موسم الهجرة إلى الجنوب .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة

 

الطيور الأوروبية تهاجر نهاية المواسم الخريفية جنوباً تنشد دفء السهول والمراعي الأفريقية قبل وقوع الجليد. تنشد ملجأً آمناً مسافرة مغادرة موطنها خماصاً ثم تعود إليه بطاناً نهاية الشتاء عندما تتنسم بحسها العفوي نفحات موسم الربيع الحاني الأوروبي الجميل. نرقبها كل عام …… نحلق معها فى السماء البعيدة بأعيننا وقلوبنا وأحاسيسنا ونحن على الأرض فتشدنا معها حنيناً ورغبة جامحة إلى زيارة الوطن عند كل شتاء، لنشم ترابه، لنشرب ماءه، ونعانق سمر الوجوه النيرة فهي أعتبرها نعمة الوجود الإنساني الطيب الرحيم الباقية على هذه البسيطة…… .وفى الشتاء كم وكم لنا من ذكريات زرع خلاله غرسها الطيب…. نشأت فيه وترعرعت منذ الطفولة الباكرة ….. فنمت وكبرت ولا تزال تثمر أشجارها التى تم الحنو و الرفق بها فى أيام من الجمال والألق الروحى الروحاني الذى كان متاحاً فى كل من البوادي والحضر، إنه رونقاً جميلاً من نمط الحياة ربما يندر وجود مثله فى زمننا هذا.

الأوربيون فى كل عام يتهافتون منذ نهاية الخريف وحتى الأسبوع القبل الأخير من ديسمبر إلى الأسواق يشترون ويشترون إستعداداً لإستقبال إحتفالات الكريسماس وعيد رأس السنة الجديدة. ونحن فى هذه البلاد مثل الطيور المهاجرة لكن كالنعام التى لا تمكنها أجنحتها من الطيران كما يحلوا لها ، لذلك يكون همنا الأكبر إيجاد أرخص وسيلة من ناقلات الجو لكي نكسبها أياماً جميلة وإن كانت قصيرة مع الأهل ورفاق دروب الذاكرة المعتقة بتراكم الأعوام هروباً من هول الصقيع وكآبة الشتاء دامس الظلام وكآبة هدوء موسم الكريسماس قاتل الأحاسيس في كل عام.

فصل الشتاء من كل عام تتيح لي لياليه الطوال التنقل فى حدائق وردية الأزهار غلبى أشجارها بفاكهة الدنيا والآخرة. ومن ضمن تلك السياحة فقد عشت هذه الليلة من هذا الشهر نوفمبر 2018 لحظة من ذكر ليلة لا أنساها فى شتاء عام 1971. السبب إستماعي تسجيل إنشاد قصيدة تتبع أدناه. كانت حينها الخرطوم صغيرة وادعة كوداعة الطفل الرضيع وحانية كحنو الأم الرؤم…… طقسها جميل ولياليها جميلة وناسها الأجمل فى زيهم وأخلاقهم وكرمهم والحياة عموماً شابة “حلوة والجمال خلاب” (أغنية الثنائي الكردفاني تلك الأيام)…… والحدائق تتعطر بعبق ورد الروز والفل والياسمين …… والنيل يرقص طرباً على نغمات موسيقى تأتيه شاردة من مهد رافعاً الأكف ينتظر رحمة السماء …… فعشت عبق نفحات روحانية أعادت لي ذكرى ليلة غير اعتيادية جمعت أسرتنا المكونة من شقيقي الشيخ مجذوب عبدالمحمود حفظه الله و أخوالي الإثنين الحسين الطاهر الربيع ومحمد محمد الربيع وكذلك الحاج هاشم فضل السيد المعروف بقرجاج تاجراً كان فى سوق السجانة عليهم رحمة الله وكان ذلك بمنزل الشيخ ورجل الأعمال المرحوم نورالدايم عمر فى الشجرة الحماداب ونفر طيب من جيرة وعشيرة صافية القلوب. كانوا يجتمعون من وقت لآخر حباً فى الله وحباً فى مدح رسوله عليه أفضل الصلوات والتسليم. أخوالي الإثنين كانا من موظفي الطبقة الوسطى وكانا يتميزان بصوتيهما الجميلين ملحنين منشدين المدائح والقصيد أو مرتلين القرآن. لقد أنشدا وأبدعا فى تلك الليلة من قصائد سلطان العاشقين إبن الفارض والشيخ المجذوب وكانتا مسك الختام قصيدتين الأولى: ولما أتينا ينبعاً وبدت لنا ربوع بها ظل السرور مديد /نزلنا بها خيف المبارك فى هنا وأنس كما نختاره ونريد……… والقصيدة الأخيرة كانت قصيدة التوسل لشيخ الإسلام قاضي القضاة التونسي إبراهيم الرياحي المالكي التيجاني التي يقول فيها:
وعدت الذي يدعو وها أنا سيدي
دعوتك مضطراً وأنت سميع
وحققت يأسي من سواك لفقره
وجئتك محتاجاً فكيف أضيع
وناديت والآمال فيك قوية
وقلبي من ضرب الذنوب وجيع
وفى عملي سقم وعلمي شهوة
وفى الصدر روع للحساب مروع
أتطردني عن باب فضلك سيدي
وروضك للعافي الفقير مريع
وكيف يرى ظني لديك مخيبا
وعندي على طردي إليك رجوع
وهل لي من مولى سواك أرومه
تعاليت وصلي من سواك قطيع
وأي نوال غير فضلك يرتجى
وأي حمى إلا حماك منيع
لإن حجبتني عن نوالك ذلة
تلظت لها مني حشى وضلوع
وأخلدني منها إلى الأرض شهوة
وقهقرني وجد بها وولوع
فما بي حول ولا بي حيلة
سوى أنني نحو الدعاء سريع
بإذنك توفيقي وفضلك واسع
إذا لم توفقني فكيف آطيع
أسوف بالإقلاع قلباً مقلباً
وعالم حلم منك فيك طموع
وقد صدني عن ذاك قلب مغفل
له كل يوم فى هواه وقوع
عسى أثر العصيان بالذنب ينمحي
والله فى أهل الرجاء صنيع
فكم سعة وافت على حين شدة
وقد يرتجى بعد الغروب طلوع

عزيزي القاريء الكريم بمناسبة قدوم الشتاء على الوطن السودان وتوقع خيراته أهديك هذه القصيدة لما فيها من معاني قيمة من توسل وزهد وتجرد وخوف من غضب جبار السموات والإنسان ( نحن) هو الذى يفسد الأرض ويسفك الدماء فأين المفر من يوم يشيب له الولدان شيبا؟ و ها أنا أقول “أي نوال غير فضلك يرتجى يا الله؟”…… بل عليَّ وعليك عزيزي القاريء الإمساك بشدة بحبل التوسل والدعاء – يا الله ياربنا إننا نحن عبيدك الضعفاء الفقراء كل رجاؤنا فى واسع فضلك فوفقنا إلى سبيل طاعتك ومرضاتك حتى نلقاك وأنت راحمنا راض عنا واغفر ذنوبنا وذنوب كل أهلنا وذوينا بل كل المسلمين وبسعتك الواسعة أكرمنا دنيا وأخرى ولا تمحنا ولا تمتحنا وأدخلنا جناتك بفضلك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. رحم الله جميعاً المذكورين أعلاه وجزى الله أخانا المبارك الشيخ مجذوب على محبته لأهل الإنشاد فى العشق الإلهي صادقاً هو فى طاعته لله وحبه لرسوله عليه أفضل الصلوات والتسليم وجزاه الله عنا أحسن الجزاء وهو دائماً الذي يجمعنا بأهل الخير والربع الطيب الصالح
فى مثل هذا الشهر وتلك الليلة الليلاء كنا طلاب علم شباباً حضوراً ننهل من علم كبارنا لذلك تظل ذكراها وذكرى وجوه كل الحضور محفورة فى الذاكرة كأنها شريط سينمائي . أيام لها إيقاع فى النفوس ليتها تعود أو مثلها يتجدد ويتعدد… أما حفل العشاء وما طاب من أنواع الأكل و فواكه خيرات الأرض وكرم حاج نور الدائم فحدث ولا حرج وهو الذى كان ينحر فى كل ليلة مثلها الخراف بسخاء وإبتسامة صادقة من القلب لا تفارق محياه الصبوح ، للوحة من الكرم والعطاء الحاتمي النادر! جيل عظيم وزمن رخاء أعتقد أنه ربما لا يتكرر. والآن حانت هجرة الطيور إلى الجنوب ونحن على دربها قريباً إلى الجنوب لطائرون، وقد يرتجى بعد الغروب طلوع
عبدالمنعم
الأول من نوفمبر ٢٠١٨
drabdelmoneim @yahoo.com

 

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …

اترك تعليقاً