شراءُ غدٍ واعدٍ مقابل حاضرٍ بئيس .. بقلم: عمر العمر


بما أن كل عملية سياسية تأتي انعكاسًا لعقليات محلية فإن الواقع المأزوم المعيش حاليا لأيمكن الإنفكاك منه مالم يتم التحرر من العقليات آسرة هذا الواقع المخزي وأسيرته. لا فارق بين عقليات اليمين واليسار. فمن غير المنطقي توهم رئيس حزب الأمة نجاحه في إقناع الشارع العام بالفصل بين مكانته الحزبية وممارساته الشخصية تجاه ابرز قضية سياسية في الوطن! لا يستقيم اَي جدل ديالكتيكي يمنطق موقف قيادة الحزب الشيوعي بتأييده قانونيًا ونفيه سياسيًا لرؤية الناطقة باسمه ! فبغض النظر عن مدى نجاعة تلك المقاربة وفق القوانين فالأهم هو رؤية الحزب السياسية. إذ هو حزب سياسي ليس إطارًا قانوني . ذلك جدل له منابره وحلباته ونجومه! من غير المقبول عرفًا مقاطعة قيادة الحزب إفطارًا رمضانيًا وهومناسبة اجتماعية من منطلق مراكمة المواقف السياسية٠
****** ***
في السودان تحرص القيادات السياسية على المشاركة في المناسبات الاجتماعية ؛أفراحا وأتراحا بوعي السياسي النافذ البصيرة ،الملتزم بآداب المجتمع الامام الصادق -على روحه الثناء والدعاء- كثيرا ما غشيت وجهه الكريم روائح المباخر وأتربة المقابر٠عبدالخالق محجوب -على روحه السلام-حرص على حضور مواراة عبد الرحمن النور الثرى في بلدته بالجزيرة٠لمنصور خالد حكاية مع عمر الحاج موسى اشبه بدرس لمغترب عائد في كيفية ممارسة السياسة على الطريقة السودانية داخل أعراف المجتمع٠تلك من ابسط أدوات العمل السياسي لكنها بين أمضاها نفاذا
***. ***. ***
العقليات اللاهثة وراء دولاب العملية السياسية الدائر في فلك المجهول حاليا لن ترسم خارطة طريق لجهة مستقبل آمن٠ هي نفسها عالقة في فضاء بين العام والخاص ،بين الواقع و الخيال ٠الانهماك في إعداد مبادرا ت ليس غير استغراق في مخادعة الذات قبل تسويق الأوهام عن قدرات متخيلة في شأن انتاج غد أجمل أو على الأقل بناء مدارج بغية تجاوز الواقع المخزي .تلك العقليات تهدر الزمن فلا تنتج غير مزيدٍ من الاحباط لدى الجماهير دون ان تحدث خطوة إلى الامام. كأنما نحن في سوق على الصعيد الفردي ،ليس من اجل الوطن .تلك قيادات تنام على وسائد بطائنها بطولات زائفة وأمنيات بانتصارات إنتخابيةراجفة٠غالبية تلك القيادات – ان لم نقل كلها- ترتكز فيما تزعم على أظهرة خارجية اكثر من اعتمادها على قواعد داخلية ٠
***. ***. ***
السياسة كما الثقافة أسيرة أدوات إنتاجها٠فهي بناءة حينما تُرسم وفق منهج علمي ، فتنتج نماءا و استقرارًا . هي شمولية عندما تعتمد على أجهزة القمع فلا توفر حرية أو أمانًا هي فوضوية لمّا تأتي خبط عشواء إرتجالا فتربك الحاضر والمستقبل٠طوال ستة شهور ظلت نخبنا السياسية تتوغل في اللاشيء لأنها اسير اللامنطق بل هي سادرة في الأوهام .فالبحث عن ميثاق يحكم المرحلة الانتقالية ضرب من العبث السياسي! فتاريخنا عامر بالإخفاقات الفاضحة في صوغ المواثيق ونقضها. ميثاق اكتوبر رغم ضحالته لم يصمد غيرشهيرات٠ميثاق الدفاع عن الديمقراطية لم يجد من ينقذه صبيحة انقلاب الانقاذ٠الوثيقة الدستورية الاخيرة مُرقت من كل ممزق قادر أو غير مقتدر.
***. ***. ***
مغادرة الوضع الكارثي الراهن يتطلب برنامج عمل ليس غير .لكن الخروج مشروط بجرأة على تفكيك عقد التأزيم على نحو يشكل قاعدة لبرنامج عمل الغد المرتجى. اقصر الطرق لبلوغ تلك الغاية يتجسد في شراء ذلك الغد الواعد مقابل بيع هذا الواقع المزري. صحيح لدينا حاضر بئيس مطعمٌ بارواح نفائس. لكن الشهداء الأماجد وهبوا ارواحهم الزاكية قرابين لحرية الشعب وازدهار الوطن ، ليس من اجل أخذالثأرات . من ثم ليس من الذكاء السياسي وضع ذلك الفداء النبيل مقابل القصاص من حمقى مهجوسين بالرعب من حساب عسير لابد آتٍ. ذلك حساب لن تُنصب موازينه العادلة في ظل اختلال القوى الراهن وغياب دولة المؤسسات ،فلعبة عض الأصابع الدامي الحالية تجرف الجميع لجهة هاوية بلا قرار لا محالة. بل نحن على حافتها.
*** *** ***
بغية اختزال معاناة الوضع الكارثي المعيش كما تفادي تداعياته الوبالية ليس أنفذ حكمة من الإقدام على شراء المستقبل المأمول مقابل الحاضر البئيس الراكد .تلك معادلة قيمة إنجازها تمهيد خروج آمن لحفنة جنرالات ، ليس أكثر كلفة . ذلك إنجاز لا يحط من بهاء بذل الشهداء أو يضير أفئدة امهاتهم وآبائهم ورفاقهم بل يعلي من مقامات جميعهم. ثمة عائلات مكلومة لكنما هي جزء من شعب مطحون . كما ان ذلك الإنجاز لن يمنح حفنة الجنرالات مجدًا ان لم يزدهم خزيا! هم أمسوا أقرب للتسليم بالاستسلام للخروج من مازقهم المستحكم .ألم يأتكم. حديث حميدتي الصريح الفصيح عن توجسه من عمليات سن السكاكين الحداد ؟ أليس في ذلك الحديث غزل التودد في طلب المغادرة دون حساب.
◦ *** ***. ***
لنا في اكتوبر الأخضر اكثر من ممارسة سلسة للتعافي . نعم لم يكن حالنا أشد بؤسا من حاضرنا ،لكن دوافعنا كما تطلعاتنا ليست متباينة . مع ذلك لم نغرق في سيول مبادرات أو نلهث وراء سراب مواثيق .بل ابتدعنا من تراث مجالس صلحنا القبلي حكما دستوريا أسميناه ( رفع المسؤولية عن الأفعال السابقة). يقيني هذا خيار يراود عددًا من المنهمكين في ايجاد حلول للازمة الوطنية المستحكمة لكنهم يخشون الجهر أو الجأر به مخافة الرجم العشوائى العجول.تعم لدينا شارع يغلي بالغضب وبالإصرار على فرض خياراته كما أبتكار آلياته لكن من غير المنطقي الإصرار على خيارات محددة .فلكل ثورة طلقها الذاتي.
*** *** ***
نحن لسنا اول من نبتكر هذا الطراز من الخيارات السلمية بغية التعافي من الجراح والنكبات .هكذا اشترت جنوب أفريقيا غدا مشرقًا مقابل ماض كريه.كذلك ابتاعت رواندا مستقبلها الزاهر مقابل ماض مشرّب بدماء مسفوكة عبر الأدغال .هاهي كينيا تخط فصلًا ديمقراطيًا ناصعا بعد تخطيها دفترًا اسود من التسلط . يقيني كذلك هذه روح العديد من قيادات المنطقة استنزفتها القلاقل المتكالبة طوال العقد الأخير بفعل حسابات لم تثبت جدواها فأصبحت تلك القيادات اقرب إلى شراء المستقبل مقابل التخلص من فواتير الحاضر باهظة الكلفة.

aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 2 shares

تعليق واحد