ريادة الطيب صالح إلى (الواقعية السحرية) في القصة والرواية .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا


الواقعية السحرية، وصفٌ أطلقه النقّاد الغربيّون على أدب أمريكا اللاتينية. وذاع هذا الوصف عشيّة فوز غابرييل قارسيا ماركيز بجائزة نوبل سنة 1982. وطفقنا نردد من بعدهم كالعادة هذا المصطلح دون أن نعي أن الواقعية السحرية ما هي إلا توظيف الكاتب لما تكنتز به الذاكرة الشعبية من أحاجي وأساطير وخوارق عادات وكرامات.
وقد كان الطيّب صالح محقّاً عندما قال أنّه سبق أدباء أمريكا اللاتينية إلى ذلك النوع من الكتابة الأدبية التي يمتزج فيها الواقع بالأسطورة والخرافة والحلم واللامعقول. يقول: “الآن يتحدّثون عن الواقعيّة السحريّة وما إلى ذلك، لكنّني سرت من قبل في هذا الاتجاه. والواقع إنّني بدأت الكتابة وأنا أسير في هذا الاتجاه. وهو أمر للأمانة لم ابتدعه لأنّه موجود في بيئتنا”.
وقد تنبّه إلى أسبقية الطيب صالح إلى ذلك النّاقد الكبير والأكاديمي القدير كمال أبوديب، حين قال:
“ونحن الآن في موسم دريدا والماورائي والبوستمودرينزم، وكنّا خلال ذلك كلّه قد التهمنا التهامًا تقنيات ماركيز، ومعطيات الواقعيّة السحريّة كما طوّرها الآخرون، ولم يخطر لأحدٍ منّا أنّ تبلورها الحقيقي الأول قد تمّ في الكتابة العربيّة ثمّ في عمل الطيّب صالح..”.
فقد “ابتكر الطيّب صالح نمطًا من السرد الروائي مدهشًا، كان وليدَ تمثُّلٍ عميقٍ لتقنيات السرد العربيّة كما تتمثّل في “ألف ليلة وليلة”، والحكايات العجيبة، ومنامات الوهراني، وتراث السحريّة والخرافيّة، مازجًا بينها وبين تقنيات السرد الواقعيّة، ومكوّنات الفكر الصُّوفي والدّيني، في تجلياتها الخارقة واليومية، وخالقًا بذلك كلِّه في أواخر الستينات بنية روائيّة شديدة التميّز والفذاذة هي بنية الواقعية السحريّة”. انتهى.
ويشاطر الشّاعر اللبناني الكبير عبّاس بيضون، ما ذهب إليه كمال أبوديب، بالقول: “قبل أن تصلنا رواية أمريكا اللاتينية فقد أسّس فانتازيا عربيّة.. وإذا كانت رواية نجيب محفوظ عمود الرواية العربيّة فإنّ الطيّب صالح كتب الرواية المضادّة، رواية اللّغة والشّعر والسّحر”.
وهذه إشارات قليلة للتمثيل لهذا الأسلوب في أدب الطيب صالح. في قصّة “دومة ود حامد” نجد أنّ الولي الصّالح الذي سُمِّيت القرية باسمه قد جاء إلى ذلك المكان قاطعًا النّيل على مفرش مصلاته، إذ “هتف له هاتف، افرش مصلاتك على الماء، فإذا وقفت بك على الشاطيء فانزل”.
فنزل في ذلك المكان فكانت بلدة دومة ود حامد. ثمّ يتحوّل ضريح ذلك الولي والدومة التي نبتت إلى جواره إلى أساطير ومصدر لخوارق وكرامات لا تنتهي.
وفي رواية “عرس الزين” نجد شخصيّة الزين في حدِّ ذاتها شخصيّةً استثنائيّة خارقة للعادة:
“يولد الأطفال فيستقبلون الحياة بالصريخ.. ولكن يُروى أنّ الزين، أول ما مسَّ الأرض انفجر ضاحكًا. كبُر وليس في فمه غير سنين، واحدة في الفك الأعلى، والأخرى في فكّه الأسفل. وأمّه تقول إنّ فمه كان مليئًا بأسنان كاللؤلؤ. ولمّا كان في السادسة ذهبت به لزيارة قريبات لها، فمرّا عند مغيب الشمس على خرابة يُشاعُ أنّها مسكونة. وفجأة تسمّر الزين في مكانه وأخذ يرتجف كمن به حمّى، ثمّ صرخ. وبعدها لزم الفراش أيّامًا. ولمّا قام من مرضه كانت أسنانُه جميعًا قد سقطت، إلا واحدة في فكّه الأعلى، وأخرى في فكّه الأسفل”.
وتتجلّى الواقعيّة السحريّة أكثر في رواية بندرشاه بجزئيها “ضو البيت” و”مريود”. الرواية، كلُّها كأنها حلمٌ أو وهمٌ عاشه أهل قرية ود حامد؛ إذ يظهر ضو البيت من الماء ويختفي في الماء كما السحاحير، أو كأنّه من جنس حوريات البحر. ويصاحب ظهوره في القرية حدوث كثير من الهزّات والشروخ، أشبه بالكوابيس في نسيج ود حامد الاجتماعي الذي كان متماسكًا في “دومة ود حامد” و”عرس الزين” وإلى حدٍّ ما في “موسم الهجرة إلى الشمال”.
ولعلّ المشهد التالي يعدّ من أكثر المشاهد سحرية في رواية بندر شاه (ضو البيت): “كانت البلد كأنّ طائرًا رهيبًا اقتلعها من جذورها وحملها بمخلبه، ودار بها ثمّ ألقاها من شاهق. كنت كشخصٍ في قبضة كابوس مليء بالصراخ والحركة. كانت الفوضى كأنّها تتفجر من تحت أقدامنا، وكان النّاس يجرون مشتّتين ها هنا وها هنا، يبحثون عن شيء ولا شيء. في أطراف ذلك الكابوس كانت نساء حاسرات الرؤؤس وجوههن مغبرة يتشبثن برجال مكتوفي الأيدي مربوطين بحبل غليظ إلى سرج جمل، وعلى الجمل جندي يحمل بندقية ورجال عشرات يسدّون طريقه، ثمّ رد رش شرنابه يد نا دا ده، تنصهر وتختلط وتشكّل صورة مجسّمة، هي صورة بندرشاه على هيئة مريود، أو مريود على هيئة بندرشاه، كأنّه يجلس على عرش تلك الضوضاء ممسكًا خيوط الفوضى بكلتا يديه، وسطها وفوقها في الوقت نفسه، مثل شعاع باهر مدمر. كنّا كطيور مذعورة، تفترق وتلتقي، تعلو وتهبط، وتدور بعضها حول بعض، محدثة صراخًا منكرًا يصمّ الآذان. في ذلك الضّحى كان الماضي والمستقبل قتيلين لا يجدان من يواري جثتيهما أو يبكي عليهما.” انتهى.
على أنّ الطيّب صالح يرى أن (الواقعية السحرية) عنده أوغل في الرمزيّة وأكثر كونية. فأسطرته للواقع غير محدودة زمانيًّا، وتتجاوز كثيرًا الانشغال بالهموم السياسيّة المباشرة وصراعات السلطة الآنيّة التي شغلت كُتّاب أمريكا اللاتينية. يقول:
“كُتّاب أمريكا اللاتينية خاصة غابريل قارسيا ماركيز شغلهم كثيرًا موضوع السلطة خاصّة في رواية “مائة عام من العزلة”، لكن أعتقد أنّ السلطة كانت تشغلهم تاريخيًّا وليس أسطوريًّا.”
ولكنه كما يقول حاول أن “يوسع الموضوع ويضخّم الشخصيّات الروائيّة، ليضعها في إطار أسطوري. وبندرشاه ذلك الرجل الغريب ظهر فجأة في البلد من الماء واختفى فجاءة في الماء، ليخلق منه أسطورة. و”بندر ترمز إلى المدينة وشاه للملك، وهذه الرواية كان يمكن أن تسمى الملك والمدينة مثلا”.
ويضيف: “والأسطورة كما أفهمها هي إعطاء الواقع أبعادًا واسعة في الزمان، كما فعل هوميروس جاء بالإغريق وحولهم إلى رموز تتعامل مع عالم أسطوري”.
ولا عجب أن فتنت رواية بندرشاه بشاعريتها وغرائبيتها وسحرها، الشاعر اللبناني الكبير، عباس بيضون فكتب: “إنّ سحرية، أو فانتازية، بندرشاه ومريود كانت فتحًا روائيًّا بحق وقفزةً بأكثرَ ممّا يحتمل القاريء العربي، ولم يكن مستعدًا بعدْ لاستعارات كالتي في مريود وبندرشاه”.

هوامش ومراجع:
1- الطيب صالح، على الدرب: ملامح من سيرة ذاتية، إعداد طلحة جبريل، مركز الدراسات السودانية، ط1 1997، ص 118،119
2- كمال أبو ديب، جماليات أو تشابك الفضاءات إلإبداعية، دار العلم الملايين، بيروت، ط1، 47
3- عباس بيضون، الطيب صالح رواية المستقبل، جريدة السفير البيروتية، 19 فبراير 2009

 

abusara21@gmail.com
///////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات