إنجمينا… محطة دبلوماسية لا تشبه المحطات الأخري وتشاد مرأة تعكس حب السودان

 


 

 

إنجمينا... محطة دبلوماسية لا تشبه المحطات الأخري. (مدينة دافئة وعامرة بحب السودان وأهله) و تشاد ... مرأة تعكس حب السودان
الجزء الأول.
إسم إنجمينا... مفارقة للتعميد الفرنسي. تحرر الرئيس التشادي من إسمه الفرنسي كمن يتحرر من وطأة أقدام مستعمر علي وطنه، فأطق علي نفسه، إسم (إنقارتا تمبلباي) بدلاً عن (فرانسوا تمبلباي)؛ تلك الحلة التي ألبسها له المستعمر لتزين إسمه الأول، صفة أصبغها عليه ليرتديها طيله عمره؛ فهي عباءة فصلت له و (علي مقاسه) دون غيره؛ وكما تحرر هو من عبء وثقل وطأة المستعمر علي نفسه، حرر كذلك عاصمة بلاده من إسم أطلقه المستعمر الفرنسي عليها، (فورت لامي) (حصن لاميFort Lamy) فأطلق عليها إسم إنجمينا (في السابع من أبريل لعام ١٩٧٣)؛ وكان المستعمر الفرنسي قد عمدها بإسم فورت لامي بعد شهر من مقتل القائد أمدييه فرانسوا لامي، الذي قتل في معركة كوسيري (Bataille de Koâusseri) الذي قتلته ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﻟﻠﺰﻋﻴﻢ ﺭﺍﺑﺢ ﻭﺩ ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻠﻪ ".في معركة كوسيري؛ ومات رابح متأثراً بجراحة في تلك المعركة، وقطع رأسه؛ حيث ينسب إنشاء مدينة إنجمينا للقائد الفرنسي إميل جنتيه في التاسع والعشرين من مايو عام ١٩٠٠ وسميت بفورت لامي تكريماً للضابط الفرنسي أمدييه فرانسوا لامي؛ تخليداً لذكراه. ورابح ود فضل الله، سوداني ولد في حلفاية الملوك، انضم والده للجيش المصري تحت قيادة الخديوي اسماعيل باشا، وبعد موته انضم رابح لجيش الزبير باشا رحمه ثم بدأ حياته مقاتلاً ضمن جيش الزبير باشا، ثم ﻗﺎﺋﺪﺍً فيه، ﻭﻷﺳﺒﺎﺏ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺼﺮﺍﻉ ﻣﻊ ﺍﻻﻧﻜﻠﻴﺰ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ، ﻭﻟﻤﺘﻐﻴﺮﺍﺕ ﺩﺍﺧﻠﻴﺔ ﺃﻳﻀﺎً، ﺍﻧﺴﺤﺐ ﺍﺗﺒﺎﻉ الزبير ﻭﺍﺑﻨﻪ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺍﻟﻰ ﺃﺭﺽ ﺗﺸﺎﺩ ﺑﻌﺪ ﺧﺴﺎﺭﺗﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﺣﺪﻯ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺑﺄﺭﺽ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ، ﻭﻛﺎﻥ " ﺭﺍﺑﺢ " ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺱ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻨﺴﺤﺒﺔ . ولأسباب ومتغيرات عسكرية أنسحب رابح لداخل الأراضي التشادية الي منطقة الوداي. (شرق تشاد)؛ ﻭﺑﻌﺪﻫﺎ ﺃﺳﺘﻘﺮ ﺭﺃﻳﻪ ﻧﺤﻮ ﺗﻜﻮﻳﻦ ﺍﻣﺎﺭﺓ ﻋﺮﺑﻴﺔ ﻟﻴﺆﻣﻦ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻭﻻﺗﺒﺎﻋﻪ ﺍﻷﻣﻦ ﻭﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﻭﺍﻟﺜﺮﻭﺓ ﻭﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ، ﻭ ﺗﻮﺭﻳﺚ ﺳﻠﻄﺘﻪ ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻷﺑﻨﺎﺋﻪ . ﻭﺃﺳﺲ ﺳﻠﻄﻨﺔ ‏( 1880 – 84 ‏) ، فإتخذ ﺭﺍﺑﺢ ﻣﻦ ﺩﻛﻮﺓ ﻋﺎﺻﻤﺔ ﻟﻪ، ﻭﺑﻨﻰ ﻓﻴﻬﺎ ﻗﺼﺮﻩ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺎﺯ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ ﺇﻋﺠﺎﺏ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺇﻣﻴﻞ ﺟﻨﺘيه، ﻭﻗﺎﺩﻫﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺘﺎﻟﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺩﺍﺭﺑﻨﺪﺍ . إلا إنه إصطدم ﺑﺒﻌﺜﺔ ﻓﺮﻧﺴﻴﺔ ﻓﺘﻐﻠﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻭﻗﺼﺪ ﺇﻟﻰ وداي ﻓﻬﺰم ﺳﻠﻄﺎﻧﻬﺎ. *(المصدر صالح جدي صالح (Kedelay ٨ نوفمبر ٢٠٠٨ *(وأذكر أن الأخ الباحث الدكتور بشير عربي قد أعد رسالته للدكتوراة حول رابح ود فضل الله). وكلمة إنجمينا لها أصل في اللغة العربية (وتعني الإستجمام) وحرفت (بعربي إنجمينا كما يصتلح علي ذلك في تشاد) فأصبح الإسم (إنجمينا)؛ ويعود إنشاء العاصمة التشادية التي تقع علي إلتقاء نهري شاري ولقون علي التماس الحدودي بين تشاد والكمرون للعام ١٩٠٠. تشاد ...بلد عظيم؛ وعمق إستراتيجي للسودان. لا يعرف الكثيرين في السودان عن تشاد سوي إنها دولة مجاورة للسودان، فإن تحدث البعض عنها لا يتحدثون عنها بمعرفة، فهي قد لا تعدو أن تكون بالنسبة لهم سوي دولة جارة لبلادنا، و لا يقرون أن تداخلاً و تماذجاً قبلياً كبيراً نتشاطره علي حدودنا الغربية وفي عمق بلادنا الواسعة، فلنا مع تشاد عشرين قبيلة مشتركة، وحدود طولها١٢٨٠ كم؛ وثقافة وتراث غني مشترك، وتاريخ طويل ضارب في القدم؛ فمهد البشرية والإنسانية متقاسم كذلك بيننا، فقد كان الجيولوجي الفرنسي (ألان بوفيلين) وفريقه التشادي (أدوم محمد، وجمدمالباي أهونتا، وغونغديبي قانوني) وهم أعضاء البعثة الفرنسية لدراسة أصول البشر) أول من إكتشفوا (توماي) إنسان الساحل التشادي؛ (والإسم اللاتيني Sahelanthropus tchadiensis) في تشاد، وأطلق علي تشاد (مهد البشرية)؛ كما أن وادي هور، وإمتداده داخل السودان، وادي الملك كان يوماً ما أكبر الأودية الواقعة جنوب الصحراء ونهراً كبيراً وواسعا يرفد نهر النيل، وعلي ضفتيه قامت حضارة قديمة لأهلنا الزغاوة في السودان؛ وإمتداد جذورهم ورحمهم وأفخاذهم من ذات القبيلة (البديات)؛ في تشاد؛ وتزامن ذلك مع قيام أول مملكة عربية إسلامية في القرن الثاني الهجري في تشاد في كانم شرقي بحيرة تشاد، وممالك أخري في حوض بحيرة تشاد مثل مملكة برنو وباقرمي وعويضي؛ مع ممالك إسلامية في السودان حتي وصول المستعمر الفرنسي لها في مطلع القرن العشرين معاً، فأول الممالك العربية الإسلامية في السودان كانت السلطنة الزرقاء ومملكة سنار، بقيادة عمارة دنقس وعبدالله جماع، وسلطنة الفور وحاكمها سليمان سولونق، ومملكة المسبعات في المنطقة المعروفة الأن بكردفان. و كانت مثيلاتها؛ الممالك التشادية؛ كانم و باقرمي وبرنو وعويضي؛ وكما في السودان أوقدت نار (وتقابة) القرآن، فالقرآن في تشاد في قلوب الحفظة من القونية في مملكة وداي عامراً، والقونية علي إمتداد دارفور، بلد القرآن؛ فالتشابه بين تشاد والسودان تاريخاً وثقافة ونمط حياة تكاد لا تستبينه وأنت تعبر من الفاشر فنيالا ثم الجنينة إلي أدري وأبشه حتي وصولك لإنجمينا؛ غير تغير اللهجة وملابس الرجال، ولكن يبقي الثوب السوداني للمرأة، والحناء وكل مستلزمات جمال المرأة وزينتها حاضراً في إنجمينا؛ وقد قدت يوماً سيارة من أبشه إلي الجنينة؛ فلم أشعر بغربة لسان أو مكان. وربما تعتبر تشاد في أذهان البعض دولة متخلفة، بل هي أكثر تخلفاً من السودان، دولة كسائر الدول الإفريقية، علي خط جنوب الصحراء؛ لا شيء يميزها ولا شيء يميز علاقتنا بها، ففي نظر البعض أن تشاد؛ ليست كالدول الأفريقية الأخري ذات الإقتصاد القوي والبنية التحتية الضخمة والموارد الكبيرة، وعندما نذكر تلك الدول نشير إلي جمال السياحة فيها، والطقس، والتطور، وسهولة الوصول إليها عبر خطوط طيران عالمية ذائعة الصيت؛ ولأسمائها سحر، ولجمالها إبهار، ولسحرها بيان، فلا يخلو كلامنا عنها من تباه بتلك الزيارة، و ربما نفاخر بزيارتها، وليالي وأيام قضيناها في متعة، ولكن تشاد لا أحد، من الذين لا يعرفونها، يذكرها بشيء مميز؛ كل أولئك الذين يتحدثون عن تشاد، لا يعدو أن يكون حديثهم سماعياً، فهم لم يزوروها، ولم يفكروا في ذلك، ولن يفكروا فيه؛ فهي لا ترد في قائمة الدول التي يتمنون زيارتها أصلاً. طبع التشاديين...لين وقوة. ولكنهم إن زاروا تشاد، فهم سيزورون بلداً لا تشبه البلدان، وشعب لا يشبه الشعوب، وإن زاروها، فإنهم حتما، سيشهدون علي عظمة شعبها، تراثهم وتقاليدهم وقيمهم، روح الإباء والشهامة والرجولة عندهم، فالتشاديين إن دعوك لن يدخروا باباً للكرم، وإن ناصروك لن يبقوا علي شيء (لوقت الحارة)، فكل قوتهم ورباطة جأشهم حاضرة، و إن حاربوك، يحاربونك (حمرة عين) وفي وضح النهار، (لا يلبدوا شيء)، وإن ناصروك، فمواقفهم واضحة وواحدة، وكلمتهم راجحة، أناس طيبون، سمحة نفوسهم، قوية شكيمتهم، حبهم بعنفوان، وغضبهم بغليان، فيهم إلفة إن سعيت لها، وقسوة إن لاذوا لها؛ فيهم عفة، وصفاء وإباء، ولين يحسبه الجاهل هوان. فإن زرتم تشاد ستعرفون كل ذلك، بل أكثر؛ ولكن لابد أن تكونوا في موقع لتعرفون ذلك؛ فإن قدرت التشاديين، بادلوك تقديراً بتقدير، وإن إحترمتهم، بادلوك إحتراماً بإحترام، و إن تواضعت أحبوك، وإن تبخترت سفهوك، فإن أردت معرفة قدر السودان فما عليك سوي زيارة تشاد، فعندها ستعرف قيمه بلدك السودان أكثر من ما عرفته وأنت بداخله، وستري السودان في عيون التشاديين بلد له قيمة لا يعرفها العديد من أهل السودان أنفسهم، وإن أردت معرفة بلدك السودان بحق؛ فإنك ستراه في عيون وقلوب التشاديين، بلداً له تراث لا يضاهيه تراث بلد أخر، بلد له ثقافة تمتد من تخوم البحر الأحمر وميناء عيذاب، وسواحل الصومال، وبحار الملح في جيبوتي، ومرتفعات الحبشة، وسهولها، وسفوح جبال إريتريا، وفي سحنات أهل هرر، والقلابات، والتقري، وحب أهل الكمرون، من شماله المسلم حتي جنوبه لدي موانيء دولا وكيريبي، وإكرام النيجيريين لك، وتوقيراً لك، وتري سماحة السودانيين ديناً وخلقاً ومعاملة لدي البربر في صحاري وسهول الواحات في الجزائر، وبدو ليبيا وتونس، وسفوح الأطلس الصغير والكبير، وسوح فاس ومأذنها، وسواحل أغادير، و إسلام أهل كانو حتي سواحل السنغال ونواكشوط. وبلاد الفولان والبول (القرعان في السودان) وسلطناتهم وآثار تمبكتو، وباماكو التاريخ التليد، وملثميها من الرجال الأشداء الكرماء، فالسودان ثقافة وعلوم ومعارف وسماحة تمتد عبر كل تلك المساحة الشاسعة؛ والسحنات المتداخلة المتماذجة، واللكنات العديدة، فشعوب كل ذلك الفضاء الإفريقي الرحب تقدمك دون تردد ما دمت سودانياً لتؤم المصلين، وتتطلع إليك الأعين إن كنت تعتمر عمة سودانية، فأنت الإمام، وأنت العابد، وأنت العالم، وإن كنت زاهداً، والألسن المختلفة وإن كان بها عجم؛ تغني بلسان عربي وتردد أغنيات وردي "عمرك تسعتاشر سنه عمر الغرام عمر المني"، وتنتشيء لأغنيات سيد خليفة "المامبو السوداني". وترهف السمع في خشوع لتلاوة القاريء صديق أحمد حمدون، وشيخ الزين، وغيرهم، وتذوب في ذكر وحضرة (الجوهرة) عصر الجمعة، للطريقة التجانية، فالطرق الصوفية عندهم وعند غيرهم أقصي مظاهر الزهد الذي تطور عبر العصور. إنجمينا محطة دبلوماسية لن تمحي من ذاكرتي، بل ولن يكون في ذلك شطط إن قلت ذاكرة العديدين من السفراء والدبلوماسيين السودانيين الذين عملوا بها منذ إنشاء العلاقات بين البلدين. فهي ستظل محطة بارزة في حياتنا جميعاً كزملاء في المهنة؛ ممن عملوا بإنجمينا، وأحبوا أهلها، وعشقوا نمط حياتها علي بساطته؛ فقد أعطتنا إنجمينا قيمة لمعني أن يكون للدبلوماسية تأثير وتفاعل؛ وذلك لأسباب عدة، ولكنها تظل أسباب مشتركة؛ فالسودان في تشاد بلد له قيمه، ولشعبه إعتبار، ولتراثه مكانة بارزة، و لثقافته دور وتأثير، فمهمة الدبلوماسي في تشاد ممهده، ومثمرة، وتفاعله في المجتمع؛ إن أراد وسعي؛ له قبول وترحيب، فالسفير والدبلوماسي السوداني في إنجمينا صاحب دار، و له إعتبار كبير، ينظر له المجتمع التشادي بتقدير، والتقدير يعود للرحم والدم والتراث والثقافة المشتركة وللإسلام السمح. ولهذا فقد وجد السودانيين الذين جاؤوا إلي تشاد، وطناً وبلداً ورحماً ودماً يشبه ما تركوه في السودان بل هو إمتداد له، فطاب لهم المقام والسكني، والتصاهر؛ ففي تشاد لا يشعرك أحداً بأنك غريب، ولا يعاملك أحد بأنك دخيل؛ فثيابنا تتماثل، وثقافة أكلنا واحدة، وملاح التقلية نفسه، بل أطعم، والروب والعصيدة؛ لهما مذاق شهي، فالنساء يلبسن الثوب السوداني؛ لا إختلاف فيه سوي (جدعته)؛ والعمة هي ذات العمة، وإن طالت بعض الشيء، وتغطي بها الوجه إلا العينين؛ فأخذت إسماً آخراً؛ (الكدمول)، والمركوب؛ نمراً كان أو فاشرياً، سواء، وعندما نجلس إلي مائدة نفترش الأرض، وناكل بأيدينا؛ عصيدة كانت بملاح شرموط، أو ويكة؛ لا تختلف إلا مذاقها الأشهي؛ فهي إما من طحين الرز أو الذرة الشامي؛ وإن ذهبت معزياً في فقد عزيز لدي أي أسرة تشادية؛ (شليك للفاتحة)؛ لا يختلف فيه شيئ إلا الجلوس بدل الوقوف عندنا؛ وإن جئت مشاركاً في عرس؛ طربت للأغنيات السودانية ذاتها كما يطرب لها شقيقك التشادي، وعطرت أنفاسك الروائح البلدية النسائية ذاتها؛ الخمرة والدلكة، و ستجد أيادي النساء وأرجلهن مخضبة بالحنة، لا تختلف إلا في حمرتها الفاقعة. وان ذهبت لسوق إنجمينا وجدت اللحم (بالوقة)، والسكر والشاي (بالكورة)، إلا الفول والعدس (بالميزان)؛ ويقول ليك التاجر "الفول دا ما للسودانيين بس"؛ فعلاً التشاديين لا يأكلون الفول؛ وإن بحثت عن (الكول والمرس والضرابة والشرموط واللوبا العفن والمرير) وجدتها معروضة؛ البيع والشراء، بأمانة؛ لا غش فيه؛ والذهب تفرشه النساء (العوين) حول الجامع، في قارعة الطريق، دون وجل؛ فتجد (أحفظ مالك)، والغوايش؛ والجنيهات الذهبية، والزمام؛ و لا أحد يتعدي علي النساء؛ و من الكلمات التي عليك معرفة معناها في تشاد: النادم هو إبن أدم نفرك. يعني قبيلتك المتشاتشات تعني الخداع تشكم يعني تبيع الهراج تعني الغلاط الدواس يعني العراك او القتال. و من اسماء أحياء انجمينا التي أذكرها: مرجان دفق، أردب جمال، أردب تيمان، أم سنينه، فرشه، كليواتي، ديقيل، انقيلي، قوجا شرفا، أم رقيبه، سبناقالي، مرسال، قردوالي،حلي روقي ،حلي ليكرير ، انبسطنا واربط صلبك، رضينا، كليب مات، وجمب البحر وبقناش، شقوه، كارتيه سنغال ، وبلولو، والاسم الأخير يعني بالفرنسية (beaux lolos)، فدمجت الكلمتين لتصبح كلمة واحدة مستعربة بالدارجة التشادية.والشوارع ، شارع نميري، وبوكاسا، وشارع ديغول، و قدرون روج، وشارع٤٠ وشارع ٣٠، و شارع ٠٥ وفي إنجمينا الأكلة الشعبية هي (التشه)، كما نأكل نحن الفول، و(البركيب)، مشروب حلو المذاق مكمل للتشه، فالأولي تعني اللحم المشوي؛ والثانية اللبن الرائب؛ وهي من الأكلات الشعبية المشهورة، قليلة الثمن. و في إنجمينا عادة ما تسمع أصبحتوا عافية وقيلتوا عافية. وكلمات الغزل عندهم لطيفه محببة؛ مثل الريدة وتعني المحبة، والقرم يعني العشق، والأخيدة تعني الزواج؛ لكن إياك ان تقول لتشاديين عاوز أعرس فلانة (فالعرس له معني سيّء). والمشوطن عند التشاديين هو المجنون؛ والمرأة الغلبانة هي الحامل، والعوين هن النساء؛وشعر المرأة هو الصوف. وعندما يريدون وصف اللص يقولون سراق؛ أما الذكي فهو حرامي؛ والضعيف عندهم باطل، والسمين قرقيت، والشجاع فحل ، والبخيل جباري، و الغبي لوتي، والجبان هوان مع إضافة كلة (ساي)؛ أما حق الشاي وحق القورو فهو إيحاء لطلب الرشوة؛وللتحذير يستخدمون مثل( ألمي حار ولا لعب ككو)؛ مثل يقابله عندنا (ألمي حار ولا لعب قونج)؛ و يعني الضفاضع لا تلعب في الماء الحار؛ وللوعيد الشديد يقولون ؛ " هي ترا إنقرع، و معناها ابتعد او كف". ثقافة السودان...رباط ثقافي جنوب الصحراء. يوماً كنت في معية سعادة السفير القامة الدكتور حسن بشير عبدالوهاب وأسرته الكريمة في زيارة إلي مدينة قروة في شمالي الكمرون، (وفي قروة يسكن فاروق باهي، وهو إبن عّم سفيرنا وشاعرنا الكبير محمد المكي إبراهيم؛ جاء إلي الكمرون صغيراً مع والدته بعد زواجها برجل من أهل الكمرون؛ رجل شهم كريم؛ كان مديراً للشرطة لكل شمال الكمرون من قروة حتي كسري، زرناه في بيته في معية الصديق دكتور مصطفي أحمد علي، وأسرتينا فأكرم وفادتنا)؛ وفي المساء ونحن نتأهب للعشاء في باحة الفندق، فإذا بفرقة موسيقية بدأت تعزف لحناً سودانياً، لأنشودة كادت أن تندثر، وما هي لحظات وتدخل المغنية تتهادي بمقطع "أنت يا مايو الخلاص يا جداراً من رصاص"؛ فلم نتمالك أنفسنا من الدهشة، وبإنتهاء الفاصل الغنائي الذي غنت فيه "جلابية بيضاء مكوية حبيبي بسحروك لي"؛ والسفير يصر أن يذهب (ليبشر) في الفنانة تشجيعاً لها، في لحظة من إندهاش من الحاضرين وغالبيتهم من الفرنسيين وبعض الكمرونيين، فسألها السفير، وهو صاحب طرفه؛ هل تعرفين الأغنية الأولي أو الثانية أو الثالثة" فإذا بها تجيب بلا، "إذن ما هي الكلمات ومعناها؟ وما اللحن؟" وتجيب مرة أخري بلا، وفي صباح اليوم التالي ونحن نتجول في سوق المدينة سمعنا صوتاً لفنان سوداني يصدح في محل لبيع الأشرطة الكاسيت، فذهبنا لصاحب المحل، و إذا بالسفير يسأل صاحب المحل عن الأغنية وكلماتها ومغنيها، وتتكرر الإجابة، بلا، فأهدي السفير صاحب المحل شريط به مدائح لشيخنا البرعي طيب الله ثراه، وقال لصاحب المحل " هذا شريط مجاني، بشرط أن تنشره علي أوسع نطاق، ولا أظن السفير كان بحاجة لهذا الشرط، فسينتشر الشريط علي أي حال؛ وعلي كافة مناطق الكمرون.

نهاية مقال نشر في ١٥ أبريل ٢٠٢٠ عودة علي إنجمينا؛ إخوتي الكرام الأعزاء، لكم عاطر شكر وتقديري، علي تعليقاتكم ومداخلاتكم وملاحظاتكم علي المقال الخاص بإنجمينا وأهلنا في تشاد؛ وأسمحوا لي أن أضيف الأتي: لم أتمكن لضيق المساحة، ورغبتي في عدم إغراق القاريء في تفاصيل دقيقة، وإن كانت من الأهمية بمكان؛ ربما لمحاولة لرسم صورة لمدي ترابط الشعبين السوداني والتشادي في الحياة الإجتماعية والسلوك والمزاج. فتشاد وشعبها، طراز فريد من البشر في حبه للسودان، وتماذج وتماثل التراث الثقافي غير المادي، و التاريخ والحضارة المشتركة، والمكون الإثني والعرقي لعدد كبير من القبائل لا يشبه أي من دول الجوار السوداني؛ ولا مثيل له في الإقليم إن لم يكن في العالم. و نعلم جميعنا، أنه من المنظور السياسي، فإن الخصوصية المتجذرة لعلاقاتنا الدبلوماسية مع تشاد؛ لا تحتاج لأداة وبراهين؛ فتشاد عمقاً طبيعياً، وهي السند، والدعم الإقليمي لمصالحنا في تثبيت الإستقرار والأمن والسلم الداخلي، علاوة علي كونها مدخلاً للتبادل والتعاون السلعي، ومنحي للتكامل التجاري والإقتصادي، فالإمتداد السكاني والثقافة الواحدة المتجذرة والضرابة في القدم؛ والتداخل الجغرافي والتاريخي الطبيعي. بين البلدين والشعبين لن تحيط به قواميس كتاباتنا و ما ندونه من ملامح للتشابه. و القاموس السياسي سيقف عاجزاً عن وصف الحدود السياسية والإدارية بمفهومها السياسي السائد؛ فنحن لسنا بحاجة لما يسمي Delimitation or Demarcation لحدود وتداخل طبيعي وقبائل تظعن، تغدو وتروح في وضح النهار دون أن يلحظ الظاعن في أي بلاد تخطو قدميه؛ زوجة هنا، وأولاد هناك، وزراعة هنا، ورعي هناك؛ يبيت هنا في بيته مع أم عياله التشادية، ويصحو ليشرب الشاي العصر مع كنداكة سودانية؛ و لا شيء يتغير؛ لا شيء غريب؛ لا عرف لقبائل تماس تتنازع في الأرض أو المرعي والكلأ؛ فالتزاوج والتصاهر يمتد عبر تلك الحدود، بتلقائية، والزراعة والرعي، والتبادل السلعي اليومي والتجارة فيه بتلقائية وإنسياب طبيعي ودون أي ضوضاء. ولهذا؛ بل أكثر، تبقي تشاد؛ من بين أهم تلك الإمتدادات؛ فتماثل ثقافتنا وحياتنا الإجتماعية وتراثنا المشترك يضفي علي تفردها رونقاً وألقاً ورباطاً تاريخياً وإجتماعياً فريداً ووثيقاً. وتأسيساً علي هذا، فإن تتكامل جهودنا الدبلوماسية والسياسية لخلق فضاء تجاري واسع يعود بالمصلحة علي شعبينا؛ بحاجة لترسيخ كممارسة دبلوماسية أكثر من ذي قبل، فمن الصعب أو النادر جداً أن تجد شعباً يتقبل ثقافتك دون عناء جهد؛ ولا يجتهد في فهمها؛ ومن ثم إستيعابها ومن ثم قبولها؛ فالغريب يظل غريباً، ويستمر في إحساسه بذلك؛ ولكن ليس في تشاد؛ والغريب ثقافة ولسان؛ حتماً لن يشعر بأنه جزء من ذاك الشعب أو تلك الثقافة؛ و لكن ليس في تشاد؛ فالمروء يحس بأنها جزء منه، بل هي ملكيته الخاصة، بل والتشادي سيرفع حاجب دهشة إن سألته عنها. وأنت في تشاد؛ لست بحاجة لتقديم لأي شرح لمدلولات ثقافتنا؛ فكما هي سودانية، هي أيضاً تشادية؛ (قل لي)؛ في أي بلد من جوارنا، تباع (الويكة، والكول، والمرس، واللوبة العفن، والقدوقدو؛ وإن سألت عن الأبري والدخن المفندك، ومديدة الدخن تجدها كلها ودون عناء؛ لأنها جزء من موروث تشادي أيضاً ) أليست كل ذلك من ضمن أكلاتنا الشعبية، المتعارف عليها في بقاع عديدة من السودان؟ ولكن التشادي، لا يري فيها غير جزء من موروثه في الحياة؛ فإن ذهبت لدول جوار أخر للسودان، بإستثناء جنوب السودان؛ قد تجد تشابهاً في نمط الحياة الاجتماعية والسلوك والمزاج العام، ولكنك لن تجد كل ذلك؛ و لن تجد تطابقاً في كل ذلك كما تجده في انجمينا قط. بعد نشر المقال، الذي أعترف بأنه جاء ناقصاً، ولم يشتمل علي ذكر للعديد من السودانيين الذين أثروا الحياة الإجتماعية في تشاد، و إتصل بي صديقي وأخي العزيز مختار نصر صالح؛ ليكمل معلومات غابت عني، أو لم أكن شاهداً علي بعضها؛ فمثلاً؛ قد أشار إلي دور أول مدير لمدرسة الصداقة السودانية الأستاذ والمربي الفاضل صديق عبدالله، الذي عمل علي مدي عشرين عاماً، وترك بصمة لا تخطئها العين في حياة التشاديين الإجتماعية، وكيف كان إحتفاء طلابه وطالباته به لدي عودته في العام ٢٠٠٢ ضمن إحتفال بالأسبوع الثقافي السوداني في إنجمينا؛ وكان هناك قرابة المائة طالبة عرضن عليه أبناءهن الذين سموا بإسمه (صديق) تخليداً لذكراه، وكيف صعدت لمنصة الاحتفال قرابة خمسين أم من اللائي عاصرنه كطالبات له للإنشاد معه. و يقول مختار، أيضاً، أن عمنا الأمين عثمان، مربي الرئيس تملباي، كان مقيماً في مدينة سار، في جنوب تشاد؛ وله بيت من أكبر البيوت هناك، ما يزال قائماً، وكان الرئيس إنقارتا تملباي يزوره فيه. ونبهني لغياب ذكر دور للنادي السوداني في الحياة الإجتماعية للسودانيين والتشاديين علي السواء؛ برغم أن شراؤه وتملكه قد تم أثناء عملي، (نائباً للسفير الراحل حاج الفكي هاشم)؛ وأعترف بأن ذلك قد فات علي. وبالرجوع لثقافتنا وتراثنا وتاريخنا؛ فهو مشترك ونتشاطره عبر قرون سحيقة، بملكية ثقافية واحدة؛ وإمتدادنا القبلي لا تكاد تري فيه فتوقاً؛ وهذا ينطبق علي عدد من دول الساحل الأفريقي؛ مروراً بالنيجر ومالي؛ مع إختلافات طفيفة؛ ولَك أن تتصور مثلاً، أن تسجل دولة مالي الشقيقة (الدلكة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدي اليونسكو كملكية تراثية خاصة بها!!!)؛ فمن منا يتصور أن تأتي دولة أو شعب ليقيم الحجة الثقافية بملكيته لتلك الممارسة الإجتماعية السودانية الصرفة؛ و التي كنّا نعتقد بأنها خالصة وخاصة جداً (كما كنّا نعتقد)؛ بِنَا لا غيرنا. تلك الممارسة عبرت حدودنا ومضت، ربما غفلت عائدة بطريق الحج الرابط لدول الساحل لتستقر في بلد قصي عنا؛ لتكون جزء من موروثه الثقافي الأصيل لدرجة تسجيل ذلك البلد الشقيق؛ لها ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، ومن حسن الحظ، أن مثل ذلك التراث الثقافي غير المادي يمكن أن تتشاطره الدول في التسجيل؛ ويمكن أن ننضم نحن للتسجيل؛ وقد كنت مندوب السودان لليونسكو، (و أعلم بأن التسجيل للتراث الثقافي غير المادي أو التراث المادي أو التراث الطبيعي، بقوائم اليونسكو يستوجب شروطاً عديدة تستند إلي القيمة الإستثنائية العالمية؛ وكلمة إستثنائية هي مربط الفرس، وهناك لجان فنية طوعية عديدة تضطلع بتلك الدراسات المعمقة بتعاون مع الدول، وبتوفر معلومات مفصلة ودقيقة، يتم تقييمها ووضعها في إطارها الإستشاري القانوني بغية تكملة إجراءات التسجيل)، والتسجيل عملية طويلة ومضنية، وقد تأخذ سنوات لتكتمل، وتكتنفها مصاعب شتي، وبحاجة لعمل دبلوماسي جبار، وتوظيف لعلاقات مع تلك اللجان والدول الأعضاء في لجان الإجازة؛ بجانب إلتزام صارم من الدولة بتوفير المعلومات وإستيفاء الإشتراطات، وإتخاذ التدابير والقوانين الكفيلة بتسهيل عملية التسجيل؛ حتي تكون اليونسكو معنية بالمحافظة والصيانة للتراث المسجل في المستقبل. بجانب أن هناك عشرة شروط ينبغي أن تكتمل لتفضي لتسجيل موقع في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ستة منها ثقافية وأربعة طبيعية؛ والمواقع نفسها يمكن أن تكون طبيعية كالغابات وسلاسل الجبال؛ أو من صنع الإنسان (مواقع تمثل حضارة ما). وأخر موقع تم تسجيله في السابع عشر من يوليو ٢٠١٦ للسودان كان جزيرة سنقنيب، وخليج دونقناب. كأول موقع للتراث الطبيعي في العالمين العربي والإفريقي، وكان لي شرف الوقوف والدفع بهذا الموقع حتي تم تسجيله في معية دبلوماسي وطني وغيور، كان له القدح المعلي في تكملة عملية التسجيل؛ هو (الوزير المفوض حامد الجزولي، وهذا للتاريخ) Sanganeb Marine) National Park and Dungonab Bay – Mukkawar Island Marine National Park) ولي عودة لهذا الموضوع. فلك أن تتصور؛ مثلاً، أن السودان وتشاد والنيجر حتي تخوم مالي يتشاطرون تراثاً ثقافياً غير مادي!! أي رباط إجتماعي ياتري هل يمكن أن يجمع شتات شعوبنا وثقافاتنا وتراثنا؟ أليس هذا مصدر ثراء تراثي لبلدنا ولتلك البلدان معاً؟ أين في العالم يمكنك أن تجد ما يوحد شعوباً علي شريط جغرافي عريض وفضاء واسع بهذا الشكل؟ ألا يمكننا البحث والتنقيب؛ ليس عميقاً؛ بل علي سطح الأرض؛ لنزيح غبار الزمن عما يوحدنا ويجمعنا؛ كمصدر للقوة الإجتماعية لنحوله لرابط إقتصادي وتجاري وسياسي، لشعوبنا ودولنا!! هذا مجرد مثل بين أمثلة أخري شتي، ولَك أن تمعن النظر في نمط حياتنا علي إمتداد هذا الشريط، في ثيابنا، العمة والجلباب للرجل، الثوب للمرأة، اللغة العربية وثقافتها، الرابط الديني والمعاملة، الأداب والسلوك في التربية؛ ورباطنا الإجتماعي داخل الأسرة وتربية النشء، وغيرها من الروابط العديدة. ثم يأتي القبول التلقائي للثقافة السودانية والمزاج والغناء والموسيقي السودانية (وثاق وعقد إجتماعي) لتعبر عن أقوي وأمتن رباط ثقافي يجمع ويحيط بكامل شعوب تلك المنطقة والإقليم من جيبوتي حتي موريتانيا. وقد يري البعض في ذكر مثل الأمور؛ (تسجيل الدلكة كتراث ثقافي غير ما ي ضمن قائمة التراث العالمي)؛ أهمية قليلة تذكر، وإنصراف عن قضايا أكثر أهمية؛ أو ربما يشطط البعض في النظر إليه كنوع من السفه؛ (الناس في شنو والحسانية في شنو؟) ولكن، تبقي حقيقة واحدة، إنه جزء من تراثنا، وله قيمة إجتماعية إستثنائية مثله مثل المحافظة علي أغانينا المحلية، وأحاجينا، وألعاب الصبية؛ مثل "شليل وينو، والرمة وحراسا، وشدد،وصفرجت، وكمبلت، وغيرها من تراثنا الثقافي و الشفاهي غير المادي"؛ والإهتمام بها واجب علينا كموروث وتراث له قيمة إستثنائية، ولا ننسي أن منظمة أممية بأكملها قد عكفت علي الإهتمام به؛ فبعض الدول، لها تراث محدود للغاية؛ ولكنها تهتم به وتسعي وتحشد كل العون والدعم الفني الممكن لتسجيله، وتقيم الإحتفالات في اليونسكو عندما يعلن عن تسجيله. عدم تسجيل العديد من جوانب تراثنا الثقافي الشفهي غير المادي والتراث المادي؛ قد أدخل حسرة في قلبي؛ عندما كنت مندوباً للسودان لدي اليونسكو؛ و لعلمي أن بلادنا تأتي في الترتيب السابع من حيث الثراء التراثي علي مستوي العالم قاطبة؛ وعلماءنا وخبراءنا هم عماد اللجان الفنية التراثية لدول أخري من حولنا؛ تلقفتهم ولم تصدق حتي أن السودان يستغني عنهم ويبعدهم من مواقعهم العلمية بسياسة التمكين، فعرضت عليهم تلك الدول وظائف و مزايا ومرتبات لإغرائهم بالعمل لديها؛ يعدون لها الدراسات وينسقون الدعم الفني، لشبكة العلاقات الواسعة التي يتمتعون بها؛ وبما لديهم من رصيد ضخم من خبرات دولية في هذا المحال؛ ومن جهة ثانية فقد كان أيضاً مصدر إعزازي لهم؛ أنهم يتبرعون لخدمة السودان، وطنهم الغالي؛ بتقديم الدعم والمشورة وحشد الدول الثنائي والدولي لوطنهم لتمكينه من تسجيل مواقع جديدة في قوائم اليونسكو. والخبير إسماعيل الفحيل، خير مثال لذلك؛ فقد قدم لنا دعماً، كبيراً؛ في عدد من المشروعات؛ وعرض جهوده وخبراته المتراكمة لنا وللسودان ؛ فله مني ولجميع خبراء السودان في اليونسكو ألف تحية

تكملة لمقال الأمس الذي نشر بتاريخ ١٤ أبريل ٢٩٢٠ الجزء الثاني.
إنجمينا...محطة دبلوماسية لا تشبه الأخريات. ويوما ما، حدثني القائم بالأعمال لجمهورية الكمرون لدي تشاد محمد صلاح الدين عباس، عندما كنانجلس متجاورين علي مأدبة عشاء رسمي؛ (و إسم القائم بالأعمال الثلاثي يتطابق مع إسم سفير سوداني وأخ عزيز بوزارة الخارجيةالسودانية)؛ حدثني بشغف، تكاد تتقافز الكلمات الحبرة من عينيه؛ كيف إحتفلت الكمرون بمقدم الموسيقار الكبير وردي ضمن فنانين سودانيين أخريين جاؤوا بدعوة كريمة من الرئيس الكمروني السابق، (أحمدو أُهيجو) لأحياء حفل إحتفاءاً بزواج إبنته، وكيف أن الكمرونيين ذابوا ولهاً بأغنيات وردي خاصة مع كلمات أغنيته (عمرك تسعتاشر سنة)؛ ومضي محمد صلاح الدين عباس؛ يحدثني بأن جميع من رزقوا بمولود ذكر بعد حفل وردي، أطلقوا عليه إسم (محمد وردي)؛ إتفاقاً بين الزوجين؛ وتداخلت زوجة القائم بالأعمال في الحديث بأن بعض الأزواج إختلفوا في إضافة إسم (وردي) لمواليد ولدوا قبل وصول وردي الكمرون، إختلاف أدي في بعض الأحايين للطلاق!!. ومعلوم ان من عادة شعوب هذه البلاد، تشاد والكمرون عندما يعجبون بغناء فنان تلبسه النساء عقود وسلاسل الذهب الذي يلبسنه ويغدق الرجال علي المغني بكل الأوراق النقدية التي بحوذتهم ك(نقطة). هذا هو حال ثقافتنا وتراثنا الثقافي الشفهي غير المادي يرتحل عبر سواحل وسهول وأراضي وفوق جبال وهضاب وأنهار وسحنات وشعوب وتطرب له أذان وتهيم به ألباب، ويستعيرونه في عشقهم وحبهم وهيامهم؛ فيستعيرون أحاسيسنا ومشاعرنا وكلمات حبنا، وأهازيج نخوتنا وإقدامنا، ويطربون مثلنا تماماً؛ فيتغنون بمثل " أنت كلك زينة، وعايمة كالوزينة يحفظك مولاي؛"وَست البيت"؛ "وعزاز علينا...شالو نوم عينينا" وحتي أغاني الحماسة الموغلة في الدارجة السودانية "أب كريق في اللجج سدر حبس الفجج"؛ "الليلة إستعدوا وركبوا خَيل الكر وقدامن عقيدن باللغر دُفر ...جيناتن العزاز الليلة تتنتر... وَيَا الباشا الغشيم قول لجدادك كَر" ؛ " بتريد اللطام والواعي ما بوصو"؛ بتريد اللطام أسد الكداد الزام ...هزيت البلد من اليمن لي الشام...سيفك للفقر قلام" " الواعي ما بوصو من أمس الضحا ...توري أب زنود سأقو ...يا مقنع ولياتو"؛ "وطنا البإسمك كتبنا ورطتنا ...أحبك... أحبك مكانك صميم الفؤاد"؛ و كل ذلك الإنتشار الواسع للثقافة السودانية؛ وهي تسري كالنار في الهشيم دون أن نبذل في الأمر جهداً، ودون أن نعد له برامج ورؤي لنشره ثقافياً؛ أو حتي نرسل أدباءنا وشعراءنا وفنانينا، وموسيقينا لتلك البقاع. و العديد من تلك الشعوب لا تعرف حتي معني كلمات الأغاني السودانية، أو شعراءها، أو لحنها، أو موسيقاها، ولكنها تطرب حد الذوبان الحسي، تحفظها وترددها، ولا تجد بيتاً ليست فيه موسيقي وأغاني سودانية، بل إرشيفاً لأغاني، وقد لا تجد بعض تلك الأغنيات والدرر المنثورة من الشعر الرصين والرائع حتي في المكتبة الغنائية السودانية في أي بيت أو مدينة أو حتي لدي أي مهتم بالتراث وجامع للموسيقي والغناء السوداني. فطريق الحج، الذي يربط بين غرب أفريقيا وشرقها عبر السودان، وكافة شعوب تلك الدول الأفريقية الشقيقة تتردد فيه أصداء الثقافة السودانية، وشعوبها قاطبة مهتمة بها، حافظة لها، طربة بها، تسكن جوانحها ولبها. فالسودان، ثقافة وشعباً، بلداً كبيراً، وله قيمة في تلك البلاد؛ ولسنا بحاجة لا في السابق أو الغد لتسويق ثقافتنا؛ فقد سبقتنا بعقود وفرضت نفسها في نفوس ودواخل تلك الشعوب التي تحبنا بدفء وصدق ومودة. ‫ ‬ و في تشاد، تسمع الغناء السوداني في كل بيت، وفي بيوت الأعراس، لا تحي حفلة إلا بالغناء السوداني، والأغاني السودانية تأتيك من المطاعم والمحال الصغيرة، ونوافذ سيارات الأجرة وبصات نقل الركاب، وفي الأسواق، حتي الحملات الإنتخابية الرئاسية يستهلها التشاديون بالأغاني الحماسية السودانية، أما الدراما فهي سيدة الموقف الثقافي والإجتماعية في تشاد، وأذكر أنني عندما قائماً بالأعمال بالإنابة لدي غياب سعادة السفير الراحل حاج الفكي هاشم، طيب الله ثراه، في إجازته السنوية، طلبت من التلفزيون السوداني تزويدنا بنسخة من شريط فيديو (عادي) لمسلسل "سكة الخطر" وبطلة المحبوب آنذاك محمد عبدالرحيم قرني " ضبة"؛ وأهديته للتلفزيون التشادي، فقال لي المذيع لا يمكن أن يكون الأمر هكذا؛ فلا بد أن تأتي لنجري معك لقاءاً مباشراً ضمن فقرات النشرة الإخبارية المسائية للإعلان عن وصول نسخة المسلسل؛ فقلت له هذه مجرد نسخة من شريط (فيديو بيتاماكس)، ولا تستدعي ظهوري علي شاشة التلفزيون للإعلان عنها؛ فقال لي لا أظنك تعلم بأن تشاد كلها تنتظر ذلك المسلسل وأي مسلسل سوداني. وقد كان له ما أراد، فأصبح المسلسل حديث إنجمينا وتشاد كلها. وفي إنجمينا، البلد الدافيء بالحب للسودانيين وبثقافته وموروثاته وحياته الإجتماعية، لا تحتاج لكثير عناء للبحث عن أفضل التسجيلات للأغاني السودانية، ويدهشك التشاديين بمعرفتهم بأخر وأقدم التسجيلات والراحل وردي ومحمد الأمين والمبدع الراحل محمود عبدالعزيز. التشاديون شعب يحب السودان، لا جدال في ذلك؛ شعب مغرم بالسودان؛ بلداً وأرضاً وشعباً وثقافة؛ فذات مرة و قد كنت نائباً للسفير في إنجمينا، زارني الدكتور مختار بشر؛ الذي تلقي دعوة لزيارة السودان، و الدكتور بشر حاصل علي الدكتوراة في جامعة السوربون الفرنسية، وله ثقافة فرنسية رفيعة، فدلف لمكتبي؛ بعد أن أكمل له القنصل إجراءات سفره، من تأشيرة وتذاكر سفر، ليشكرني، ثم ودعني وذهب لحاله؛ وفوجئت به في اليوم التالي يطلب مقابلتي، وعندما جاء إلي مكتبي، بادرني بالقول "يا إكسلانس، والله سويتو لي مشكلة في لُب بيتي"؛ فقلت له "كيكيف؟"؛ فقال لي زوجتي الأولي سترافقني، ولكن عندما علمت زوجتي الثانية بذلك "قامت الشكلة، كيف ما نسوقا برضو للسودان؛ ولازم تحل لي المشكلة دي يا إكسلانس"؛ فقلت له لا مانع من إعطاءها هي الأخري تأشيرة؛ فطار الرجل من الفرح. وبعد عودتة من الخرطوم جاء للإلتقاء بي، فسألته "كيف كانت زيارتك للسودان يا دكتور؟"؛ فقال لي "يا إكسلانس تودونا الجنة وترجعونا منها!!". هذا فقط نموذج اخر من حب التشاديين للسودان، البلد والشعب والثقافة. و تشاد ليست دولة جارة فحسب؛ فهي دولة ليست ككل الجيران للسودان؛ فهي رحم ودم وأهل ونسب وإخاء ومودة وتقدير، وهي عمق جيوإستراتيجي، وهي بلد للتشاديين ، كما للسودانيين؛ فالسوداني في تشاد معزز مكرم وله مكانة عالية من الإحترام، ولا ينظر التشاديين للسودانيين بدونية أبداً، فالسودانيون هم المثل الأعلي في القيم والأخلاق والتدين والتحضر. وفي تشاد كان الصديق الوفي لأحد التجار السودانيين في إنجمينا هو الرئيس التشادي الذي نالت تشاد إستقلالها علي يديه، فرانسوا تمبلباي، الذي غير إسمه لإسم تشادي أصيل، إنقارتا تمبلباي، كان الرئيس صديقاً مقرباً لعمنا الراحل الأمين عثمان؛ وهو من الكاملين الحبيبة، الذي رباه في بيته منذ صغره؛ (إمتدت حياة عمنا الأمين عثمان في تشاد من العام ١٩٢٨ إلي تاريخ وفاته في العام ١٩٧٤) وكان الرئيس تملباي ينادي عمنا الأمين عثمان ب (أبا) وهي عبارة للتوقير والإحترام لكبار السن في تشاد؛ و قيل أن عمنا الأمين هو من أوعز لتمبلباي بمواصلة دراسته وتعليمه؛ ورعاه، حتي أكمل تعليمه ودخل سلك التعليم؛ وعندما أصبح إنقارتا تمبلباي رئيساً لم ينس ذلك الفضل، وظل محافظاً علي صداقته مع عمنا الأمين، وكان عندما يزور عمنا الأمين في بيته في إنجمينا ليستشيره في أمور سياسية ويأخذ برأيه، يترك حذاءه خارج مدخل الغرفة؛ بل زار عمنا الأمين في بيته في الكاملين؛ فأكرم عمنا الأمين وفادته، كرم أهلنا في الكاملين الحبيبة ، والسودان المعهود؛ وإحتفي بمقدمه وسط أهله وعشيرته؛ وعندما توفي عمنا الأمين أصر الرئيس تمبلباي علي حمل نعشه علي أكتافه؛ بل أمر بطائرة خاصة ومرافقة ستة من الوزراء الجثمان للخرطوم و لمسقط رأس عمنا الأمين ليدفن في الكاملين . أرأيتم كيف أن الود عند التشاديين للسودانيين قديم وأصيل ونابع من القلب!!. وحدثني يوماً عمنا هجرو أدم السنوسي، وهو الشاويش في الجيش السوداني الذي شارك في محاولة إنقلاب البكباشي علي حامد، وأعتقل ثم أصبح أول شاهد ملك في المحاكمة في تاريخ السودان؛ بعد أن شاهد إتهام في القضية؛ ليطلق سراحه ثم يأتي لتشاد وفي معيته بندقية (أبو عشرة) كما قال لي؛ ليكون أحد مؤسسي جبهة فورولينا (الجبهة الوطنية لتحرير تشاد)؛ وبعد تأسيسها في السودان، دخلت الأًراضي التشادية لتصبح حركة تغيير سياسي وعسكري في تشاد. ولكنه قال لي أيضاً "أنه تعلم من زوجته خالتنا كلتوم عبدالرحمن جودة؛ حسن الهندام؛ وألا يخرج دون أن يكون في جيبه منديل كعنوان لأناقة الرجل". وكما كان لعمنا هجرو السنوسي دوراً في الجبهة الوطنية التشادية؛ فقد شغل فيما بعد منصب وزير الأشغال ووزير الدفاع في تشاد؛ كان لإبنه وزميل الدراسة السابق، والصديق العزيز؛ السنوسي هجرو السنوسي دوراً هو الأخر في معية ثلة من المثقفين، بجانب أدواره وأدوارهم الوطنية الأخري، فقد أسس السنوسي مع كل من بشير السماني و الدكتور عباس عبدالواحد، رابطة مثقفي اللغة العربية في تشاد، والتي كان لها دوراً في إدماج الثقافة العربية في تشاد، بل وإقرارها ضمن الدستور التشادي كلغة ثانية في تشاد بجانب اللغة الفرنسية. واللغة والثقافة العربية ليست وافدة إلي تشاد؛ علي الأقل في العصور التاريخية الحديثة، فقد كان حادي اللغة العربية الأول الشاعر التشادي ذائع الصيت إبراهيم الكانمب في القرن ١٢ ميلادي، قد وضع البصمات الأولي لمسيرة الثقافة العربية في هذا البلد العريق؛ و هو الذي قال هذه الأبيات العربية البليغة في حضرة الخليفة يعقوب الموحدي في المغرب. ‎أَزَالَ حِجَابَهُ عَنَّي وَعَيْنِي تَرَاهُ مِنَ الْمَهَابَةِ فِي حِجَابِ" ‎وَقَرَّبَنِي تَفَضُّلُهُ وَلَكِنْ بَعدْتُ مَهَابَةً عِنْدَ اقْتِرَابِي " * (١) والشاعر والأديب والأستاذ الجامعي، حسب الله مهدي فضله ؛ شاعر فحل لا يشق له غبار. وله أبيات رائعة يخاطب بها زوجته؛ فيقول، "غيري عليكُن يا زهراءُ يصطبرُ ‎لأن صبري على ذاك الهوى صَبِرُ ‎لوني بلونك مُزدانٌ إذا اجتمعا ‎كما يزين سوادَ المقلة الحَوَرُ ‎فلا يسُؤكِ من الأغماد حالكها ‎إن كان باطنها الصمصامة الذكَر" *(٢) و قد أشار الشعر والأديب التشادي المعاصر، حسب الله مهدي فضلة؛ إلي الشاعر العظيم إبراهيم الكانمي؛ في دراسة جامعية له. ثم علي عهدنا بتشاد بزغ نجم زميل الدراسة الشاعر التشادي الكبير الدكتور عباس عبدالواحد؛ عضو رابطة مثقفي اللغة العربية في تشاد؛ والتي كانت تضم كل من موسي فكي، رئيس مفوضية الإتحاد الأفريقي الحالي، والسنوسي هجرو أدم السنوسي، وبشير السماني، وأخرين (و لهم العتبي لما إحترامي من نسي). فبريق اللغة العربية لم يخبو حتي بعد معركة الكب كب (القتل بالساطور) والذي قتل فيها الفرنسيون ١٠٠٠ عالم يتحدثون باللغة العربية ويدينون بالإسلام؛ بل صقلته العهود كتبر مكنون؛ وكان المعهد الأزهري الذي أسسه عليش عووضه ( الذي تخرج في جامعة الأزهر) للناطقين باللغة العربية في أبشه في عام ١٩٤٢ كان أحد أهم الأعمدة الثقافية لإنطلاقة إحياء اللغة العربية في تشاد؛ حتي تم الإعتراف باللغة العربية ضمن دستور ١٩٩٦ كلغة ثانية مع الفرنسية في تشاد. فالثقافة العربية هي محور إئتلاف الأديان في تشاد؛ فلا خلاف ولا صراع؛ بل حوار صامت يأخذ من عذوبة عربي إنجمينا ألق المعاملة؛ بينما تختلف وتتصادم الأجندات السياسية؛ وهذا دأب العديد من الدول وليس تشاد لوحدها. المرجع في (١) و(٢) Alukah.net* * لقاء الشاعر حسب الله مهدي فضلة و يجيء دور مدرسة (نميري) في إنجمينا في ترسيخ اللغة العربية وثقافتها في المجتمع التشادي بتدريس المنهج السوداني، وكان كل من أراد من التشاديين العفاف لإبنته أرسلها لمدرسة نميري، بل من أراد من التشاديين الزواج، كان للتفكير في خريجات مدرسة نميري نصيباً كبيراً. فهي مدرسة متفاعلة مع المجتمع التشادي وفاعلة ومؤثرة فيه؛ وقد تخرج في تلك المدرسة مئات من الطلاب النجباء التشاديين الذين واصلوا تحصيلهم العلمي؛ في جامعات عديدة؛ مهندسين، وأطباء، وعلماء، وغير ذلك من ضروب المعرفة والعلم؛ وكان أيضاً لدور ثلة من أساتذة الجامعات السودانيين؛ أمثال البرًفسور عبدالحميد بخيت، ودكتور عبدالله حمدنا الله، وأخرين دور في دعم التعليم الجامعي وفوق الجامعي في تشاد. ويذكر أن الدكتور والموسيقي الكبير عبدالقادر سالم كان مديراً لمدرسة نميري في إنجمينا؛ وعاد في زيارات عديدة ضمن فرق موسيقية غنائية؛ لإحياء حفلات رسمية وخاصة في إنجمينا؛ فإن غني عبدالقادر سالم حينما كان مديراً للمدرسة لأخرج التشاديين بناتهم وأولادهم من المدرسة علي الفور لأن الغناء والتدريس لا يستقيمان عند التشاديين ؛ كما أن لَبْس الجلابية والعَبَايَة لا تكون عند التشاديين إلا للصلاة فقط وليست للغناء؛ وهذه نصيحة لفنانيننا الذين ينوون زيارة تشاد للغناء؛ لا تلبسوا الجلابية والعَبَايَة لتغنوا بها!!. لمحة ليوم عادي في حياة التشاديين. الإذاعة التشادية... ثقافة محببة. التشاديون مولعون بسماع إذاعة إنجمينا، فتري البعض يحمل معه جهاز الراديو أينما حل؛ (وكنت أنا أيضاً. أحمل راديو (ترانزستور صغير عندما كنت دبلوماسياً هناك؛ وكان بعض زملائي يتندرون علي بذلك)؛ فالراديو هو وسيلة التواصل المحببة لدي التشاديين، وهناك فقرة تسمي (البلاغات)، وهي مجموعة من الإعلانات التي يكتبها أصحابها بطريقتهم ويقرأها المذيع أو المذيعة كما جاءتهم دون تعديل في كلماتها أو عباراتها؛ وهي في العادة للإعلان عن شيء ما؛ فإن ضاع (تور) أو بقرة مثلاً يعلن عنه صاحبه عبر الراديو فيقول باللهجة التشادية المحببه وتسمي (عربي إنجمينا، وهي بمثابة ال Lingua Franca ) لجميع التشاديين ،" يا أخونا حاج فلان تورا راح، الله يجمعا لي، ولا كان سرقو ما نأرفه، النادم (إبن أدم) الوصفا دا لي كادو (بالفرنسية cadeau ، يعني هدية، والنادم البيلقا دا كمان لي كادو كبيرة مره واحد" وبلاغاً أخراً أرسلته إمراة تشادية تشكر فيه من جاءتها مباركة لها الحج، فتقول في بلاغها "حاجة عشه، وهذا هو إسمها، بتشكر حاجة فلأنه وحاجة فلأنه الجن باركن ليها الحج، لكنها زعلانه من حاجة فلأنه اللي هسه ما جاتا"؛ وبلاغ آخر، "في يومناً الاليموم من فجور، وليد صقير وسمه ابكر عند شميس ابيض و وسروال ازرق . مرك من فجور لحس ما جا بيت. اي نادوم الشافي خلي يودي في كومساريه هن ٦ اروندسمه ول يودي في راديو شاد و ينتو عشر الف ريال "؛ ومن بين أطرف البلاغات التي ما زلت أستحضرها ، أن شاباً يحب فتاة يود التعبير عن إعجابه بها، وهو علي يقين بأنها ستعرفه؛ ويبدو أن هناك لغة غامضة مشتركة بينهما فيقول في البلاغ الذي أرسله لإذاعة إنجمينا "الولد النضيف بلا صابون، بيرسل تحياتا للبت الحلوه بلا ريحه". كما أن العديد من التشاديين يرسلون عبر البلاغات رسائل عدة لتشاديين أخرين ولبقية أرحامهم من السودانيين في تراب السودان؛ يعني في السودان) ويبثونهم تحياتهم وسلامهم وسؤالهم عن أحوالهم وصحتهم. ‎ولكن إن تمعنت في البلاغات، فستري إنها حقيقة وسيلة ذكية بل عبقرية للتواصل بين التشاديين في كافة التراب التشادي، علي إتساعه، وكما قلنا؛ فإن التشاديين جميعاً مولعون بسماع الإذاعة، وخاصة النشرة والبلاغات،وبالتالي فإن أي تشادي يرسل بلاغاً يعرف أنه سيسمع من الجميع، فلا بريد يرسل فيصل ولا برقيات تبرق فتبلغ أصحابها، ولكن البلاغات تمضي بسرعة البرق لكل متلقيها. فهي إذن وسيلة تواصل مبتكرة وعصرية وناجعة وهامة ‎وكنت دائما ما ألوذ بسائقي (محمد) عن Japonais، واللقب كناية عن صغر عيونه التي تشبه اليابانيين؛ صغر عيونه التي تشبه اليابانيين، (وذلك للطرفه وليس التقليل من شأنه، أو شأن اليابانيين العظماء)؛ لمعرفة تفاصيل البلاغات التي تبثها الإذاعة، أو بالأخ الكريم (الصافي) الحارس في بيتي، الذي كان مدخل حديثي معه وأبناء عمومته الذين يحضرون للمبيت معه، عندما كنّا نؤدي صلاة المغرب يوماً في جماعة، عندما إستمعت،لأول مرة، لأهازيج من (البوشاني)؛ والهداي؛ فسألته أن كان ذلك تسجيل، وإن كانوا يفهمون ما يقال؟؛ فقال لي الصافي "هذه أغانينا، من إذاعة إنجمينا؛" فقلت له بل هذه أهازيج من قبائل البقارة السودانية، فقال لي"وهل تعرفها أنت؟" فقلت له"نعم، هذه أهازيج أسلافنا"؛ والبوشاني، هو الشعر والغناء الذي يردده الفارس وهو علي صهوة حصانه؛ فقال لي "إنت إبن عمنا؛ والله من اليوم دا لو واحد رشاك بالموية نرشا بالدم"؛ فأصبحنا أسرة وأبناء عمومة من ذلك اليوم. ًأذكر بشيء من الخصوصية الراحل (عبدالرسول أبوبكر)؛ الذي كان يعمل في السفارةالسودانية، وقد تبينت فيه النزعة الثقافية المعرفية منذ أن إلتقيته؛ فقد درس في بيروت، ويتكلم اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية بطلاقة فائقة، ويكتبها؛ وكنت حينها وزيراً مفوضاً؛ نائباً السفير؛ وقد أوصيته بالصبر في وظيفته كمترجم في السفارة؛ وكان كل من يسمعه يترجم للسفير آنذاك؛ من السفراء لا يخفي إعجابه به، للحد الذي أعلن فيه السفير الفرنسي في حفل وداع سعادة السفير الراحل حاج الفكي هاشم بأنه سيعينه في السفارة الفرنسية، وقد سبقه في ذلك القائم بالأعمال بالإنابة السعودي الذي رغب بشده في تعينه، بل عرض عليه راتباً أكبر بكثير مما يتلقاه في السفارة السودانية، ولكن عبدالرسول رفض وتمسك بوجوده في السفارة السودانية برغم راتبه المحدود للغاية، وبرغم ما كان يتعرض له من ضغوط في السفارة، ولكني كررت عليه وصيتي قبيل مغادرتي إنجمينا بعد إنقضاء أربعة سنوات في موقعي (١٩٩٦-٢٠٠٠)؛ بأن يتمسك بوظيفته ولا يأبه بأي ضغوط تُمارس عليه؛ وكان أن توج عطاءه الفكري والثقافي والمعرفي من بلده تشاد بتعينه وزيراً للسياحة والحرف اليدوية، رحم الله الأخ الكريم عبدالرسول أبوبكر ممثلية الإيسسكو بإنجمينا. في العام ١٩٩٧، إلتقيت في السفارة بالدكتور مصطفي أحمد علي، لأول مرة، وعلمت أن جاء لتشاد بتكليف رسمي من المدير العام للإيسيسكو الدكتور عبدالعزيز التويجري في مهمة لإفتتاح مكتب للمنظمة في إنجمينا بغية دفع الثقافة العربية وتعليم اللغة العربية التي أدخلت للتو في صلب الدستور التشادي كلغة رسمية ثانية. فقفزت في خاطري فكرة، فطرحتها للدكتور مصطفي؛ وقلت له لماذا تنشأ المنظمة مكتباً للإيسيسكو فقط؟ لماذا لا تنشأ المنظمة ممثلية بدلاً عن مكتب؟؛ وإستعرضت له فكرتي، بحيث تطلب المنظمة وفق مخاطبة بمذكرة رسمية من منظمة الإيسسكو لرئيس جمهورية تشاد عبر وزارة الخارجية؛ التي بدورها سترفع توصية بإعتماد الإيسسكو كممثلية بدلاً عن مكتبا ً. ومن ثم ستوقع تشاد مع المنظمة ممثلة في شخصكم مذكرة تفاهم تنشأ بموجبها للممثلية؛ وتؤسس لإنجمينا مقراً للممثلية؛ وستكون بذلك أول ممثلية للمنظمة خارج دولة مقر الدولة المضيفة لها، وهي المملكة المغربية؛ وقلت له، سيكون للممثلية وضعية السفارات والبعثات الدبلوماسية؛ من حيث الإعتماد والحماية الدبلوماسية التي ستوفرها إتفاقية فيينا؛ وسيكون لك أنت وضع رئيس بعثة دبلوماسية أسوة بالسفراء، وستمنح لوحة دبلوماسية (CMD, Chef de Mission Diplomatique)، وستكون أنت بحاجة لسيارة لائقة لحمل تلك اللوحة الدبلوماسية؛ وسيكون لمقر للممثلية ومقر إقامتك حماية دبلوماسية؛ وإن هذا الأمر من شأنه تسهيل مهمتك وتوفير مظلة كبيرة لك وللممثليه في العمل والإعتبار؛ فقال لي "وكيف السبيل لذلك؟" فأسهبت في تفسير مقترحي، وفكرتي؛ ومن ثم، ذهبت بعيداً بأن إقترحت له بأنني سأذهب معه في إحازة خاصة إلي جمهورية بنين؛ لشراء سيارة له كما إنني أرغب أيضاً في شراء سيارة خاصة. إقتنع الدكتور مصطفي بفكرتي، وبالفعل عاد للرباط وعرض ذات الفكرة لمدير عام المنظمة الذي وافق بدوره؛ وزوده بتلك المذكرة؛ وعندما عاد إلي إنجمينا؛ وبتلقي جمهورية تشاد لتلك المذكرة، وافقت علي الفور علي إنشاء ممثلية لمنظمة الإيسسكو ومنحتها كافة الحماية والغطاء الدبلوماسي؛ ولعب سعادة السفير الراحل حاج الفكي هاشم بحكم علاقاته المميزة بمدير عام مراسم الدولة ورئاسة الجمهورية بتوفير مقر للممثلية ومقراً لسكني الدكتور مصطفي وعائلته، وتكفلت بالمقر، وكذا كل الخدمات من هاتف وكهرباء. وسافرنا معاً (أنا والدكتور مصطفي) في إجازة صغيرة إلي كوتونو وإستجلبنا سيارة مرسيدس (سيارة علم)؛ للدكتور مصطفي وإشتريت سيارة شخصية. فإنشأت للممثلية متمتعة بكافة الإمتيازات الدبلوماسية والرعاية الرسمية لجمهورية تشاد علي أعلي مستوياتها؛ وإضطلعت الممثلية بدور محوري وهام في ترقبه اللغة والثقافة العربية في جمهورية تشاد لعدة سنوات. التحية للدكتور مصطفي أحمد علي، علي جهوده البارزة في هذا المضمار؛ و بما عرف عنه من خبرة ومعرفة واسعة وإهتمام بالثقافة العربية؛ والتاريخ الإسلامي؛ ودوره البارز كذلك في ترقية عمل المنظمة بشكل عام؛ وبحكم تلك العلاقة نشأت بيننا وأسرتينا علاقة صداقة وإخاء قوية إلي يومنا هذا. * المؤسسة التي أنشأتها الايسيسكو في تشاد، هي (مركز الايسيسكو التربوي بتشاد)، و عندما هممت بتسجيل هذه الذكريات؛ إتصلت بصديقي الدكتور مصطفي؛ بغية التدقيق والتحقق من الرواية؛ فكتب لي الدكتور مصطفي أحمد علي الأتي "جاء إنشاء المركز لدعم القرار الوطني بتطبيق الثنائية اللغوية في تشاد، الذي أقرته الجمعية الوطنية التشادية، وجاء وفد برئاسة المرحوم د. ابوبكر عبد الحميد، للايسيسكو لطلب الدعم، للمساعدة في تنفيذ هذا القرار التاريخي، وكان هو من مثل الايسيسكو في تلك المفاوضات التي جرت بالرباط، وتم الاتفاق على أن ننشئ الايسيسكو مركزا ًتربويا يساعد على تحقيق هذا المشروع ، و من ثم كلفت بوضع مشروع اتفاقية مع الجانب التشادي، من أهم بنودها : الاعتراف بالدبلوم الذي يمنحه المركز ومعادلته بدبلومات المعاهد النظامية "الفرانكوفونية"...وكان هذا البند من أهم البنود. وقال مصطفي؛ * الاتفاقية المبرمة تضمنت أيضا التزام الجانب التشادي بتوفير المكاتب والسكن والكهرباء والاتصالات..الخ" ويمضي الدكتور مصطفي في مخاطبتي بالقول "وجاءت فكرة الممثلية العبقرية لتتوج هذه المكتسبات بطبيعة الحال، إضافة إلى الدعم الادبي والشخصي،الذي وجدته منكم في السفارة السودانية، والمؤسسات السودانية الأخرى والجالية، بطبيعة الحال. وكنت بمقتضى فكرة الممثلية، أحمل deux casquettes, مدير المركز وممثل الايسيسكو، في آن واحد، ويسر لي هذا الوضع منافذ أخرى لإنجاح مهمتي والفضل بعد الله تعالى يرجع لكم ولزملائكم في السفارة". ويقول دكتور مصطفي " أن نشاط المركز كان موجها في الأساس لتدريب المعلمين المعربين، وتم استلهام تجربة السودان في مطلع السبعينات، وتم فتح ستة مراكز للتدريب، ووصل الرقم إلى أكثر من ١٢ مركزا في انجمينا وابشة، وبلغ عدد من تخرجوا حتى الآن( فالمركز ما يزال مستمرا بعد توطين كوادره)، بلغ بضع عشرة آلاف معلم معرب مؤهل.". ويضيف دكتور مصطفي "بأن هناك برامج أخرى، تربوية وثقافية، اضطلع بها المركز لا مجال لتفصيلها. ولكن المركز حقق نقلة حقيقية للغة العربية في تشاد، وظل الرئيس إدريس ديبي يوليه اهتماما مباشرا، وقد استقبلني في ثلاثة لقاءات خاصة حول المركز كان آخرها لوداعه، وحاول فيها اثنائي عن مغادرة تشاد، عندما نقلت لموقع أخر؛ فاعتذرت لدواعٍٍ مهنية، وأنعم علي في هذا اللقاء بوسام عالٍ بمرتبة فارس تقديرا لما بذلته من جهود". إلتفاته مستحقة. اسماء لرموز من الجالية السودانية في تشاد منذ عام ١٩٢٤: (وهم تشاديون من أصول سودانية) (وأعتذر إن سقط إسماً سهواً أو بعدم معرفة) الدسوقى مختار وأخوه قاسم مختار والد محمد قاسم واسماء. وعمنا بشير بريمة والد كرار وعبد الرحمن وعادل ومحمود. وأل مداحين واولاد كروم..وال حلوانى.بابكر دفع الله والتنابلة، والمربية الفاضلة فرغلية ذو الكفل.، و الوالدة حياة زوجة احمد غلام الله عليها الرحمة، وأولادهما، سراج، وعبدالرحمن، وعجيب، ومحمد، وإبراهيم، وسارة، وبينو. ومجموعة السودانيين في مدينة مندو الزبير على الحسين محمد طيفور .فضل الله البشرى . وهم من الجيل الاول، وبعدهم الشعرانى وطيفور إضافة إلي إدريس ابدرش وسعيد فهمي واحمد خضر، ثم والدتنا الكريمة زهره جبريل والدة عزيزة، ونعيمة وعواطف بارود من أسرة السلطان بحر الدين الجنينه، و عمنا عبدالرحمن بابكر، رحمه الله، الذي كان رئيساً للجالية وشريك لعمنا الراحل حامد صالح وأل كروم؛ السر، وإبراهيم، وبابكر، والرشيد، وعبدالكريم ممدوح، وبابكر ممدوح، وعبدالحفيظ طه، ومحمد أحمد فاضل، والأمين بوكسير، والخليفة عثمان، وبشير رحمه. ومأمون الصافي، ومأمون حسن طه، وأحمد خالد، وعباس الأمين، وبابكر دفع الله، وحسن بابكر، وعبدالقادر وعمر وعلي عكاشة، ومحمد صالح عبدالله، وعبدالعزيز صالح، والسيد حسين، والخليفة عِوَض، والطيب وأحمد محمد نور، وأحمد خضر، ومحمد إدريس، وبابكر وصالح وحمزة، ومصطفي،وعبد الكريم، محمد أبو اليمن، وخليل علي محمد نور، وحاج عمر عبدالله وأولاده، ومختار نصر حامد، وأحمد والمعلا حامد صالح ، وحسن وحسين عمر. و هاشم ود الجبل، و صالح خليف، وأولاد عصمان ،صلاح، و موس عبدالرحمن مكي، وحسين خليف و احمد خليف، وزين العابدين، أولاده الدكتور محمد ،انور و أماني. ورمضان وعثمان وسعد خميس، وتجاني وعبدالله يعقوب، وحامد الشفيع، وعلي بكري ، وعلي عثمان، وسعيد فهمي، وإبراهيم الطاهر، وتجاني ومعاوية ومحمد وحسن حلواني، وعبدالفتاح بخيت، وبشير عكاشة، واحمد مختار، وخير السيد، واحمد خيرسان، ومحمد وموسي سترين،وسليمان أبو جنه، ومحمد عثمان، واحمد وعبدالله مرسال، وإبراهيم الطاهر. المراجع: * ويكيبيديا المراجع السماعية: * صديقي خليل موسي. * وصديقي يوسف الأمين عثمان. * الأخت الكريمة عواطف بارود. * الأخ الكريم محمد زكريا

n.wally08@gmail.com
/////////////////////

 

آراء