لماذا نصل إلى مرحلة الاستقواء على بعضنا بجهة خارجية ونعجز عن الحديث إلى بعضنا البعض .. بقلم: مـحمد أحمد الجــاك


لماذا نصل إلى مرحلة الاستقواء على بعضنا بجهة خارجية ونعجز عن الحديث إلى بعضنا البعض في مصالح الأرض (أو البلد) الذي نعيش فوقه؟

بــهدوووء_
ينزل بالسودان عديد من الوفود الأمريكي ، وقبله وفد من البرلمان الأوروبي وممثل الإيقاد والاتحاد الأفريقي والممثل الأممي والغاية المعلنة هي البحث في مستقبل العملية السياسية الجارية بعد انقلاب البرهان في 25اكتوبر من العام الماضي، وفي جدول تحركات كل هذه الوفود مقابلة مع أهم مراكز القرار السياسي (السلطة الانقلابية – العسكر ) (إن سمح الجنرال بذلك) والشق المدني بالحكومة المنحلة ( قوى الحرية والتغيير) ولجان المقاومة والحركات المسلحة والمنظمات المهنية أو ما تسمى بمؤسسات المجتمع المدني
يعلق طيف سياسي واسع من السودانيين أملا كبيرا على ما سيقوله الوفد وما سيأمر به المنقلب ويذهب البعض إلى حد القول إن الوفد سيحسم أمر الانقلاب. في الجهة المقابلة، الانقلاب وأنصاره خاصة يستقبلون الوفد مرغمين ولذلك يرفعون شعارات الحفاظ على السيادة الوطنية في وجه الإملاءات الدولية.
بين مواقف المستبشرين ومواقف المرغمين نجد مكانا لجملة ضرورية. الضغط الدولي بالمال وبالسياسة وحتى بالقوة العسكرية لن يحل مشاكل البلد التي تردى فيها وفاقمها الانقلاب. والحل سيظل دوما حلاً داخلياً. هل هذا اكتشاف عبقري؟ أبدا إنه بداهة يدركها الحس السليم بلا تعقيدات. وجب الحديث أولا مع من يعطل الحوار الداخلي.
انتظار المساعدة علامة ضعف
هذه أيضا ليست اكتشافا وليست درساً في التنمية البشرية. إذا بلغ الفرد مبلغ طلب المساعدة فهو في حالة ضعف قد تكون أسبابها خارجة عن إرادته لكن الأمر لا يكون في البلدان (باستثناء الكوارث الطبيعة وهي قوة قاهرة) لذلك فإن حاجة بلد مثل السودان إلى مساعدة اقتصادية كالتي يطلبها الانقلاب أو مساعدة سياسية كالتي تطلبها المعارضة هي علامة ضعف وهشاشة صنعتها الطبقة السياسية ولن أنفق وقتا كثيرا في تحديد بداياتها، فهذا بعض الجدل الذي يديم الأزمة ويهرب من الحلول.
تملك تلك الوفود وبالأحرى الجهة التي ترسلها أن تضع بلدا مثل السودان تحت طائلة التأديب الاقتصادي (كما يفعل بتلميذ خائب) ثم تتظاهر بنجدته. لكن بعد أن يكون وصل مرحلة العجز عن الدفع أو الإفلاس. يحل هذا الوفد ومثله ليلقي الأوامر والتعليمات ويفرض الشروط. وتكون البلدان في وضعية خنوع تطأطئ رؤوسها لتدبير رواتب أعوانها في أفضل الحالات، وتملك الوفود ايضاً أن تضع معارضة سياسية في وضعية تلقي التوجيهات وإملاء المواقف التي (ينبغي) أن تتخذ بالنظر إلى.. (يمكن هنا وضع كل التبريرات لكن ليس من بينها حاجة المعارضة نفسها).
لماذا تصل حكومات ومعارضة إلى مرحلة الإستقواء على بعضها بجهة خارجية وتعجز عن الحديث إلى بعضها البعض في مصالح الأرض (أو البلد) الذي يعيشون فوقه؟
إن طرح مثل هذا السؤال هو مفتاح كل حل ولكن عدم طرحه في أوانه هو مفتاح كل رذيلة سياسية ترتكبها النخب الحاكمة والنخب المعارضة في بلد مثل السودان (وهو عينة من مجتمع واسع وليس حالة فريدة). إن وضع الهشاشة الاقتصادية والسياسة يجعل الوفود ومن يقودوها في موضع بيع الريح للمراكبية.
المساعدة السياسية، البلد الذي ينتظر فيه معارضو السلطة مساعدة لتغيير نظامهم القائم لا يمكن التعويل على معارضته ودفعها!.

في الحالة التونسية ومن انقلاب 25اكتوبر 2021 ظهر توجه سياسي يقوده قوى الحرية والتغيير ينتظر أن تمارس الدول الأوروبية والولايات المتحدة ضغوطا على المنقلب ليتراجع عن برنامجه السياسي. كان كل تصريح لمسؤول أمريكي عن السودان يؤول على أنه ضغط يمارس على المنقلب. وقد بلغ ببعض المتحمسين حماسهم إلى تحديد يوم وساعة سقوط الانقلاب. تعدل معارضة الانقلاب الآن كثيرا من مواقفها على بيانات السفارات والوفود، ونظن أن تحركات الشارع تعدل نبضها على هذه المواقف/ البيانات. ونعاين أن كثيرا منها ينتظر الآن نتيجة زيارة هذه الوفود الكثيرة كما ينتظر تلميذ نتيجة امتحاناته.
وجب الإنتباه إلى أن جزءا من هذا التوجه يبرر فرض عقوبات أو ( تجفيف مصادر تمويل الانقلاب) ويراها وسيلة أخلاقية لإسقاط الانقلاب . ولكن هذا الموقف مساو أخلاقيا (في ترديه لمن يرغب في الحصول على هذه المساعدات لينجح الانقلاب. ليس هنالك مجال للمزايدة بخطاب السيادة (الجميع في ورطة).
مع من تقف الوفود الأوروبية الغربية؟
إذا كان سيخرج حتماً بقراءة مشهد سياسي ينعدم فيه عقد لقاء بين أطرافه المختلفة. والأنكى أن هذه الفرقة السياسية تمارس داخل أزمة اقتصادية وسياسية لم يعرف البلد لها مثيلا منذ نشأته. سيقول قائلهم: إذا كان القوم لا يرغبون في حل مشاكلهم بأنفسهم فبأي حق نسعى بينهم في حل؟ لم يبق إلا التدخل العسكري وهذا أمر مكلف ولا يمكن تبريره فضلا على أن الظرفية الدولية لا تسمح له، فهناك بلد يتعرض لغزو خارجي والحرب دائرة والموقف الغربي فيها قائم على رفض التدخل الخارجي.
إذن ماذا سيحصل؟
إن (الدبابير) وإن اتخذت شكل النحل إلا أنها لا تطرح عسلاً، والسودانيون يضربون مثلا بالغ الدلالة على الشخص الي يعتقد أن قيمة مادية يمكنها أن تجلب له السيادة والمكانة فيقال (السَّرْج المُذهَّب لا يجعلُ الحمار حصاناً). لا نرى كل الوفود التي جاءت ولا الجهات التي ترسلها وتنتظر تقاريرها ينصح بأكثر من إبقاء الوضع على ما هو عليه، عبر ضح تمويلات بسيطة مهمتها فقط منع انفجار اجتماعي.
إن البلد الذي تنتظر فيه الحكومات مساعدات بلا مقابل استثماري وتتذرع بالسيادة لا يمكن التعامل معه إلا كمثل معاملة المتسول الذي يطلب صدقات بالعملة الأجنبية فقط. والبلد الذي ينتظر فيه معارضو السلطة مساعدة لتغيير نظامهم القائم لا يمكن التعويل على معارضته ودفعها.
لا علم لي بما قد يعد المنقلب، وبالطبع ليس لديه في ما نعلم من حاله ما يعد به. فحتى التطبيع مع الكيان الغاصب أو الارتزاق بحرب اليمن لم تعد أوراقاً تجلب رزقا. لكن عجزه لن يكفي لتبرير الإطاحة به وفتح باب على مشاكل لا يرغب أحد في شم رائحتها. الوفود نفسها ستخرج بصورة واضحة عن معارضة عاجزة وكثير منها يتمنى أن يسقط الانقلاب بتأثير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية كأنما ستحل تلك المشاكل نفسها بعد سقوطه فيجد المعارض نفسه حاكما دون مشاكل.
هل هي آخر طريق؟
ستقول الوفود جميعها، يمكن الاستمرار في الهشاشة وسينصحون بانتظار نضج معارضة تأخذ مكان الانقلاب. أما الآن فيكفي إرسال رواتب الموظفين الكسالى (الطبقة الوسطى المزيفة) نظير الحد من موجات هجرة غير نظامية تعفن الوضع، ففي أوروبا ما يكفيها من آثار حرب روسيا وأوكرانيا.
متى يجلس السودانيون لحوار جدي؟ لن يكون إلا بعد أن تأمر الولايات المتحدة الوكلاء بذلك ؟
يصبح السؤال الأصلي: متى تجبر الولايات المتحده (الوكلاء) السودانيين والأقليميين على القبول بالديمقراطية في السودان والتعايش مع المدنيين وعدم اقصاءهم ؟
إنه السؤال الذي كان على الوفد الأمريكي الأوروبي أن يذهب به إلى بايدن عوض القدوم إلى السودان.
الأيام والأسابيع القادمة ستكون صعبة وحاسمة وحبلى بالمفاجآت. الباخرة الانقلابية تترنح، والأوساط الدبلوماسية تتحرك بشكل لافت وأحيانا غير معهود. هناك مشاورات مكثفة بين الثنائي واشنطن- والأمم المتحدة فيما يتعلق بالملف السوداني، إلى جانب مواقف اقليمية و دولية منتظرة ، والتي من المتوقع أن تلوح بعقوبات ومقاطعات دبلوماسية بعد ادانة كل المسارات التي تبناها البرهان منذ 25 اكتوبر من العام الماضي وحتى مرحلة اطلاق سراح الإسلاميين واعادتهم إلى مواقعهم داخل مؤسسات الدولة مرة اخرى.
لا أحد يعرف بدقة ما الذي يجري في الكواليس وما الذي تفكر فيه الأطراف الخارجية، لكن المؤكد أن الحالة لم تعد “طبيعية”، وأن رغبة البرهان والعسكرفي فرض أجندتهم ستخلف وراءها كسورا يصعب إصلاحها سياسيا، خاصة بعد أن تخفق آخر المحاولات.

mido34067@gmail.com
//////////////////////////////

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات