداعية بكلماتها المعهودة التى لا نفهم لها معنى …. قاطعها الطائر الجريح : هذا الليل الذى وصفتيه هو عالمى الذى كنت أعيش فيه قبل أن أحط هنا فى هذا المكان الذى رأيت فيه نور الصباح لأول مرة منذ زمن طويل …. نفس المداخلة التى قالها هذا الطائر هى بحذافيرها ما كان يجول بخاطرى … أهى توارد أفكار ؟؟ …. توارد خواطر ؟؟ أترى أننا كائنان جمعنا ظرف واحد … تشابهنا فى كثير من مشاوير حياتنا …. مظهر سعادة وواقع شقاء …. بسمة على الشفاه وطعنات تنزف فى دواخلنا …. ننشر الفرح ونفترش الحزن …. نظرت إلى الطائر الجريح الذى بادلنى النظرات … رأيت الحيرى فى عين المرأة التى كانت تلتفت لى من جهة اليمين ثم تتحول بوجهها لجهة اليسار لتتفحص ذلك الطائر وكأنها تبحث عن ملامح شبه بينى وبينه …. هذه المرأة أصابها ذهول لما رأته من تطابق ملامح …. حاولت أن ألطف الجو … إبتسمت إبتسامة مفتعلة واقتربت من الوداعية وقلت لها :
يــــــا عـــرافـــه لــــــو بـتــعــرفــى
لــــــو بـتـشـوـفــى لــــــو بـتـكـشـفــى
عــلــم الـغــيــب وحــاتـــك هــاكـــى
!!..هـــــــــــاك..كـــــــــــفـــــــــــى
سـنـيــن فــــى الـدنـيــا دى..ضــايـــع
كـمـان..ضــايــع شـــايـــل الـــويــــل
وســهـــر الـلــيــل وكـــــل الــمــيــل
!!..عـــلـــى ..كــتــفـــى
حـــمــــول بــــتـــــرجـــف الـرجـــاف
اتــوقــيــت لا كــلــيــت لا مــلــيـــت
ما هميت !!..شلـت الشيلـه واضعفـى
يـــــــــــا عـــــرافــــــه شــــــــــــن
بتقولـى فـى حظـى !..التعيس..مكفـى
شـمـوعــى تــضــوى درب الــنـــاس
وأنــــا.. !!..واحـســرتــى مـطــفــى
أحس الغربه رغم الدار ورغم الجـار
وحــيــد
!!..فــــى غـربـتــى مـنـفــى
مـسـافــر يـــــا مــراكـــب الــشـــوق
وفــــى الـلـجــات أصــــارع الـلـيــل
!!..فـــوا ..حـزنــى ..ووا..اسـفــى..
يا عرافه من تبيت من تاتــيــت من شــبــيــت
شفت الهول امامى جبـال وبـى خلفـى
مــحــل قـبــلــت الــقـــى الـصــيــف
سـمــوم شـربــت !!..خـدار..جـرفـى
شــــن بـتـقـولـى !!؟..يــــا عــرافـــه
كـــان وصـفــك !!..مـتــل وصــفــى

بعد سماع الوداعية لمخاطبتى لها بكلمات إسماعيل أخذت الودع بطريقة سريعة كأنها تتحدى هذه الكلمات ثم ألقت بالودع على الأرض بعد أن مسحت المكان بيدها وساوت ذرات ترابه …. تجمع الودع فى مكان واحد على غير المعهود من شكل التشتت الذى نرى عليه الودع دائما …. بدأ إشعاع غريب يصدر من تكتل الودع وكأنه يحترق ثم يتوهج … نادت علىّ المرأة وطلبت منى أن أقترب من دائرة الودع لأرى ما يحدث … دققـت النظر وكلى إصرار أن أرى ما يدور … رأيت مدينة مليئة بالعمران والأنوار والحركة والنوافير وكأن بها إحتفالا حيث أنى رأيت الألعاب النارية تكسو سماء المدينة … إنها مدينة خرافية … سألنى الطائر الذى إقترب منى حتى إلتصق بى من غير أن أشعر به لإنشغالى برؤية المدينة الساحرة وكذلك هو لم يشعر بمكانه منى إلا بعد حين … عند ذلك نظر الطائر إلىّ نظرة تفاؤل وحب وسألنى ما إسم هذه المدينة …لم تمنحنى المرأة مجالا للرد وتولت الرد هى عندما وجهت حديثها إلينا وكأنها تحسم الأمر إنها مدينة السلام ثم إلتفـتـت إلى بسرعة حتى تتأكد من موافقتى للإسم الذى إختارته … عندها نظرت إلى رفيقى فرأيت فى عينيه نظرات توحى بعدم إقتناعه بالإسم الذى أطلقته الوداعية على هذه المدينة …. فصادف ذلك هوى فى نفسى فقلت لها أرى أن نطلق على هذه المدينة إسم مدينة الحب والسلام ….. حرّك الطائر جناحيه إشارة لرضائه بالإسم الذى إخترته ولم تعترض الوداعية عليه بل حاولت إضفاء جو من المرح على جلستنا هذه عندما قالت ( هى إنتو ماااا ختيتو لى بياض … أنا من الصباح تعبااانة أرمى وأشييل فى ودعى … وينو البياض ؟؟؟ لكن بى كده الودع محمــدكم .. بى دستوركن يا أولاد ماما ) ضحكنا جميعا وبدأنا ننظر بعيدا نحو الأفق نستطلع المستقبل الذى سيحملنا إلى تلك المدن الآمنة المخضرة الحالمة ….
بدأ الطائر يحرك جناحيه إستعدادا للتحليق فى الفضاء ….أخذت المرأة حبات ودعها وأدخلته داخل (القفة) بعد أن تأكدت من إكتماله …. كانت لحظات صعبة على نفسى أن نفترق بعد أن قضينا وقتا تآلفت فيه أرواحنا وتبادلنا خلاله أسمى معانى الإلفة والمحبة … سألت الطائر إلى أى الجهات سيكون مسارك ؟؟ أجابنى سأسبقـك إلى تلك المدينة الحالمة …. أرجو أن لا يتأخر حضورك لها … سأظل أنتظر اليوم الذى تطرقين فيه أبواب المدينة … ستشرق الأنوار وسيصفو السماء …. سترفرف أجنحة الطيور وستشرق الشموس وتتفتح الورود وسيحمل النسيم من كل زهرة عطرا يعبق بها سموات المدينة …. تابعت الوداعية هذا الحديث الرومانسى الذى تتبادله أرواح العشاق فسالت دمعة على خديها ربما لأن ما سمعته أثار بعض أشجانها وأعاد لها ماض بعيد كانت تعيش فيه زمان العشق الذى رحل ….. فى تلك اللحظة كان الطائر قد إرتفع فى الفضاء يرفرف بجناحيه مودعا بينما كنت أتابعه بنظراتى الحزينة والعبرات تسد حلقى ….. وإذا به يعود ليقترب منى ويضع رجليه على كتفى ويضم جناحيه حول وجهى وكأننى كنت أنتظر هذه اللحظة .. لحظة تستفـز حزنى فانفجرت باكية بصوت عال وانهمر الدمع أنهارا …. عندها عرف الطائر أننى إسترحت عندما أخرجت الكثير من أحزانى فسألنى : قلت لى ما إسم المدينة ؟؟؟ قلت له إنها مدينة الحب والسلام … قال لى أنت التى زرعت فيّ هذا الحب فلابد أن أقرن إسمك يا عزيزتى بإسم هذه المدينة فيكون إسمها أحلام الحب والسلام .. ما أقسى خروج البسمة من بين حزن منسوج من أضلاع الليل الجاثم على الصدور … لكنها خرجت … هذه المدينة هى التى نحلم أن تكون لتعود إليها كل الطيور المهاجرة … أنا وأنت وكثير غيرنا تاهت به الخطى فى مغارب الأرض ومشارقها وفقد إتجاه العودة للوطن … لأنى أحب ترابك يا بلد وأحب أهلك يا سودان وأعشق حسناواتك وأتشرف برجالك سأعود لك فى يوم ما ….. وجدت نفسى أدندن :

أشكو ليك من جور زمانى وكيف رمانى
وشوف وراك شوف الزمن كيفن بسو

زيك غريب وا
لغربة طالت يا مسيكين متلى يا طير الرهو
التراب ملينا عيشتو أريتنى زيك كل يوم يحضنى جو
فى بحور الريد نسافر والمراكب كاسحة ما دام ريحنا نو

يا سلام لمن نسالم ونبقى شوق طاير معربد
نستحيل شلال عواطف فى قليب عاشق مغرد
زى تميرا فى الشمال لمن يفيض النيل يفرهد
غاب الطائر ورجعت أتوسد أحزانى وأحلم بالعودة ليك يا وطن … لا تسألنى متى

 
AHLAM HASSAN [ahlamhassan@live.ca]


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات