التماس إلى الإمام

 


 

عمر العمر
27 August, 2020

 


انطلاقا من محبة لا تشوبها غير المعزة شائبة ودَ عديدون لو يصدق الصادق المهدي وعده بالانسحاب من المعترك السياسي. هؤلاء لا يريدون منه هجر السياسة لكنهم يرغبون في ترفعه عن حلبة الصراع اليومي. هم لا يريدونه زعيما لحزب الأمة فقط بل يرون فيه مشروع زعيم محتمل لكل الأمة. كذلك لا يريدونه زعيما للأنصار وحدهم بل زعيما للشعب قاطبة. الآن وقد تجاوز الصادق عتبة الثمانين أفنى جلها في السياسة و"من يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم" وفق شاعر العرب الحكيم زهير بن أبي سلمى. بما أنه خاض غمار السياسة باللسان ، المال والسلاح وبالدم ،فهم يودون له خاتمة قومية جليلة تليق بمقامه الرفيع النبيل.

*** *** ***
المسألة ليست تقاعداً عن الجهد السياسي بل نأياً عن حلبة العراك إذ يتعرض المتصارعون عليها للرشق بالإتهامات و العبارات غير المنضبطة بالأدب احايين وتحوير الكلام عن موضعه أحيانا. أكثر من ذلك تفرض شروط الحلبة غير المكتوبة منازلة آخرين من أوزان أدنى من أوزان التنافس. من كل ذلك لدى الإمام أنصبة تغني عن محاولات البقاء على تلك الحلبة بينما لديه مقومات الإطلال من شرفات أرفع، أعلى وأغنى.

*** *** ***
الرهان عليه حجة ودليلا نابعٌ من التأسي بإرث الأسرة النبيل. بغض النظر عن تباين الرؤى في مهدوية الجد المجاهد فلا متسع للجدل في شأن عبقريته الوطنية المتفردة في استنفار أبناء الوطن من كل فج عميق ضد الغزاة البرابرة .ثم عبقريته الإسثنائية في تنظيم جيش قوامه "دراويش" حقق به إنتصارات متتالية حاسمة في حرب غير متكافئة العدة والعتاد مع جيش منظم حديث. بما ان المهدي شخصية ملهمة فما أجدربالصادق غير التمثل به. إحدى تجليات عبقرية المهدي تتمظهر في كسبه المعنوي وإفتنان الشعب به عبر البلد وسطا ، شمالا وشرقا على وقع مكاسبه على الأرض في الغرب. تلك مهارات فن إدارة الصراع عن بعد.

*** *** ***
على المنوال نفسه والبراعة ذاتها نسج السيد عبد الرحمن أقصوصة قيادة وطنية جديرة بالتأمل والمحاكاة. بعيدا عن مسرح السياسة المكشوف أدار صراعا حاسما مع المستعمرين. تعددت مرتكزات جهده لكنها تلاقت حول محور إستنفار الطاقات الجماعية. وحدة بيت المهدي متكؤه الأول. زعماء العشائر عامود مظلته الأولى .لما أدرك برؤيته الثاقبة بدء تشكل طبقة إجتماعية جديدة قوامها الأفندية سارع إلى تمديد جسور التواصل معهم. في ذلك لم يحبس جهده داخل وسط أبناء الأنصار بل التقطت رافعته كل من رأى فيه وميضا .أكثر من ذلك ثابر بنفسه لجهة اجتذاب من راهن – وهو محق- على قدراته . من أؤلئك ابراهيم أحمد محمد صالح الشنقيطي وعبد الحمن علي طه.
بعض من أولئك المثقفين منحهم الإمام مكانة أرفع من إبنه الصديق تقديرا لقدراتهم وبذلهم .للسيد عبد الرحمن مآثر في مساندة الطلاب ،دعم مؤسسات التعليم ومنظمات المجتمع المدني ونشر الوعي عبر الصحافة.. حكايته مع الشيوعيين وضيوفهم السوفيات تجسد روحا وطنية مستنيرة . جهد عبد الحمن المهدي لم يقتصر على وحدة حزبه بل له مساهمات في الإصطفاف الوطني . تلك مساهمات طالت حتى الجنوبين .

*** *** ***
هو النسيج نفسه في سيرة ابنه الصديق المتبلور في صورته الصلبة في مواجهة نظام عبود العسكري إذ كانت داره مطبخ العمل الوطن الجامع لكل الطيف السياسي ومركز العمل المعارض. لكن حصافته تجلت قبل ذلك في تمسكه بالإتلاف مع الحزب الوطني الإتحادي مع منح الأزهري رئاسة الحكومة في سبيل تعجيل الدستور. هذه رؤية معاكسة تماما لقناعة عبدالله خليل رئيس الوزراء وقتئذٍ. تحت بوابة هذا الشقاق عبرنا إلى النظام العسكري الأول. للصديق الذي توفي على عتبة الخمسين من العمر ثمانية من الأبناء الذكور نصيبنا السياسي منهم الصادق وحده .

*** *** ***
عشية ثورة أكتوبر احتفظ الصادق لبيت المهدي بمركزيته في العمل السياسي. كما جده الكبير برز الصادق في عقده الرابع شخصية محورية على مسرح العمل الوطني متأبطا رؤئ حديثة و مصطلحات جديدة فأثرى قاموسنا السياسي.
كأنما دفعه فيض طموحه إلى كسر تابو الأباء السابقين بالصعود إلى حلبة الصراع اليومي . بغض النظر عن أرباحه أو خسائره يرى البعض أنه آن للإمام أن يترجل عن الحلبة نأيا بنفسه عن ضجيج العراك ولمصلحة الحزب ومستقبله. الحزب أحوج ما يكون لأعادة البناء. أمام االإمام فرصة تأهيل قيادة جماعية مقتدرة وخليفة ينصت له الآخرون. للإمام ما يؤهله مرجعية قومية يُحتَكم إليه فيفتي، يقول فيُسمع ، يقضي فيُنفذ، يجمع فيُمتثل إليه. له حاسة نافذة في الإستشعار والإستبصار تعين على تفادي المنزلقات .

aloomar@gmail.com

 

آراء