دارفور .. سقوط ورقة التوت عن الحركات المسلّحة .. بقلم: إبراهيم سليمان


عرف الشعب السوداني التنظيمات المسلّحة منذ بواكير الاستقلال في الجنوب، ثم امتدت لجبال النوبة، ورغم تمرد هذه الحركات على السلطات المركزية، لم يسجل التاريخ أنها اعتدت أو نهبت الممتلكات العامة إلا لماما، فهي متمردة لكنها لا تفتقر إلي الانضباط التنظيمي والأخلاقي، بفضل وعي قياداتها ونضوجها الوطني، لذا ارتفعت حواجب دهشة الشعب السوداني عاليةً من تصرفات حركات دارفور المسلّحة مؤخراً في شمال دارفور؛ حيث خانت أمانة “تكليفها” بحراسة مقرات وتركات منظمة اليوناميد، والتي آلت رسمياً للدولة، وأصبحت ممتلكات عامة. استولت عليها مباشرة أو بالتواطؤ مع رفاقهم وربما قياداتهم العليا.
يقول المثل “إذا لم يجد اللص ما يسرقه، يظن أنه شريف”، وفي القرآن الكريم يقول الحق تبارك وتعالي: ” أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ”. العنكبوت (2). فقد أُبتلي منسوبي حركات الكفاح المسلح بفتنة تركات اليوناميد، والتي سوّلت لهم أنفسهم الأمّارة بالسوء أنها ممتلكات سائبة أو مشاعة، فسقطت سقطة شنيعة، ولم ينجح منهم إلاّ من رحم ربه، في الابتلاء الاعتداء على المال العام، الأمر الذي أكد للناس أنها حركات غاياتها الحصول على المال والسلطة كيفما اتفق.
توّرط قوات الحركات المسلّحة “المكلفة” بحراسة تركات اليوناميد مثّبت بالأدلة الدامغة، وما كان بمقدور إعلامها الإنكار، لذا لم تجهد نفسها، وحسب مصادر صحفية، اتهم والي ولاية شمال دارفور نمر محمد عبد الرحمن، أربع حركات مسلحة بالسطو على ممتلكات المقر السابق لبعثة (يوناميد) بالفاشر، هي المجلس الانتقالي- قيادة عضو مجلس السيادة الهادي إدريس، حركة جيش تحرير السودان- قيادة حاكم الإقليم مني أركو مناوي، قوى تجمع تحرير السودان- قيادة عضو مجلس السيادة الطاهر حجر والتحالف السوداني- قيادة والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر، فيما برأ حركة العدل والمساواة السودانية من التورط في تلك الأحداث.
عليه، وما لم ترغم قيادات هذه الحركات النهّابة وغير الأمينة، منسوبيها على إعادة كافة الممتلكات المنهوبة، وعلى دائر المليم، ينبثق فرضيتان لا ثالث لهما، إما أنها ليست لديها كلمة ولا تملك قرار على قواتها، وأن هذه القوات مجرد مليشيات إنتهازية غير منضبة ليس إلاّ، وإما أنّ الذي تم من نهبٍ وتعدٍ وخيانة الأمانة، قد حدث بعلم ومباركة هذه القيادات، وأي من الفرضيتين تقدح في أهلية هذه الحركات للتكليف بأي مهام أمني رسمي مستقبلا، وتجرح في مصداقية قياداتها وأهليتها لتولي مناصب دستورية، إذ أنهم ليسوا برجال دولة.
الفضائح الرذيلة التي تكررت وقوعها من منسوبي الحركات المسلّحة بشمال دارفور خلال الأسابيع القليلة الماضية، لم تترك مجالاً للثقة فيها، فإذا كانت قياداتها تتآمر مع القتلة وناهبي ثروات البلاد على سرقة السلطة الانتقالية، مع سبق الإصرار والترصد، فليس بمستغرب أن ينهب منسوبيهم في وضح النهار الممتلكات العامة، التي فرضوا أنفسهم على حراستها؛ واتضحت أنها كانت بسوء نية مبيّته.
هذه الحركات أساءت إساءة بالغة لأهالي فاشر السلطان ام المدائن، ولطّخت صيت مدينة المحمل، وكاسية الكعبة المشرفة، وهذه جريمة تاريخية لا تغتفر، يتحمل وزرها الحركات المسلّحة الدافورية، ولا ينبغي التسامح فيها، ما لم يثبت قيادات هذه الحركات أنهم رجال دولة، بحسم هذه الممارسات، وإعادة كافة المنهوبات، وردع الجناة والاعتذار للشعب السوداني.
الحركات التي وقعت على اتفاقيّ أبوجا والدوحة، استولت بوضع اليد، على مبالغ طائلة من خزانة الدولة والمساعدات الدولية، مخصصة للمتضررين من حرب دارفور، وسخروها في تعزيز القدرات المالية لشخوص قياداتها وتنظيماتها المسلّحة، هذه الاستغلالية الانتهازية، ليست مجرد اتهامات أو إشاعات مغرضة، إذ أن بعض قيادات هذه الحركات تباهت علناً بمثل هذا السلوك كنوع من الشطارة الثورية والفهلوة المالية، والاعتراف سيد الأدلة، فما الذي يمنع تكرار ذات السيناريو مع مخصصات اتفاق جوبا للسلام؟ والحركات هي هي تقريبا.
مما لا شك فيه أنّ سطو منسوبي الحركات المسلّحة الدارفورية على الممتلكات العامة لن يتوقف عند حدود سرقة تركة اليوناميد التي آلت للدولة، وبات راجحا بشدة، امتداد أيديهم الآثمة، وأسلحتهم الخائنة والخائبة، وذممهم “المدغمسة” إلى الممتلكات العامة والخاصة، متى ما وجدوا لذلك سبيلا، لذا يتوجب على أهالي دارفور الوقوف لهم بالمرصاد، وألاّ توكل إليها أي مهام أمنية مهما كلف الأمر، وألاّ يعطى لهم الوجه في حياة الناس العامة، فليس هنالك ما هو أقبح وأزم من خيانة الأمانة، والسرقة المجافي للشرف، والنافي للأخلاق والعفة.
//إبراهيم سليمان//
صحيفة أقلام متّحدة
31 يناير 2022م

ebraheemsu@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات