مؤتمر باريس.. حفلٌ تنكُريٌ

 


 

 

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
من بين أهم الأسباب التي ساقتها فرنسا لعقد مؤتمر باريس حول السودان هو أنها لا تريد أن تكون الحرب في السودان (منسية) .. وهذا قول يدعو للدهشة والحيرة من موقف دولة عظمى كفرنسا تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي. ولها في القارة الأفريقية مصالح حيوية، وأكثر الدول دراية بأحوالها و عوارضها.. فالحرب في السودان هي بالفعل حربٌ "منسية" بل يمكن الإدعاء بأنها حرب أُريد لها أن تكون منسية، فمبادرة فرنسا في الإسراع بإجلاء رعاياها من السودان بُعيد إندلاع الحرب كان أول بادرة بإعلان حالة النسيان، وقد حزت حزوها كل الدول المؤلفة للأسرة الدولية.. وتركوا السودان يغرق في ذلك الأتون الملتهب دون أي تحرك جدي فعّال... فالحرب عملياً دخلت عامها الثاني وفرنسا تشهد يوميات الحرب من خلال جملة الفظائع التي راح ضحيتها مدنيين أبرياء دون أن تهتز لباريس قصبة .. ففرنسا العضو الدائم في مجلس الأمن كانت جزء من ذات المجلس الذي دعا لوقف الحرب خلال شهر رمضان دون إتخاذ قرار ملزم بذلك، لذا فإن دعواها بأنها لا تريد ان تكون هذه الحرب منسية هو إدعاء لا يقوى منطقه الداخلي على التماسك... ويشكك في جوهر هذا الإدعاء ويؤكد أن نسيان هذه الحرب إنما يقوم على نية معقودة بأن تصل الحرب لمرحلة اللاعودة ويحترق السودان بشكل شبه كامل ومن ثم يمكن التدخل بذريعة عدم تركها للنسيان.
كان الأجدر بفرنسا إن كانت جادة في وقف ذلك الحريق اللاهب أن تلعب دوراً ضاغطاً في مجلس الأمن بجعل وقف الحرب ليس فقط بمناسبة حلول شهر رمضان ، وإنما مع بداية اندلاع القتال بتبني قراراً مزلماً يستمد الزامه من مجلس الأمن الدولي وبطريقة تضمن تنفيذه على أرض الواقع. والطريقة التي تضمن تنفيذ أي قرار من مجلس الأمن ليست بخافية على أحد. فمجلس الأمن لديه القدرة والقوة الكافيتين إذا ما توافرت الإرادة وفقاً للبند السابع، وبتدخل مباشر من نفس الأسرة الدولية التي تمت دعوتها لحفلها الباريسي "التنكري" لقيم وأهداف المجلس الساعية للمحافظة على الأمن والسلم الدوليين.
من بين الأسباب الأخرى التي حركت ضمير فرنسا لعقد هذا المؤتمر الوضع الإنساني وجمع التبرعات للتدخلات الإنسانية، وهذه الأخرى أنكى من سباقتها وأكثر مضاضة، فمن الناحية العملية البحتة لا يمكن أن تمضي أي عملية تدخل إنساني إلا بموافقة أطراف النزاع، فما الذي يمكن أن يُفهم من تغييب القوتين المتحاربتين من هذا المؤتمر وأحد أهدافه الأساسية ينص على :( إحراز تقدم في ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق الي جميع أنحاء السودان) يمكن تحليل هذا الهدف من منظور إدارة المشروعات الإنسانية Humanitarian Project Management وفحصه من خلال مواصفات الهدف الذكي SMART.. فالهدف قد أُفرغ من محتواه بتغييب المتحاربين وأصبح لا ينطبق عليه وصف أنه SMART. فقد إنتفت عنه أولاً صفة الواقعية Realistic في ظل تغييب الفاعل الحكومي. كما إنتفت عنه ثانياً إمكانية تحققه فصار Unachievable دون إتفاق مسبق مع الفاعلين في ميدان الحرب. وثالثاً لم يتسم بجدول زمني محدد Untime bound علماً بأن جوهره قضية إنسانية ملحة يجوز أن التعامل فيها مع الشيطان طالما كان الهدف منها هو إنقاذ حياة المشردين والمهددين بالموت و الجوع والفاقة والأمراض، فمن مجمل تحليل الهدف وعدم إستيفائه لاشتراط كونه هدفاً ذكياً SMART يمكن الزعم أن الباعث عليه سياسي أكثر منه إنساني. ويجدر بالتذكير هنا أن تجربة السودان في التعامل مع توصيل المساعدات الإنسانية تجربة رائدة وتعتبر سابقة مهمة، مازالت محط احتفاء الامم المتحدة وتستمد منها الدروس والعبر. فعملية شريان الحياة Operation Lifeline Sudan أبريل 1989 - 2005 م والمعروفة اختصارا ب (OLS) كانت أقوى تجربة في إشراك المتحاربين في توصيل المساعدات دون أن ينقص ذلك من سيادة الدولة شي او يجر الإعتراف الدولي بالمتمردين فقد كانت عبارة عن Consortium بين الفاعلين الإنسانيين وأطراف القتال بهدف أساسي هو وضع الجانب الإنساني كأولوية قصوى مكنت العاملين في المجال الإنساني من إدخال المساعدات من قاعدة لوكوشوكو بكينيا مباشرة الي مناطق سيطرة الحركة الشعبية في جنوب السودان آنذاك.. وهذه أحد التجارب العملية عندما يُراد التدخل الإنساني لأجل إنقاذ حيوات الناس.
أما قائمة المدعوين من منسوبي ما يُسمى بالمجتمع المدني فمثيرة للريب وهم في معظمهم سياسيون لم تسبق لهم خبرات عملية في ميدان العمل الإنساني لا من ناحية مهنية ولا من ناحية عملية ولا معرفية ولم تضم القائمة أسماء معروفة في محيط العمل الإنساني ممن كان يمكن أن يكون لهم اساهم حقيقي في جعل عملية التدخل الإنساني أكثر فعالية و التوصل لعملية إغاثة تنقذ أهل السودان من سرادق العذاب الذي ضربته عليهم الحرب موتاً وخوفاً ومرضاً وجوعاً وتشريداً وإملاقاً.
د. محمد عبد الحميد

wadrajab222@gmail.com

 

آراء