من باريس: “العالم يتعَرّف علينا من جديد” .. رَصْد/ الصادق أحمد عبيدة

 


 

 

0- كلمةٌ قصيرة لوصف فعاليةٍ كبيرة المعاني، بعيدة المدى ، وعميقة الأثر ، إحتفاءاً بالإبداع السوداني في شخص الكاتب والباحث الشاب فارِه الطول، واسع الفكر، و بعيد البصر، الأستاذ إيهاب عدلان بمناسبة تقديم كتابه الفكري (الهُوَميثُولُوجِيا: جدل الهوية والأسطورة).
الزمان أمسية السبت 13 أغسطس 2022 الماضي.
المكان له دلالات خاصة ، ورمزية خاصة. وهو إحدى صالات فندق حِياة ريجنسي Hyatt Regency بقصر المؤتمرات Palais des Congrès وسط العاصمة الفرنسية باريس، مدينة الفن و الثقافة والأدب، ومهد الإبداع الإنساني، وكعبة المثقفين.

1- وعندما تصبح باريس مسرحاً للفعاليات الثقافية السودانية، وعندما يحتفي الجمهور العربي والفرنسي بما ينتجه المبدعون السودانيون، وعندما تحتوي البرامج الثقافية في فرنسا، و تتزين موائد الأدب بما لذ وطاب من الإبداعات السودانية، شعراً، ونثراً، ورسماً، ولحناً، وسينما، و مسرح، فاننا إذن قد عَبَرنا ، ووصلنا الى حيث يجب أن نكون، و يكون العالم قد "تعَرّف علينا من جديد".

أ- عَبَر الشعب السوداني عشية غنّى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ألحان الفنان محمد وردي، وردد روائع الفيتوري ، وكلمات صلاح أحمد ابراهيم، وإقتبس كلمات الطيب صالح في خطابه تحت أقدام برج إيڤل العظيم في شهر مايو 2021 ورجّع صدى ذلك الطيرُ المهاجر من غصنٍ لغصنِ على حافتي نهر السين الطروب. وقد كتبتُ منشوراً يومها عن ذاك الحدث عنوانه ( شكراً ماكرون) على قِرار (شكراً حمدوك) .

ب- عَبَرنا عندما ضجّت صالات السينما في العام 2019 ، وهرع الفرنسيون هرولةً لمشاهدة الفيلم السوداني الوثائقي (الحديث عن الأشجار) للمخرج صهيب عبد الباري، تلاه فيلم " ستموت في العشرين" للمخرج أمجد ابو العلا.

ت- عَبَرنا عندما أصبحت باريس دوحةً يستظل تحتها الفرنسيون وهم يقرأون روايات "مسيح دارفور"، و"الجنقو مسامير الأرض" لعبد العزيز بركة ساكن، ترجمة البروفيسور كسافيه لوفان ، وروايات "الغرق" للكاتب حمور زيادة ترجمة مارتشيلا روبينيو ، وغيرها من الأعمال السودانية المترجمة للفرنسية كأعمال الكاتب أمير تاج السر، ومنصور الصويم.
ث- عبرنا عندما نظم المعهد الوطني للغات و الحضارات الشرقية بباريس مائدة مستديرة في مارس2022 عن " السودان ما بين العروبة والأفريقانية"، إستضاف فيها كل من الكاتب عبد العزيز بركة ساكن، و حمور زيادة، أحمد الملك واستيلا قايتانو.

ج- عَبَرنا عندما إفتتح متحف اللوڤر العريق موسمه لهذا العام 2022 بأكبر معرض عن الحضارة الكوشية، مسلِطا الضوء على ما غيبته عمداً أو سهواً الأقلام ذات الأغراض الرخيصة. فقد أزاح (فينسنت روندو) التراب، وكشف للناس أسرار الأسرة الفرعونية الكوشية الخامسة والعشرين التي حكمت في القرن الثامن قبل الميلادي كل من مصر والسودان وتمدد نفوذ ملوكها العظام أمثال بعانخي وتهراقا لأكثر من خمسين عام..

ح- عبرنا عندما عبرّت اللجنة التنفيذية لإتحاد الصحفيين والكتاب العرب بأوربا عن سعادتها وتشرّفت بإنضمام الصحفي والناشط السوداني محمد الأسباط وإعتبرته مكسباً كبيراً للجنتها الثقافية بما يمثله من إضافة حقيقية و إنفتاح. وقد قام الإتحاد بتكريمه كأول صحفي يُمنح وسام شيرين أبوعاقلة للإعلام الوطني والقومي.

2- وكواحدة من فقراته الثقافية المتعددة لهذا الموسم نظم إتحاد الصحفيين والكتاب العرب بأوربا، ومركز ذُرا للدارسات والأبحاث، ومؤسسة كل العرب ندوة ثقافية كبيرة استضيف فيها الكاتب والباحث السوداني المقيم بالولايات المتحدة الأستاذ إيهاب عدلان لمناقشة كتابه الفكري بعنوان: (الهُوَميثُولُوجِيا : جدل الهوية والأسطورة)، الصادر عن دار ويلوز للنشر بجنوب السودان.

إفتتح الأمسية الأستاذ علي المرعبي مدير مؤسسة كل العرب الإعلامية مرحباً بالحضور من السودانيين واليمنيين وغيرهم من الجمهور العربي، شارحاً نشاطات الأتحاد والمؤسسة الثقافية والإعلامية.

كما قام الصحفي السوداني وعضو اللجنة الثقافية لإتحاد الصحفيين والكتاب العرب الأستاذ محمد الأسباط بالتقديم للمحاضرة وألقى الضوء على تعقيدات مسألة الهوية في السودان منذ أقدم العصور في مملكة عَلَوة، ومملكة المَغَرّة، و مملكة الفونج، وصولاً إلى الدولة الحديثة، شارحاً بأن هذا الصراع حول الهُوية قد كلّف السودانيين عبر كل هذه الحِقَب دماءاً وأرواحاً كثيرة.
وذكر الأسباط أن مسألة الهوية في السودان كانت تتمحور، عبر القرون، حول ثلاثة مدارات رئيسية:
مدار ديني يبحث في السؤال المحوري هل الدولة إسلامية أم مسيحية؟
ثم المدار الأفريقي ، والمدار العروبي. ثم تبلورت في العقود الأخيرة تيارات الأفريقانية والعروبيوية وظهر تأثيرها في الأدب السوداني بظهور مدرسة (الغابة والصحراء) وصولاً الى طرح الهوية التي تنأى بالسودان عن الإنتماءات الافريقية والعربية وتضعه في إطار خاص به يميزه عن غيره وهو "السودانوية".
ويشدد الأسباط في مداخلته على أن كل هذه الإجتهادات في مسألة الهوية أدت إلى كثير من الصراعات تجَلّت في إنفصال الجنوب، و حرب دار فور، وعمّقت الجراح في كل من النيل الأبيض وجبال النوبة، مشيراً إلى أن "الجرح ما زال مفتوحاً الى اليوم".
ثم أشاد الأسباط بجهود الباحث الشاب إيهاب عدلان، الذي نهج نهجاً جديداً ومغايراً في تناول الهوية إعتماداً على الأسطورة. وتوقف عند جرأته في نسف كثير من النظريات والإجتهادات السابقة في البحث عن الهوية، مذكراً بأنه إجتَرَح مصطلحاً جديداً يميزه عن سابقيه يجمع ما بين الهوية والأسطورة مَهَر بهمنجزه الفكري وهو ( الهوميثولوجيا) .

3- إلتقط عدلان القفاز من الأسباط، وشكر المنظمين والحضور، وربط منذ بداية حديثه بين سؤال الهوية وسؤال مَن نكون؟ وأشار الى أن تعريف الإنسان لنفسه ليس بالضرورة أن يكون الإنسان هو حقيقته، بل يمكن أن يكون الإنسان هو مجرد وهمه عن نفسه، ويصدق ذلك الوهم، فيصبح الوهم حقيقة بتحريض من التاريخ.
ثم عكف على شرح عنوان الكتاب ( الهوميثولوجيا) وذكر ان المصطلح يعني باختصار المُتخيَل أو الهوية المتخيلة سواء كان متخيلاً دينياً كالهوية العبرية، أو الهوية الإسلامية. أو متخيلا عرقياً كالهوية اليهودية بمعنى العبريين أو بني إسرائيل .
أو متخيلا حضارياً كإنتماء المصريين لحضارة وادي النيل كحضارة خاصة .
ثم تحدث عن ما اسماه مُحددات الهوية كاللغة المشتركة ، والذاكرة المشتركة ، ووحدة المصير أيضاً كمحدد هوياتي، والدين المشترك، وتماثل الخصائص الجينية ، ليصل في النهاية الى أن ثمة محدد للهوية لم يسبق للباحثين التحدث عنه، و قد تم إسقاطه و هو (الأسطورة). وتحدث عن كيفية أن تصبح الأسطورة محددا للهوية ؟ كيف يمكن لها أن تشكل هوية، ويمكن لها أن تسيطر وتصبح حقيقة واقعية؟ بمعنى انه كيف للعامل الأسطوري ان يصبح حقيقة واقعية ؟
وذكر أن هذا ما يخصنا كسودانيين في تساؤلنا المُلِح : هل نحن عرب أم أفارقة ؟ ويقول نحن لسنا في حاجة للإنتماء لقارة ، فالمصري أو التونسي يمكنه القول بأنه إفريقي. ويمكن للسوداني ان ينتمي للعرب وهذا لايعني التماثل في الخصائص الجينية ، ولكنه يفسر ذلك قائلًا بأن الدين يلزم بالإنتماء لهويةٍ ما،حتى ولو كانت هذه الهوية لا تشبه الشخص. وذكر أن الإنتماء للعرب ليس لأن الشخص منتسب جينياً للعرب ، ولكن لأن الدين يعطي العرب إمتياز ، إذن الشخص المنتمي يريد أن يكون له ذاك الإمتياز . وذكّر بأن في السودان كل ما تحدث المرء اللغة العربية، أو كان لونه مائل للبياض، كلما كان أقرب لإفتراضه العربي ، مؤكداً أن هذه مجرد اسطورة ..اسطورة ان العرق الأبيض يكون أفضل..
وفي نهاية الأمسية قام الإتحاد بتكريم السيد عدلان، الذي وقع نسخاً من كتابه للقراء.

ختاما نذِّكر بأن السودان قد شهِد في بواكير النظام البائد ، قبل ثلاثين عاماً، ألواناً من التكبر والإفتراءحينما كان يردد الرائد آنئذٍ يونس محمود مقولته المشهورة ( قد أتى على السودانِ حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئا مذكورا ) دلالة على ان ثورة الإنقاذ جاءت وأخرجت الناس من الظلمات الى النور. ولكنا شاهدنا بدلا عن ذلك ظلاماً ودماراً وجهلاً وعتمة، عاشها السودانُ معزولاً، منبوذاً، محاصراً ، مدحورا.. و هاهو العالم اليوم "يتعرف علينا من جديد".

elsadiq007@gmail.com
////////////////////////

 

آراء