وايه يعني ميناء سواكن ؟! .. بقلم: زهير السراج


مناظير السبت 28 مايو، 2022
manazzeer@yahoo.com

* رغم الحريق الضخم الذي دمر عددا كبيرا من حاويات البضائع بما يقدر بمليارات الجنيهات فى ميناء سواكن واستمر ساعات طويلة، وكان حديث اجهزة الاعلام المحلية والعالمية ومنصات التواصل الاعلامي التي يؤمها السودانيون وانتشار الشائعات، لم يصدر أي بيان رسمي عن أسباب الحريق وحجم الخسائر المحتملة، أو يفتح الله بكلمة واحدة على أحد المسؤولين ولو لمواساة المتضررين، وكأن الميناء الذى احترق يوجد فى دولة أخرى، أو انه بيت غير مأهول من القش فى احد الاطراف النائية، ولكن فيمَّ التعجب والدهشة فالذين يحكمون السودان ويتحكمون فيه لا يهمهم ما يحدث فيه غير القمع الوحشي للتظاهرات السلمية وقتل المتظاهرين، ولو كان الذي احترق مطبخ مسؤول فى إحدى دول الشر التى تحرضهم على قتل المواطن السوداني ومصادرة حريته واجهاض ثورته، لتسابق كبار المسؤولين وصغارهم فى السلطة الانقلابية للسفر على حساب الشعب المكلوم لتقديم واجب العزاء فى حريق المطبخ والتهنئة بسلامة الطباخ .. وهو قدر المواطن السوداني من حكامه منذ الاستقلال، وقدر ومصير مدنه وحضره وريفه وكل مناطقه مَهما كانت اهميتها وتاريخها، ومن بينها سواكن نفسها دعك من الميناء الذى تحتضنه !

* “لقد تُركتْ (سواكن) لقدرها دون أن تجد الاهتمام اللازم، إلا فى فترات متباعدة ولكن بدون نتيجة تذكر، وكم تساءلتُ لماذا لم يهتم بها المسؤولون والمثقفون بعد الاستقلال فى الحكومات الوطنية المتعاقبة بصورة جادة، وأخص بالذكر أبناء سواكن نفسها الذين تربوا وتعلموا فى مدرستها التى كانت أول مدرسة نظامية فى تاريخ السودان، فتميزوا على أبناء السودان كافة، لانهم نالوا تعليما جيدا فى وقت مبكر، وأصبح منهم أول قائد للجيش (اللواء أحمد محمد)، وفيما بعد تبوأ واحد منهم رئاسة الدولة (الفريق ابراهيم عبود)، هذا الى جانب عدد كبير من الاداريين والاطباء والضباط، ممن تقلدوا مناصب مهمة فى مفاصل الدولة فى حكومات مختلفة”!

* هكذا يتحدث بكثير من الألم الخبير الدولى واستاذ الهندسة المعمارية بجامعة الخرطوم (سابقا)، بروفيسور (عبدالرحيم سالم محمود)، فى كتابه المنشور منذ عام 2013 (اسرار سواكن: تراث يفهمه الغريب ويجهله القريب) وهو لمن لا يعرفه صاحب مشروع إحياء مدينة سواكن، ولقد ابتعثته منظمة اليونسكو قبل حوالى خمسة وثلاثين عاما (ضمن بعثة عالمية) لكتابة تقرير عن سواكن، كما اعد مشروعا مكتوباً بعناية فائقة ومهنية رفيعة لانقاذ ما تبقى من مبانى سواكن، صدر على خلفيته مرسوم جمهورى فى بداية التسعينيات بتكوين لجنة لمتابعة وتنفيذ المشروع إلا انه ذهب أدراج رياح الاهمال!

* ويواصل: “ما زلتُ أتساءل دون إجابات شافية، ما هى الاسباب التى جعلت الجميع غير مهتمين بهذه المدينة العريقة مهملين تراثها وتاريخها المجيد، وأستثنى بعض مديري مصلحة الآثار وأخص السيد (نجم الدين محمد شريف)، الذى حاول الاستفادة من بعثات اليونسكو التى كانت تعمل فى آثار النوبة، وطلب منهم عمل دراسات للحفاظ على ما تبقى من سواكن، وإذا راجعنا تاريخ المحاولات للحفاظ على تراث هذه المدينة، نجد مجهود الأجانب الذى بذلوه وفهمهم لسواكن متميزا، مقارنة بالدور الوطنى وموقفه السلبى”.

* “لقد ظلت سواكن وقيمة تراثها مفهومة تماما للأغراب من مستعمرين وغيرهم، منذ محاولات غزوها من جيوشهم الاستعمارية المتعددة فى أزمان مختلفة، وما زالوا يعرفون قيمتها حتى اليوم، يقابل ذلك عدم فهم واهمال تام من السودانيين، مع انه من المفترض أن يكونوا أكثر فهما وتحيزا، لكن الغريب فى الأمر أن سواكن لا تعني لهم شيئا، والاغرب أن بعضهم وقف موقفا عدائيا غير مبرر من مشروع إحيائها، خصوصا أهل الآثار، وكأنهم لا يريدون أن يروها إلا أطلالا، والذين عنت لهم شيئا إعتبروها مجرد منطقة سياحية مُدرة للأموال، ولقد لاحظتُ ذلك فى نظرة بعض أعضاء لجنة لاختيار مادة ستعرض فى مبان جديدة غاية فى الأهمية، وعن فهمهم لسواكن وتراثها واختلاف هذا الفهم وضحالته مقارنة بفهم الاغراب، ولا أنسى تعليق إحدى أستاذات التاريخ فى جامعة عريقة باستخفاف: “وايه يعنى سواكن؟”، مقارنة بالسفيرة البريطانية التى قضت مدة ساعتين تسأل وتدوِّن!”

* ” وقف بجانب إحياء سواكن كل من سمع عنه من الاجانب، وحاربه بضراوة أو على الأقل تجاهله كثير ممن لم يجدوا فيه مصلحة خاصة لهم، وأنا فى سذاجتي الأكاديمية لم أكن أتصور أن هنالك من يعطل عملا مفيدا لمجرد جهله به أو لمجرد أنه لا يعود عليه بفائدة شخصية، طبعا كل ذلك إختلف عندما قدَّم أجنبي بى مشروعا مقتبسا من المشروع الأصلى السودانى!”(إنتهى)

*لا أشك للحظة واحدة أن قادة السلطة الانقلابية يقولون الآن تعليقاً على حريق ميناء سواكن وهم يراجعون أوامر سادتهم ومخططات إجهاض الثورة وقتل المتظاهرين .. ” وايه يعنى ميناء سواكن أو سواكن نفسها؟”، ما داموا يحكمون ويتحكمون ويقتلون الشعب السوداني وينهبون خيراته، وينالون رضاء سادتهم!

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 1 شارك

تعليق واحد