لجان المقاومة من الاستغلال الى الاستقلال  .. بقلم: سمير محمد علي حمد


في مقال سابق [1] تم تناول نشأة لجان المقاومة التي كانت من داخل الاحياء كرد فعل طبيعي وعفوي – لا يد للأحزاب فيه – على الاستبداد والفساد والانتهاكات التي ظل يمارسها النظام الاسلاموي البائد، وكحاجة ملحة لتحقيق تطلعات اساسية للمواطن والوطن، لذا فان تطلعاتها نابعة من تطلعات الجماهير وارادتها هي ارادة الجماهير. وكانت بدايات نشأتها الفعلية بعد انفصال جنوب السودان وكان لها الدور الابرز في ثورة ديسمبر المجيدة [2] – .[7] كانت هذه النشأة وسط بيئة سياسية تتقاطع فيها رؤي فكرية متباينة، قوامها الطائفية والاسلاموية والماركسية، جعلت من السودان حلبة صراع عقيم ومدمر يعاني افرازاته اليوم. فالطائفية لا فكر لها، فهي ليست الا بيوتات تجاهد للحفاظ على مكانتها في المجتمع ومكاسبها التاريخية، والاسلاموية اثبتت التجربة انها مشروع معتم خالي من القيم بالرغم من ادعاء قادته انه مشروع لإحياء الاسلام، اما الماركسية مع جاذبيتها النظرية، فقد خابت عملياً في بيئتها الاوربية، وشيعها غورباتشوف الى مثواها الاخير في 25 ديسمبر 1991م. لعل هذا الجيل الذي يشكل غالب لجان المقاومة، كان اكثر وعياً من سابقه فلم تجذبه هذه البيئة البائسة، فنشأ رافضاً للنظام البائد وللأحزاب المعارضة له على حد سواء. وضح هذا الرفض في نأي الشباب عن الأحزاب حكومية كانت او مُعارِضة، وانتظامهم في مجموعة برامج العمل الطوعي، حيث تفجرت طاقاتهم بعيدا عن الأحزاب وعن مؤسسات النظام في منظومة من الاعمال الطوعية تخدم المجتمع، فقدموا أعمالاً عظيمة في مجالات الصحة والتعليم خلال العشرين سنة الماضية.
بالرغم من ان لجان المقاومة ظلت هي الفاعل الابرز في تحمل عبء عملية التغيير نحو الديمقراطية والحكم المدني في السودان منذ اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة وحتى الان، الا ان البعض يصنفها كمجرد مجموعات ضغط تستخدم وقت الحاجة اليها ومن ثم تجاهلها بعد انتفاء ذلك. للأسف فان هذا المفهوم ظل هو السائد حتى لدي عضوية اللجان نفسها خلال الفترة منذ بداية الحراك الثوري وحتى انقلاب 25 اكتوبر. فمنذ اتفاق الاعلان السياسي في يوليو 2019م، توارت اللجان طوعاً عن مشهد الفعل السياسي واكتفت بدور المراقب والحارس، وسلمت مقاليد قيادة الثورة للقوى السياسية الحزبية. ذلك ربما لثقتها في القوي السياسية ممثلة في قوى الحرية والتغيير، والتي لم ترتقي لمستوى هذه الثقة ومواجهة تحديات الانتقال لقيادة الثورة الى وجهتها المنشودة. فاستغلال لجان المقاومة من قبل القوى السياسية كوسيلة ضغط، وتجيير ذلك لخدمة تحقيق مصالحها السياسية، دون اشراكها في عملية الانتقال واتخاذ القرار، اضر كثيراً بقضية التحول المدني الديمقراطي المنشود خلال الفترة الماضية من سنوات الانتقال، ومكّن العسكر من اعاقة مسار الثورة. وقد اكتشف الجميع بما فيها اللجان نفسها ذلك الخلل قبيل وبعد كارثة انقلاب 25 اكتوبر التي جعلت من العودة للمسار المدني الديمقراطي امر معقداً ومكلفاً جداً.
بعد 25 اكتوبر وعت لجان المقاومة الدرس وخطأ اكتفاءها بدور المراقب الذي يقدم ثمار نضاله للقوى السياسية، فظهرت ككيان اكثر قوة وتنظيماً، واظهرت مقدرات كبيرة في حشد الجماهير، وامتلكت زمام المبادرة في توجيه الاحداث. لفت ذلك اليها الانتباه، وجعلها في موضع لعب دور اكبر من مجرد الاكتفاء بدور الحارس، الى قيادة القوى المدنية خلال الفترة الانتقالية، وربما بعدها، خاصة بعد ان اكتسبت اعترافاً دولياً كلاعب اساسي في عملية الانتقال لا يمكن تجاهله. فهل هي مؤهلة بالفعل للعب دور سياسي مستقبلي بعيداً عن الاحزاب السياسية، او لربما منافسة لها في الفضاء السياسي السوداني؟ الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب معرفة اكثر بلجان المقاومة، وما يتوفر لها من مقدرات تنظيمية ونضج سياسي يمكن ان تجعل منها فاعل سياسي منافس للأحزاب، كما سيكون من المفيد التطرق لآراء بعض المثقفين في لجان المقاومة في هذا الصدد.
ما يميز لجان المقاومة من حيث البنية التنظيمية والتكوين مقارنة بالأحزاب السياسية:
  لعل اهم ما يميز لجان المقاومة هو انها مولود سوداني صِرف خرج من بين غمار الجماهير في قاعدة الهرم الاجتماعي الواسع في مدن وارياف السودان كحاجة ملحة لتحقيق تطلعاتها، كما انها تستند علي ارث من القيم السودانية ظهرت جلياً في نشاطها وحراكها الثوري. ميلاد اللجان وسط الجماهير وارتباطها بمصيرها، يمنحها قابلية النمو والتطور، وافضلية النجاح في تقديم مشروع سياسي سوداني يؤسس لديمقراطية مستدامة، مقارنة بأي كيان آخر في الساحة السياسية السودانية. ففي الجانب الآخر فان الاحزاب والتنظيمات السياسية السودانية اما انها نشأت ككيانات نخبوية فوقية في قمة الهرم الاجتماعي فارضةً نفسها على القواعد الجماهيرية استناداً على نفوذها الديني/ الطائفي، او انها نشأت ككيانات نخبوية استناداً على افكار مستوردة وهدفها إعادة صياغة المجتمع وفقاً لهذه الأفكار، مما جعلها تفشل في التأسيس لديمقراطية مستدامة خلال 66 عاما من الممارسة السياسية في السودان المستقل.
  تتميز لجان المقاومة بهيكل تنظيمي يعتمد على البناء القاعدي الواسع والقيادة الاقفية: هذا الامر بالرغم من انه يرسخ للمفهوم المؤسسي في اتخاذ القرارات ويمنع احتكار القرار من قبل فرد او مجموعة صغيرة، الا انه يجعل من اتخاذ القرار عملية معقدة. فالقرارات النهائية التي تعبر عن رؤية اللجان في قضية ما، تخضع لمشاورات تتضمن قاعدة واسعة من اللجان الفرعية. اما الوضع في الاحزاب السياسية فالقيادة الرأسية تجعل عملية اتخاذ القرارات اكثر مرونة، حيث تقوم مجموعة محدودة مفوضة من قواعد الحزب باتخاذ القرارات.
من جانب اخر فان مسألة القيادة الافقية الجماعية التي تميز لجان المقاومة يجعل من اللجان كيان منفتح على قطاع واسع من المفكرين والخبراء والاكاديميين وكل من يأنس في نفسه الكفاءة لتقديم اي جهد او فكر يتوافق مع قيمها، يسهم في تحقيق اهدافها. ربما احد عيوب الاحزاب السياسية السودانية تكريسها لمفهوم القائد/الامام الملهم الذي يقود الحزب وتلتف حوله الجماهير في حالة من القداسة البلهاء. هذا الامر ادي لاختزال الحزب في شخص الزعيم واحال الجماهير من كونها مصدر للسلطة وصانعة للقرار الى مجرد قطيع يردد اقوال الزعيم، بل والدفاع عنها وتبريرها ان كانت مجانبةً للحق. فهذا النموذج كان كارثياً على الديمقراطية في السودان، بل وعلى وحدة السودان وتنميته وامنه، حسبما اثبتته الوقائع خلال 66 عاماً من الحكم الوطني. وقد ظهر هذا المنحى جلياً في كل من تجارب اليسار واليمين والنموذج الطائفي بصورة او اخري.
  لعل الميزة الاهم في تكوين لجان المقاومة انها تتشكل من جميع الفئات العمرية من الجنسين، وان غلب فيها الشباب، وتضم كل قطاعات المجتمع من مختلف المهن والاكاديميين والطلاب. كما ان لجان المقاومة كيان حيادي تجاه اي حمولات حزبية، وعابر للمناطقية، ومضاد لتفشي النعرات الأثنية، ويؤمن فضاءً رحباً للتسامح والتعايش الديني.
  خلافاً لكل الاحزاب الفاعلة في الساحة السودانية – يمينها ووسطها ويسارها – والتي راهنت في وقت ما على العمل المسلح لتحقيق اهدافها السياسية، فان لجان المقاومة تؤمن ايماناً مبدئياً وقاطعاً بفاعلية العمل السلمي في التغيير بالرغم من الجرائم البشعة التي ظل يتعرض لها منتسبوها من قبل النظام البائد وامتداده الحالي. وهذا يبرهن قمة الوعى السياسي للجان المقاومة رغم حداثة تجربتها.
رغم الاثر البيّن للجان المقاومة في المشهد السوداني الراهن الا انها لم تلفت اهتمام الاكاديميين والمثقفين بعد، ففي حدود علم كاتب المقال لا تتوفر دراسات علمية اكاديمية معمقة تتناول تجربة لجان المقاومة، ربما لحداثة التجربة، ولكن هنالك مجموعة اوراق ومقالات لبعض الخبراء والصحفيين القت الضوء عليها [1] – [8]. ففي احد هذه المقالات يصف الاستاذ السر سيد احمد لجان المقاومة بانها لاعب جديد في المشهد السوداني وانها تجربة جديدة تميزت بها ثورة ديسمبر 2018م مقارنة بثورتي اكتوبر 1964م وابريل 1985م، خالصاً الي ان: ” التحدي الرئيسي في كيف يمكن للجان المقاومة أن تقدّم قيادةً قادرة على التعاطي مع الواقع السياسي المتأزم خارج دائرة الرفض” [2]. كما ترى الاستاذة منى عبد الفتاح في مقال اخر ان لجان المقاومة السودانية “خلقت تحولاً في الممارسة السياسية من مساءلة النظام السابق قبل ثورة 2013، التي قمعت في مهدها، ثم الطعن المتواصل والعلني على شرعيته والخروج عليه في ثورة ديسمبر 2018. وبعدها تحولت من ذراع مساندة للحكومة الانتقالية إلى معارضتها، وظهر ذلك في تنفيذ التظاهر المطلبي، ووقوفها في الحالة الثورية التي تنسجم مع طبيعتها غير المنضوية تحت تنظيم سياسي معين” [7].
اما عن مستقبل لجان المقاومة ودورها السياسي المحتمل استناداً على الدور المتعاظم الذي ظلت تقوم في الحراك الثوري وفرض نفسها كرقم لا يمكن تجاوزه في المشهد السياسي السوداني، يرى الدكتور عبد المنعم عبد الباقي علي ان لجان المقاومة قادرة على الفعل السياسي ووضع رؤية لنظام حكم مكتمل، قائلاً عنهم: “فهم (يقصد لجان المقاومة) لهم قيادة واعية ومدركة لما تفعله، ولها النصر المؤزر إن شاء الله، وهم على طريق الحراك الثوري سائرون، وعلى بناء الحراك السياسي عازمون وقادرون بعون الله. وقريباً سيأتيكم ميثاقهم ورؤيتهم وحكومتهم بأركانها التنفيذية والعدلية والتشريعية، ويظهر قادتهم فترقّبوا واحسموا أمركم أين تقفون” [8]. يذهب الدكتور ابراهيم البدوي في نفس المنحى في ان لجان المقاومة هم من سيقودون الحركة السياسية مستقبلاً، حيث يقول: “المسئولية الوطنية تقتضي بان تنظر الاحزاب والكيانات المهنية وغيرها من القوى المدنية، وكذلك المؤسسة العسكرية بجدية لثوابت الفضاء السياسي الذي تقوده تنسيقيات شباب المقاومة” [9]. وهنالك اراء اخري تري ان الشباب لا يمكنهم قيادة عملاً سياسياً بمفردهم، حيث يرى بعضهم: ” ان نظرة البدوي نظرة حالمة طوباوية، لان الشباب الثوري هو طاقة الفعل المقاوم وحملة التغيير، ويمكن ان يشكل قادة هذا الحراك جزء من الطليعة السياسية التي تصنع التغيير لا ان تقوده لوحدها. لكن الكتلة الشبابية بقضها وقضيضها لا يمكن ان تكون بديلا للأحزاب التاريخية لأنها تفتقد التنظيم والنضج والقيادة والرؤية، لكنها يمكن ان تكون جزءً فاعلا في الطليعة التي تتشكل في الفضاء السياسي والاجتماعي الراهن” [10].
فالرأي الاول يقر بوضوح بمقدرة تنسيقيات شباب المقاومة في العمل السياسي وقيادة الحركة السياسية مستقبلاً ويلفت انتباه الاحزاب والكيانات الفاعلة في السودان للتعامل الايجابي مع ذلك. اما الراي الاخر يُنمِّط الشباب في دور الفعل المقاوم، وعدم قدرتهم على قيادة عمل سياسي مستقلين، وهى نظرة لا تخرج عن منهج الوصاية السياسية الذي ظلت تمارسه النخب السياسية على الشباب. فمعظم القوي الحزبية السودانية تستهين بمقدرات الشباب ولا تري فيهم الا “بطاريات طاقة” يتم فقط شحنها واستخدامها وقت الحاجة لتحقيق الاهداف، ومن ثم ركنها لحين الحاجة اليها مرة اخرى. وهو الامر الذي جعل قاموس الاحزاب السودانية يخلو من مفردة “التجديد”، فظلت تمارس نشاطها بنفس الشخوص والافكار والادوات والمناهج لفترات تعدت الخمسين عاماً، ولا يترجل الرئيس عن مقود القيادة الا بعد الذهاب الى اللحد (الإمام الصادق المهدي رئيساً لحزب الأمة: 1965م – 2020م، والسيد محمد عثمان الميرغني رئيساً للحزب الاتحادي: 1968م – الآن، والاستاذ محمد ابراهيم نقد سكرتيراً للحزب الشيوعي: 1971م – 2012م، والدكتور حسن عبدالله الترابي زعيم احزاب التيار الإسلامي بمسمياتها المختلفة: 1964م – 2016م)، ما اورثنا واقعاً سياسيا متكلساً ومجمداً عند حقبة الستينات من القرن الماضي، تهيمن عليه وتتحكم فيه وقائع وترسبات سياسية تراكمت منذ تلك الحقبة.
فعدم ادماج الشباب في الاحزاب السياسية وعدم افساح المجال لرؤاهم وافكارهم من الوصول الى مراكز اتحاذ القرار قاد الي هذه الجمود. فعندما ينخرط هؤلاء الشباب في مثل هذه الاحزاب المتكلسة لا تتاح لهم المساحة الكافية للإسهام في احداث التغيير والتحديث المطلوبين لتطوير الحزب وتجديد افكاره ومناهجه، بل تُمارس عليهم الوصاية الابوية لاتِّباع ما هو قائم، فيصبحوا امام خيارين: اما ان يصبحوا جزءً من هذا الوضع القائم بأفكاره ومناهجه العتيقة بل والدفاع عنها، او يزهدوا العمل السياسي ويهجروه الى شأن آخر. وهكذا ظلت الاحزاب السياسية دون تطوير ذي شأن، وتدور في نفس الافكار والمناهج والممارسات منذ ستينيات القرن الماضي. فهذا الجمود السياسي ادي الي بروز فجوة في المفاهيم والافكار والمناهج بين جيل الشباب الذي لا يحفل كثيراً بخلافات القوى السياسية المتراكمة عبر عقود، وجيل الكهول الذي يمثله الصف الاول من قيادات الاحزاب السياسية السودانية، والتي ما فتأت تستهين بقدرات الشباب ولا ترى فيهم الا اداة ضغط ثورية يتم استخدامها كلما دعت الحاجة، ومنهم من وصف حراكهم الثوري في بدايته في نهاية 2018م استهانةً، بانه “بوخة مرقة”، اي مجرد حراك لحظي ولغرض عابر.
فالأحداث الجسام في السودان خلال سنوات الثورة منذ اندلاعها في ديسمبر 2018م والحراك الثوري لعدة شهور، ثم اعتصام القيادة الذي كان علامة فارقة في الميلاد الفعلي للجان المقاومة بشكلها الحالي، ومجزرة فض الاعتصام، ومظاهرات 30 يونيو 2019م، الي الحراك الثوري الذي تلى انقلاب 25 اكتوبر، كل هذه الاحداث والتي كانت لجان المقاومة الفاعل الرئيسي فيها، انضجت تجربة اللجان وقادتها بالتدرج من مجرد حركة احتجاج يتم استغلالها بواسطة الاحزاب السياسية الي كيان واعي سياسياً، ويملك مقدرات تنظيمية هائلة له رؤية سياسية، وذو جماهيرية كبيرة، ولاعب هام في المشهد السياسي السوداني لا يمكن تجاوزه.
تجربة بمثل هذا التأثير والوزن الجماهيري والنضج السياسي الذي اكتسبه حتى الان، لا يمكن اعتبار من صنعها بانه مجرد شارع ثوري او مجموعة ضغط. بل هو كيان جدير بان يتخذ موقعه في قيادة مشروع وطني سياسي اجتماعي تنموي مستقلاً عن الاحزاب السياسية، ذلك بعد وضع الاستراتيجية التي تتضمن دستور حاكم لعمله ورؤيته كما تمت الاشارة اليه في نهاية المقال [1]. ولكن هنالك بعض التحديات من المهم الانتباه لها والتغلب عليها في سبيل انجاز هذا المشروع، اهمها:
 المحافظة على وحدة اللجان على مستوي السودان: لعل هذا هو التحدي الاكبر الذي يواجه لجان المقاومة، فان نجحت فيه كان ذلك هو الضمان الاساسي لنجاحها.
  اكمال البناء التنظيمي: الاسراع في وضع آلية لإكمال عملية البناء القاعدي ووضع هيكل تنظيمي يضم كل اللجان على المستوى الفيدرالي والاقليمي والمجالس البلدية (المحليات). اذا نجحت اللجان في هذه العملية وتشبيك كل اللجان في السودان تحت مظلة واحدة، فأنها تكون قد خطت خطوة كبري في تأكيد وجودها كقوة فعلية لا مثيل لها في المشهد السوداني.
  تكوين قيادة: وضع آلية لتكوين مجلس على المستوى الفيدرالي يعمل كقيادة جماعية للجان المقاومة بتفويض محدود متفق عليه من كل اللجان القاعدية، وعضويته يتم تصعيدها من مجالس الاقاليم. هذا المجلس هو الجهة الرسمية التي تمثل لجان المقاومة داخلياً وخارجياَ بالتالي لا تنسب انشطتها الي جهات اخري (فقد ظلت القنوات الفضائية تنسب دعوات التظاهر والفعاليات الثورية التي تعلنها لجان المقاومة الي تجمع المهنيين وتارة الي قوي الحرية والتغيير ربما لعدم وجود جسم اعتباري يمثل اللجان)، ومن ناحية اخري وجود جسم يمثل لجان المقاومة يمنع انتحال اسمها او التحدث باسمها من قبل جهات اخرى كما حدث من قبل.
  التحدي الاكبر هو تحويل شعارات الثورة الى برنامج سياسي اجتماعي تنموي يوجه عمل اللجان كتنظيم سياسي اجتماعي، له رؤيته وبرنامجه الذي يميزه، وفي نفس الوقت يحصنه من الاختراق الأيديولوجي من قبل الاحزاب السياسية.
  عمليات الاحتواء والاختراق التي قد تتعرض لها لجان المقاومة من قبل الاحزاب السياسية. هذا يتطلب ان تتحسب لجان المقاومة لمثل هذه التحدي ووضع آليات فعالة لمنعه، حتى لا تصبح ميدان للصراع والتجاذب الحزبي كما هو حادث في الكيانات المهنية والطلابية.
تجاوز لجان المقاومة لهذا التحديات بنجاح سيجعل منها كتلة سياسية قادرة على تغيير مستقبل السودان السياسي، ونقل الفعل السياسي من النخب التي ظلت تحتكره منذ الاستقلال وحتى الان، الي الجماهير في القواعد المنتشرة في ارياف ومدن السودان المختلفة. وعندما يصبح الفعل والقرار السياسي لدي الجماهير فانه بديهياً سيكون معبراً عن مصالحها بدلاً ان يكون معبراً عن مصالح النخب، حزبية كانت او طائفية او دينية او عسكرية. فهذه النخب التي احتكرت القرار السياسي في السودان لمدة 66 عاماً، ظلت في صراع سياسي مؤسس غالباً على مصالحها الذاتية بعيداً عن تطلعات الجماهير، حتى تحول السودان بالتدريج من دولة مكتملة السيادة والاركان في يناير 1956م، الى شبه دولة منقوصة السيادة في يناير 2022م، وجميعهم ساهم في ذلك، وهذا ما تنبه له جيل ثورة ديسمبر المجيدة فانتفض ثائراً منذ 2012م وحتى الان لاسترداد ما تبقي من دولته.
:
فتجربة لجان المقاومة تجربة متفردة ومشروع سياسي واعد، فهي نابعة من الجماهير وتستند علي ارث من القيم السودانية، ولكنها لا زالت تحتاج لجهود فكرية معمقة من الاكاديميين والخبراء في مجالات مختلفة لينيروا لها الطريق، حتى تنتقل تماماً من الفعل الثوري الى الفعل السياسي الناضج.
27 يناير 2022م
sameirali@live.com
المراجع:
[1] https://sudanile.com/لجان-المقاومة-هل-تعيد-تشكيل-الفضاء-ال/
“لجان المقاومة .. هل تعيد تشكيل الفضاء السياسي السوداني”، سمير محمد علي، 8 يناير 2022م، سودانايل.
[2] https://assafirarabi.com/ar/42752/2022/01/05//
“لجان المقاومة” اللاعب الجديد في المشهد السوداني، السر سيد احمد، 5 يناير 2022م، السفير العربي.
[3] https://www.independentarabia.com/node/70991/9
“لجان المقاومة السودانية… من تحريك الشارع إلى حراسة الثورة”، إسماعيل محمد علي، 12 نوفمبر 2019، اندبندت عربية.
[4] https://assafirarabi.com/ar/31387/2020/05/22
“قصة لجان المقاومة السودانية”، شمائل النور ، 2020-05-22، السفير العربي.
[5] https://www.dabangasudan.org/ar/all-news/article/
“لجان المقاومة فى السودان (الطبيعة ، الأدوار و التحديات)”، محمد بدوي، ديسمبر ٢٢ – ٢٠٢١ الخرطوم : راديو دبنقا.
[6] https://masr.masr360.net/
“إضاءة على لجان المقاومة السودانية”، أماني الطويل ، 29 ديسمبر 2021، مصر 360.
[7] https://www.independentarabia.com/node/167546/سياسة/تحلیل/لجان-المقاومة-السودانية-بين-الشرعية-والتجاذب
منى عبد الفتاح، اندبيندت عربية، 10 نوفمبر 2020م.
[8]  https://sudanile.com/%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%b6%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85/
” لجان المقاومة: الحاضر والمستقبل”،  د. عبدالمنعم عبدالباقي علي ،  25 يناير, 2022م، سودانايل.
 [9] https://www. https://backernews.net/?p=60852
“الدروس والعبر المستفادة من خطاب رئيس الوزارة”، دكتور ابراهيم اابدوي، باكر نيوز.
[10]  https://sudanile.com/%D8%BA%D9%8A%D8%A8%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D9%88/
” غيبوبة العقل السياسي مع ابراهيم البدوي وانتهازية الصفوة اليسارية عند امجد فريد”،  خالد موسي دفع الله ،  6 يناير, 2022م، سودانايل.
sameirali@live.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات