الطريق إلى الحل .. بقلم: عبد الجبار محمود دوسة


الحقائق والتجارب البشرية تؤكّد بأن المؤسسات العسكرية لم تؤسس لممارسة السياسة والحكم، هذه حقيقة لا بد أن الجميع يعلمها بما فيها العسكريون، فاستخدام المؤسسة العسكرية إذن وممارستها للسياسة والحكم بوسائلها المحكومة بالضبط والربط والتراتبية ومنهج الأمر وإطاعة الأمر والتنفيذ، والمصممة مهنياً لعمل المؤسسة العسكرية في إدارة المعارك الحربية، يتنافر مع السياسة، حيث يفسد أيٍ منهما عمل الآخر، فلا تصبح المؤسسة العسكرية ناجحة لأن قادتها سيديرونها حينئذٍ بالوسائل السياسية التي حوّرتهم فيسقط مبدأ الضبط والربط فيها، كما لا يصبح هناك حكم ناجح لأن ممارسته عبر المؤسسة العسكرية سيفسده حيث يسقط مبدأ ومنهج الرأي والرأي الآخر فتسقط السياسة.
هذا لا يقدح في حق العسكريين كأفراد في ممارسة السياسة والحكم إن رغبوا، ولكن بشرط تخلّيهم عن العمل في المؤسسة العسكرية وانخراطهم في العمل السياسي وفق ضوابط وشروط التعددية السياسية والتبادل السلمي للسلطة ضمن النظام الديموقراطي، هذا ببساطة أيضاً لضمان تكافؤ فرص المنافسة، لأن أي فرد من الأربعين مليون سوداني إذا وُضِع على رأس المؤسسة العسكرية، يمكنه أن يستخدم قوّتها ويُسيطر على مؤسسات الدولة ويذيع البيانات ويطلق التصريحات كيفما اتفق، مثل هذا العمل لا يعبّر عن فلاحة أو شهامة أو شجاعة، لا من منظور الشعب ولا من منظور الأمم الأخرى.
من ناحية أخرى ولضمان نجاح العائد من ممارسة السياسة والحكم، لا بد من وجود تعددية سياسية (أحزاب)، وفي حضرة الرأي والرأي الآخر، وهنا يغرق الكثيرون فيما يطلقون عليها خلافات الأحزاب والسياسيين ويخلطون بينها كضرورة يجب أن تتواجد وبين فشلهم في الأداء. الاختلاف في الرأي والرؤى مُقتضيات أساسية من متطلبات الممارسة نفسها، أي أن يختلف السياسيون وتتباين الأحزاب في رؤاها للقضايا ومداخل الحلول لها. أما الفشل فهو ناتج العمل الذي يمارسونه، لا بد من الانتباه والنأي عن الخلط بينهما لضمان التوصيف الأدق للمعضلات ومن ثم حلّها. ومن باب أولى أن نعمل على وقف الحملات التي تشيطن الأحزاب والسياسيين عند منتجيها فلا ننشرها، لأن أهدافها واضحة.
نتذكّر محطة شراكة الوثيقة الدستورية التي دخل المجتمع الإقليمي والدولي مسهّلاً وشاهداً فيها، وبدأت حكومة الشراكة عملها محكومة بالمهام الواردة في إعلان الحرية والتغيير ضمن إطار شعار الثورة “حرية سلام وعدالة”، لكن أحد الشركاء وهم قادة المؤسسة العسكرية، وعندما حان موعد الإيفاء بالتزام الشراكة بتسليم السلطة للطرف الآخر، ضاقوا ذرعاً بنهج العمل السياسي والتزاماته، الذي هو نهج ومناخ اقتضته أساسيات العمل السياسي، فاختلقوا الأسباب واستخدموا وسائل المؤسسة العسكرية وفي مقدّمتها القوة، وانقلبوا على الشراكة وعطّلوها، لأنهم ببساطة يريدون ممارسة نهج تلك المؤسسة المتمثّلة في الأمر والطاعة والتنفيذ المصمم لإدارة المعارك الحربية، في مسرح السياسة والحكم.
تقلّصت الشراكة إلى أدنى مستوياتها باحتضان الدكتور حمدوك وحيداً وتوقيع اتفاق الحادي والعشرين من نوفمبر المستند على قرارات قائد المؤسسة العسكرية. أي حديث عن أن هناك أناس عملوا على إعداد الاتفاق مع حمدوك ثم انسحبوا عند لحظة التوقيع أو عندما رفضه الشارع، حديث لا يقوى على مقارعة الرفض وحقائق النتائج. الشارع كان رافضاً للشراكة الأولى في أغسطس 2019م، والتي تمّت في وضح النهار وشهدها العالم أجمع، لكنه صبر على علّاتها لعل وعسى أن يتجاوز مرحلة الانتقال بأقل الخسائر، ذلك الرفض لم يكن كرهاً في المؤسسة العسكرية أو العسكريين، وإنما كان ضد إقحام المؤسسة العسكرية في السياسة والحكم. إذن الافتراض بأنه سيقبل الاتفاق الذي تم اعداده في الخفاء وتم توقيعه في العلن، افتراض فطير، سواء اختزن في مخيلة أولئك الذين اختفوا، أو في مخيلة الدكتور حمدوك، لأن أول ما بدأ به الانقلاب وإن سمّوه تصحيحاً، هو تمزيق المبدأ الذي يحكم تعديل الشراكة أو حتى فضّها، ثم إزالته لأحد أضلاع مثلث شعار الثورة الذي يؤطّر مهام الفترة الانتقالية (الحرية)، عندما بدأ باعتقال عدد من قادة القوى السياسية والنشطاء وحبسهم بلا سبب، ثم قتل وجرح أعداد من أفراد الشعب عندما عَبّروا في مسيراتهم السلمية رافضين الانقلاب والاتفاق. فهو إذن حري للإدراك الاستباقي أن من فعل ذلك مع شراكة جماعية مشهودة، لا يتوانى من أن يفعله مع شراكة منفردة. كل هذا يجسّد حقيقة أن من استولى على السلطة بالقوة ليمارسها أحادياً، لن يعمل على تسليمها لممارستها جماعياً، هكذا علّمتنا التجارب الإنسانية على مر العصور. وبالتالي لن نخوِّن أحداً في هذا الفعل ولا نملك حصرية الحق، لكننا نقول إنه كان تقديراً خاطئاً ويستوجب العودة عنه.
على مدى شهرين، ظل ملايين الشعب يخرجون في مسيرات سلمية رافضين بقوة للاتفاق، لأنهم يُدركون إلى ماذا سيقود، ليس عِلماً بالغيب، ولكن بناءً على تجارب سابقة، وعوامل، ومؤشّرات الأقوال والأفعال. الواقع الآن يشير إلى أن الدكتور حمدوك أمام معضلة أكبر مما كان يعتقد بأنه يعمل في ظلّها تحت شراكة الوثيقة الدستورية التي كانت تتيح له على سبيل المثال تشكيل الحكومة بالتوافق ولو بعد عَناء مع قوى الحرية والتغيير، إلى الحالة التي هو فيها الآن من عجز على تشكيل الحكومة، حيث تحول الوفاق على ما يبدو إلى أمر وتنفيذ يقتضي القبول أو الاستقالة. معالجة استقامة الصورة في هذا المشهد المضطرب والضبابي ليس مسئولية د. حمدوك لوحده وإن أخطأ التقدير، فالجميع لهم نصيب من أخطاء السنتين الماضيتين، والحقيقة تقول إن من لا يعمل لا يخطئ. وسيبرز السؤال، ما العمل لإخراج البلاد من هذا المأزق؟
المثل الشعبي يقول “التور كن وقع تكتر سكاكينو”، والسودان الوطن الآن يعيش حالة مشابهة، كثرت سكاكينه من الداخل والخارج، وهو حال لا شك أنه محزن ومخزي يضع الجميع على صفيح ساخن ومن هنا فهو يقتضي التفاعل العاجل والحيوي. الأمر المثالي هنا هو أن يستشعر الجميع مسئولياتهم تجاه الوطن، وأن يقدم الجميع التنازلات للوصول إلى حلول سهلة وسريعة، ولكن هذا ليس إلا في مخيلة أصحاب المدينة الفاضلة، فالواقع مشوّه ببثور سياسية وجرائم وفساد وأطماع ذاتية وانتهازية تتقاطع جميعها، وهناك مصالح إقليمية ودولية تمسك بالعديد من الخيوط التي تنسج وتشارك في إدارة هذا الواقع المرير. إذن، نحن في حاجة إلى العمل بمقولة “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”، فمن هم أهل القدر هنا؟ هذا يقودنا إلى الحديث عن مفردة التغيير. وفقاً للقواعد العلمية، فالثورة التي لم تكتمل، غيّرت فقط بعض قيادات النظام السابق لكن تعثّر تغييرهم بالكامل، ولأن النهايات لم تكتمل لما سبق، فقد تعثّرت مرحلة الانتقال التي ينبغي أن يتم فيها الكثير لتنقلنا لتجسيد التغيير الكامل، وبالتالي لم نبدأ بعد فيما يلي.
للبداية الصحيحة، يجب أن نستعيد من الذاكرة أن عروة الثورة كانت هي الالتفاف حول إعلان الحرية والتغيير والثبات عليه، وأن عناصر ذلك الالتفاف تمثّلت في تجمّع المهنيين والكُتل التي تضمّنت (القوى السياسية الحزبية والجبهة الثورية ومنظمات المجتمع المدني)، ولجان المقاومة في الأحياء، والقوى السياسية الأخرى خارج الكُتل. كلّها مجتمعة مضت حتى أنجزت الوثيقة الدستورية وما بعدها من خطوات مستندين على الحد الأدنى من التوافق. لا أريد أن أسرد الإخفاقات التي صاحبت هذه المسيرة، فالجميع يعلمها ومِن ثم فإن معالجتها لا بد أن تتم متى تمت الخطوة الأساسية وهي الخروج من مأزق الانقلاب وافرازاته.
لقد رفع ذلك التحالف العريض شعار “تسقط بس” وثبت عليه وكان هو الحد الأدنى. إذن، البداية الآن تقتضي عودة ذلك التحالف العريض أولاً وبهيكلة قادرة على التعامل مع قدر التحديات، والانخراط في اجتماعات متواصلة من خلال غرفة عمليات دائمة تناقش الحلول المُستَنِدَة على المنطق والواقعية والتجارب المماثلة، وتستكمل بناءً على الحلول التي تتفق عليها معالجات أخطاء المرحلة السابقة ومقتضيات استكمال الفترة الانتقالية من حيث المؤسسات والخطط والبرامج، أي أن تتقدم هذه المرة خطوة على الوقوف عند مجرّد الحد الأدنى للتوافق. لكن لا بد أن أنوّه إلى أن تأسيس التحالف يجب أن يستند على أرضية المبادئ، وأولى هذه المبادئ للمؤمنين بالديموقراطية والساعين إليها، هي رفض الانقلاب وما تبعه. ليس من الحصافة السياسية أن يُعلِن الحزب أو التنظيم موقفه الرسمي الرافض للانقلاب، بينما يعمل نفر من قيادته العليا على النقيض بحجة أن هذا النفر يتحرك من منظور رأي شخصي. متي كان تحفّظ قيادي برأيه الشخصي على قرار الحزب يصبح موقفاً موازياً لقرار الحزب ويعمل على تنفيذه؟ هذا نسف للمبدأ الديموقراطي من أساسه، لذا ضرورة حسم هذا الأمر داخل أي تنظيم فيه هذه الازدواجية يجب أن يسبق دخوله في التحالف.
حسناً، هل هذا ممكن الحدوث، أي أن يعود ذلك التحالف العريض كما بدأ؟ في عُرف السياسة، الإجابة المختصرة نعم، إذا تم التعامل بمبدأ ومضمون “فن الممكن”. عودة ذلك التحالف هو ما يهابه الذين يسعون إلى وقف دوران عجلة التغيير والتحوّل إلى نظام ديموقراطي قائم على تعددية سياسية وتبادل سلمي للسلطة، وقادر أن يضع شعار “حرية سلام وعدالة” موضع التنفيذ. لنفترض إن التحالف العريض قد عاد، فهو سيكون أمام تحدّي التعامل مع واقع إفرازات الانقلاب. من بين المستجدات، شعار الشارع الثائر “لا تفاوض ولا مساومة ولا شراكة”، وهو شعار أنتجته تضحيات جسام دفعها الشعب من خلال شعوره بخيبة لشراكة لم تنل الرضا في الأساس إلا لماماً، ومع ذلك انتهت بتمزيقها أحادياً من قيادة المؤسسة العسكرية ومعاونيهم من حركات الجبهة الثورية. سيكون أمام التحالف العريض عند عودته أن يحقق مضمون الشعار ليُرضِي الشارع الثائر، ومن أجل أن يفعل ذلك لا بد أن يضع في الاعتبار أنه يستخدم في مداولاته، المنطق والواقعية والتجارب المماثلة. فهو حينئذٍ سيكون أمام أحد ثلاث حلول، الحلول التي يمكن أن نطرحها داخل غرفة التحالف العريض بعد أن يتشكّل.
عبد الجبار محمود دوسة
23 ديسمبر 2021م
jabdosa@yahoo.com
/////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات