معركة أبو طليح كانت سبباً أساسياً في فتح الخرطوم

 


 

 

بقلم/ محمود عثمان رزق

morizig@hotmail.com

أبو طليح هي منطقة أبار في وسط الصحراء الرابطة بين كورتي شمالاً والمتمة جنوباً، وعند تلك الآبار تستريح القوافل لتشرب الماء وتتزود به لمواصلة المشوار، وأبو طليح تبعد حوالي32 كم شمال شرق المتمة. وقد دارت تلك المعركة المفصلية في يوم السبت الموافق 17 يناير 1885م، وكان هدف المقاومة هو القضاء على الحملة الإستعمارية التي جاءت مسرعة لإنقاذ غردون وأعوانه من الطبقة الحاكمة من القتل وذلك بفك الحصار عن الخرطوم ومنع سقوطها في أيدي قوات المهدي. ولتحقيق هذا الهدف أنفقت الحكومة البريطانية بأمر من جلالة الملكة فكتوريا مبلغ 7 مليون جنيه إسترليني لتجهيز هذه الحملة.
وقد كانت معركة أبو طليح وما تبعها من متابعات قتالية في أبي رماد والعقدة معركة قصيرة في مجمل زمنها، ولكنها كانت خاطفة وعنيفة جداً ومدمرة كعاصفة "التورنيدو"، فلذلك أصابت الإنجليز بهلع وذعر شديد، وقد تكبد فيها العدو خسائر كبيرة في الأرواح وفقد فيها عدداً من كبار الضباط والقادة.
وفي هذا السياق قال روبن هيللاند في كتابه المسمى "حروب المهدية": "كان التقدم بطيئاً وبين الحين والآخر يتوقف السير (سير الحملة) لالتقاط جريحٍ سقط من هجوم الأنصار المختبئين بين الشجيرات والخيران. ولم يتقدم الصندوق كثيراً ليصعد تلاً صغيراً، عندها شاهد جنود المقدمة فجأة أمامهم عدداً هائلاً من الرايات وسنان الرماح تدل على جيش ضخم من الأنصار. ولابد من أن المفاجأة كانت رهيبة إذ صدرت صيحة عظيمة صحبتها دقات الطبول العالية شن على إثرها جموع الأنصار هجوماً عنيفاً شرسا تجاه الصندوق (العسكري) البريطاني المتحرك. استقبل الجنود البريطانيون الهجوم بوابل كثيف من نيران البنادق......الى قوله....وحصدت نيران البنادق والمدافع الرشاشة حصاداً رهيباً في صفوف الأنصارالمهاجمين ولكنها فشلت في إيقاف هجومهم" )روبن نيللاند ص. 158)
عنف هذه المعركة وتسابق الثوار نحو الموت وكأنه وليمة فخمة لقوم جوعى، تسبب في تأخير الحملة ومنعها من الوصول للخرطوم في الوقت المناسب مما اقنع الإنجليز بالانسحاب من السودان بعد أن تيقنوا تماماً من فشل مسعاهم، فهم لم ينتصروا في المعركة ولم يحققوا أهدافهم التي جاءوا من أجلها. وللحفاظ على ما تبقى من جنود وقادة الحملة قرر قائدهم الرجوع لمصر يجرجر معه خيبة الأمل والهزيمة مما جلب عليه لعنات الملكة فيكتوريا. وقد كان تأخر وصول الحملة للخرطوم سبباً أساسياً مكّن المهدي وأنصاره من فتحها وإحكام السيطرة عليها، ومن ثمّ إعادة تأسيس الدولة على نهج فكره الديني على أنقاض منهج الحكم التركي المصري الإنجليزي.
وصلت الأخبار للمهدي أن حملةً قوامها 14 ألف جندي من خيرة جنود البحرية والمشاة الإنجليز تناصرهم كتيبة كندية قد تحركت فعلاً نحو الخرطوم لإنقاذ غردون يقودها الجنرال الكفؤ الفذ اللورد/ قارنت وولسيلي Wolsely بمساعدة جنرالات كبار هم هربرت ستيوارت، إ.گ. برنابي، شارلس ويلسون ، وليم إيرل، وهنري براكنبري . وقد علم أيضاً أن الحملة مقسومة لقسمين، قِسماً من الحملة تحرك من كورتي -على إنحناءة النيل في أقصى الشمال- متجهة عن طريق الصحراء نحو المتمة بأرض الجعليين، ليلتقي بخمس سفن أعدها لهم غردون لنقلهم إلى الخرطوم بأسرع ما يمكن حيث كان ينتظرهم وأنفاسه تسابق الزمن بفارغ الصبر. أما القسم الثاني فقد سلك طريق النيل بقيادة الجنرال وليام إيرل ليستولي على بربر، ومن ثمّ يلتقي بطابور الصحراء في المتمة ويذهبا سوياً للخرطوم.
هنا استنفر المهدي الأمير الحاج علي ود سعد، والأمير عبد الله ود سعد، والأمير عبدالماجد خوجلي وأمرهم باستنفار الجعليين خاصة في كل من شندي والمتمة وبربر، كما أمرهم باستنفارأهل الشمال كافة لمقاومة الحملة، وأوكل إلى ود سعد قيادة المقاومة الشعبية وأمر تنظيمها. ولم يكتفى المهدي بالتوجيه وإصدار الأوامر فقط، بل قام على عجلٍ بارسل النور عنقره - وهو من فرسان الجعليين- ليمد قوات أهله في الشمال بالأسلحة النارية لمواجهة الحملة الإستعمارية. وفوق ذلك كله قام المهدي بسحب جزء من جنود كتيبة الراية الخضراء التي تتكون من عرب النيل الأبيض والتي على رأسها قبائل دغيم وكنانة وبني حسين واللحويين والشنخــاب تحت قيادة الفارس الشاب الأمير موسى ود حلو شقيق الأمير على ود حلو الذي ظل في مكانه محاصراً الخرطوم بما تبقى من الكتيبة الخضراء.

وبالفعل نفر الجعليون كافة يعاونهم عرب الحسانية والأحامدة لحشد المقاومة الشعبية وتوجهوا جميعاً نحو آبار أبو طليح لمنع العدو من الشرب منها والتزود من مائها، وكانت المقاومة الشعبية تحت قيادة الأمير الحاج علي ود سعد زعيم الجعليين الذي لحق به في أبو طليح القائد الشاب موسى ود حلو بجزء من جنود الكتيبة الخضراء قادم من الخرطوم، كما لحق به أيضاً الأمير عبد الماجد محمد خوجلي بكتيبة من بربر قوامها 8 الف مجاهد.
وهنا قام القائد العام ود سعد بتنظيم قوات المقاوِمة الشعبية تنظيمـاً جيداً، فجعل نفسه قائداً على كتيبة الخيـالة، وجعل الأميرين محمود العجمي وود دبورة على قيادة كتيبة الهجانة، وجعل الأمير موسي ود حلـو على كتيبة المشاة، وقد تمكن الشاب ود حلو لاحقاً من شق صف الجنود البريطانيين والدخول لوسط المربع القتالي حيث غرز رآية المهدية، وأخذ يصول ويجول بفرسه داخل الصندوق مكبراً ومهللاً ومهاجماً، فسبب ذلك المنظر هلعاً كبيراً لجنود الحملة فأصابه أحدهم بعيار ناري أرداه قتيلاً في وسط المربع.
وقد وُصفت هذه المعركة في التاريخ البريطاني بأنها كانت أكثر معارك المهدي شراسة ودموية وواحدة من أهم المعارك الإستراتيجية في تاريخ السودان، وقد استخدم فيها الإنجليز من فرط هلعهم وخوفهم من الهجوم الضخم المفاجيء الذي رأوه، نيراناً كثيفة حصدت ألف شهيدٍ في خلال نصف ساعة.
وبالرغم من كثافة النيران وتساقط الشهداء بكميات كبيرة وإرواء الأرض بالدماء، تمكن جيش الجعليين ومن معهم من قبائل الشمال وقبائل النيل الأبيض من الإلتحام بالعدو وجهاً لوجه عملاً بمقولة "عينك فيهو تركب فيهو"، فثارت وسطهم عجاجة التحفت بسوادِ دخانِ المدافع الكثيف فحجبت عنهم ضؤ الشمس، وكان في طيات ذلك الظلام يتقاتل الفريقان قتالاً وجودياً بالسلاح الناري والسيوف والسونكي والأيادي فسقط منهم في غضون دقائاق معدودات ألف شهيد من الثوار، وحوالي 368 من جنود العدو، و17 من ضباطه وقادته الكبار على رأسهم الجنرال هربرت إستيوارت، والكولونيل برنابي أهم أركان حرب اللورد ولسيلي قائد الحملة. والجدير بالذكر أن الفارس الذي قتل الجنرال استيوارت هو سعيد ود سعد ود سالم ود إدريس الأرباب الذي قام برثائه إبنه إدريس بقصيدة خالدة هي "قمر العشا الضواي..أبوى اللخصيم كواي" التي تغنى بها الراحل الفنان محمد الأمين عليه الرحمة. أما الجنرال برنابي فقتله الفارس بشير عجب الفيا من كنانة برمحٍ ثاقب.

للأسف قتل الإنجليز جرحى الحرب في جريمة إنسانية تخالف أعراف وأخلاق وقوانين الحروب في كل الأزمنة، فاستشهد بسبب ذلك من أهل الشمال والنيل الأبيض خلق كثير، ومن أهم القيادات التي استشهدت الأمير موسى ود حلو شقيق الأمير علي ود حلو، وعبدالله ود برجوب، وأحمد ود جفون، وإبراهيم عجب الفيا، علي ود بلال، بعشوم أحمد مهلة، إبراهيم ود السلوق وغيرهم.. وقد " أبلـى الجعليـون بلاءاً حسنـاً و أستشهد منهم عدد كبير ثبت منهم بالأسماء:1- بله علي بله 2- أحمد عبد الرازق توم 3- أحمد أبو شنقر 4- محمد أبو شنقر 5- عبد الرحمن معروف 6- عمر أب سوالف 7- الريح الخواض 8- محمد ود الأمير الحاج علي ود سعد 9- موسى أم برير 10- مصطفى الأغبش 11- محمد دفع الله" (راجع مقال ناصر شاهر محمود في قوقل)
وعلى الرغم من تكبد الحملة خسائر فادحة في الأرواح، الا انها واصلت بعناد شديد طريقها الى الخرطوم فوصلتها يوم الأربعاء عصراً، أي بعد يومين من مقتل غردون في يوم الإثنين الموافق 26 يناير 1885، فوجدت المهدي قد تمكن من فرض سيطرته التامة على المدينة، الأمر الذي دفع ولسيلي الى سحب قواته وإعادة حملته لمصر من حيث أتت. ولكن في طريق الإنسحاب والعودة الى مصر، واجهت الحملة معركة أخرى دارت في المتمة وأبو طليح بقيادة فارس الجعليين النورعنقرة، الذي تمكن جنوده من إغراق باخرة من بواخر العدو مما جعل القائد وليسلي يستعجل إخلاء المنطقة فجراً في إتجاه كورتي ومن ثمّ الى مصر عبر النيل والصحراء معاً. ثم واجهت الحملة المنسحبة معركة أخرى أبطالها هذه المرة هم المناصير والرباطاب في مرتفعات بالقرب من النيل تسمى بالكربكان، وقد وقعت المعركة بتاريخ 10 فبراير 1885م وسقط فيها من جنود العدو 60 قتيلاً على رأسهم قائدهم الجنرال وليام ايرل .أما المناصير والرباطاب فقد فقدوا كثيراً من الفرسان أهمهم زعيم الرباطاب الشهير البطل موسى ود أب حجل
هل حققت المعركة أهدافها؟
نعم، حققت معركة ابوطليح أهدافها بنسبة 100% بالرغم من سقوط عدد كبير من المقاتلين شهداء. وقد كانت أهداف المعركة تتلخص في الآتي:
1- منع الحملة من الوصول للخرطوم لفك الحصار وقد تحقق هذا الهدف وهو الهدلف الأساسي.
2- إرسال رسالة عملية للإنجليز والخديوي (حاكم مصر نيابة عن الدولة العثمانية) أن الحملة لو نجحت في فك الحصار وإنقاذ غردون فستظل المقاومة الشعبية شرسة في وجهكم كما علمتم وذقتم ورأيتهم.
3- إستنفار أهل الشمال للمقاومة مرة ثانية لحماية ظهر الكتائب المحاصرة للخرطوم ولمنع العدو من الدخول لبقية أهل السودان وأقاليمه من بوابته الشمالية من غير مقاومة تذكر، هذا وقد كانت مقاومة الشمال الأولى في عام 1821 عندما دفع محمد علي باشا بحيشه الحديث لاستعمار البلاد فهب في وجهه الشمال كافة بما يملك من عتاد ورجال، إلا أن السلاح الناري غلب السيوف والحراب والكثرة والشجاعة.

والحمد لله قد تحققت تلك الأهداف بدقة وثمن باهظ، ولو لا فضل الله تعالى أولاً ومن ثمّ رجال معركة أبو طليح الذين صدقوا في الدفاع عن وطنهم من أهل الشمال وأهل النيل الأبيض لظل الحكم الغردوني حيّا يُتوارث الى ما يشاء الله. فقد أكد كل من كتب في التاريخ السوداني أن معركة أبو طليح قد مكّنت المهدي من فتح الخرطوم في يوم الإثنين الموافق 26 يناير 1885.
ولو حق لنا المقارنة، فسنقول إنّ أبو طليح كانت في الأهمية العسكرية بمثابة معركة بدر الإسلامية من حيث أهميتها لباقي المعارك والأحداث والفتوحات التي تلتها، مع الفارق البديهي في الأجر والرجال والقيادة والهدف والمستوى بين المعركتين. ومع ذلك نقول: لو لا بدر لما فتحت مكة، ولو لا أبو طليح لما فتحت الخرطوم.
ماذا يعني التاريخ للحاضر والمستقبل؟
قال السيد الصادق المهدي -رحمة الله عليه- معلقاً على معركة أبوطليح في احتفال عام: "أشيد بهذه المناسبة المتعلقة بذكرى واقعة أبي طليح (17 يناير 1885م) والتي لا تنال الذكر الذي تستحقه لأهميتها الاستراتيجية ودورها في استقلال السودان الأول. " واردف قائلاً: " القراءة الرائجة لكثير من أدوار أبطالنا التاريخية مقروءة بصورة مسيئة إليهم"، وذكر الناس بدور الجعليين قائلاً: " قاد التصدي في الأول الأمير الشيخ علي ود سعد، في دليل كبير على دور الجعليين المهم في التصدي لحملة الإنقاذ. وكانت أوامر المهدي للشيخ ود سعد: قتل أكبر عدد من جمال الطابور الصحراوي لشل حركة نقلهم وتأخير الطابور وعرقلة دخوله الخرطوم دون الدخول في معارك حاسمة، منعهم أيضاً من احتلال المتمة وبربر"، ودعا سيادته لإعادة كتابة تاريخ السودان بما يحفط حقوق أبطاله ومجاهديه وقال عن أبوطليح: "كانت أبو طليح، مثل شيكان، صانعة مجد تاريخي عظيم". وفي الحقيقة إن أبو طليح كانت من ناحية إستراتيجية أهم من شيكان بمراحل بالرغم من أنها جاءت بعدها. وعليه، يكون تذكيرنا للناس عامة والشباب خاصة بهذه المعارك التاريخية له عدة أهداف هي:
- أولاً، إنصاف الرجال والقبائل والمناطق التي قاومت المستعمر في تلك المعركة، فلا يجوز التنكر لهم ولا نسيان فضلهم وهم السابقون الأولون، والحقيقة التاريخية تقول قد كان لهم نصيب الأسد في المقاومة الوطنية منذ عام 1821. ولهذا نقف لهم اجلالاً واحتراماً لبذلهم أرواحهم ودماءهم رخيصة من أجل حماية البلاد، ولولا تضحياتهم لكان الطريق سالكاً أمام حملة الانقاذ، ولتغير التأريخ وشكل إلى الأبد
- إن تاريخنا عموماً مليء بالبطولات العظيمة في شماله وشرقه ووسطه وغربه وجنوبه قديماً وحديثاً وعلينا إعادة تدوينه وتحليله ومن ثمّ تدريسه للأجيال جيل بعد جيل.
- ثانياً، إرسال رسالة لمن هو طامع فينا - إن كان قريباً أو بعيداً - أن تعقّل، فهذا الشبل من ذاك الأسد.
- ثالثاً، أن الأديان والأوطان تفدى بأغلي الأثمان، وإنّ الدين والوطن هما أغلى ما نملك.
- رابعاً، إنّ المحرك الأساسي للقتال بعنف والثبات الأسطوري هو مفهوم الجهاد بمعناه الديني لا غيره. فالأوطان هي حاضنة ذلك المفهوم، وذلك المفهوم هو حامي حمى الأوطان.
- خامساً، فليحرس كل قوم ثغرهم ويستميتوا فيه حتى لا يدخل العدو لوطنهم وإخوانهم من جهتهم.
- سادساً، تماسك الجبهة الداخلية يهزم أي عدو وأي سلاح وأي مؤامرة وأي تكتيك وهو أقصر الطرق للحفاظ على الأوطان وما فيها ومن فيها.
- يتكون الوطن من قبائل وأجناس والوان والسن ومناطق وأرزاق ومفاهيم مختلفة بارادة الله وحده كآية من آياته في الكون، ولن يستطيع أحد تغير لونه ولا قبيلته ولا لسانه ولا جنسه. ولذلك فليفخر الجميع بربهم الذي خلقهم إخواناً في أحسن تقويم، إنه نعم الرب ونعم الخالق المبدع المصور وليهتف الجميع: "رب واحد ووطن واحد".

 

آراء