قراءة في كتاب: رحلتي مع منصور خالد، الخروج من الذات لملاقاة الآخر!  .. بقلم: جاكوب جوزيف/ جوبا / كاتب صحفي ومحلل سياسي 


رحلتي مع منصور خالد، الخروج من الذات لملاقاة الآخر!
جون قرنق والبحث عن السلام والوحدة
الكاتب: الواثق كمير
 تقديم: لام أكول أجاوين – والمحبوب عبد السلام
مراجعة وتصحيح: محمد إبراهيم “فطيرة”
إستهلال:
 »أعزائي الرفاق والأصدقاء. تمنيتُ لو كُنتُ هُناك في جوبا بينكم للاحتفال معاً وعيش هذه اللحظة التاريخيّة التي ساهمتُم جميعاً في تحويلها إلى حقيقه. إنه يمثل نهاية طريق طويل مُلطخٌ بالدّماءٍ والتضحيةِ. لكن عليكم جميعاً أن تجمعوا رُؤوسنا معاً للسّفر في طريق جديدٍ مليءٍ بالتحدياتٍ الهائلة. دعونا نعمل جميعاً معاً لترسيخ السّلام المُستدام من خلال بناء علاقاتٍ مُنظمة وتأسيسيّة بين شّعوبنا في الشّمال والجّنوب. ألف مبروك وأطيب التمنيات للسّلام والأزدهار«.(1) الواثق كمير
مقدمة عامة:
تابعتُ بشغف سلسلة المقالات التي درج مؤخراً، الدكتور الواثق كمير على نشرها في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي”الفيس بوك”، والمعنونة بــــــ: » رحلتي مع منصور خالد، الخروج من الذات لملاقاة الآخر، جون قرنق والبحث عن السلام والوحدة.« المقالات التي جذبت كل متابع ومتتبع لصفحته، وتفاعل معها الكثيرون، لتناولها لأحداث وقضايا ومواضيع وقصص وتواريخ ومواقف بصورة موضوعية، وسرد توثيقي طويل شيق
لم أستطع إكمال سلسلة الحلقات المنشورة على “الفيس بوك” لأسباب عدة، وعند نشر د. الواثق كمير “بوست” بتاريخ 19 سبتمبر 2021م، يعلن فيه إصدار كتابه الجديد، كان محتوى البوست مفرحاً لجل متابعيه، وشخصي كواحد منهم.
وعندما سنح لي القيام بزيارات وفد وساطة جمهورية جنوب السودان المتكررة إلى عاصمة السودان – الخرطوم، برئاسة مستشار رئيس الجمهورية للشئون الأمنية، ورئيس لجنة الوساطة “توت قلواك مانيمي”، بغرض متابعة سير إتفاق جوبا لسلام السودان، الذي وقع بين حكومة السودان الإنتقالية – وأطراف عملية السلام في 3 أكتوبر 2020م، ولأجل الإطلاع على آخر المستجدات والمتغيرات السياسية، والبحث عن سبل وحلول للأزمة السودانية الأخيرة التي نشبت بين المكونين المدني والعسكري. واغتنمت الفرصة في آخر زيارات للخرطوم العام السابق وبالتحديد في منتصف ديسمبر 2021م، وقصدت مكتبة “الدار الكتب السودانية”، والتي اقتنيت منها هذا الكتاب التوثيقي القيم. وأقتحمتُه بقراءةً دقيقة ومُتأنية، نسبةً لتسلسل الأحداث والتواريخ فيه، وقراءته الجاذبة والممتعة.
وبعد التوقف عن” الكتابة المنشورة ” كهذه، والاحتفاط بكتابة بعض المذكرات، إتخذتُ مبدأ كتابة هذه القراءة، لأهمية المواضيع والأحداث والوقائع التاريخية المهمة، والمتعلقة بنشأة وتأسيس وتطور الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتاريخها النضالي الطويل. ولأن الكثيرون ممن علقوا على هذا الكتاب، أوصوا على أهمية التوقف والتأمل فيه! وخصوا بهذه الوصية الأجيال الحاضرة، والأجيال القادمة مستقبلاً، ولأني لستُ فقط من جيل الحاضرين فحسب، بل أضع نفسي ضمن قائمة المهتمين والمهمومين بهذا التاريخ السياسي الطويل للحركة الشعبية لتحرير السودان. فإني أكتب هذي القراءة عاملاً بوصية التأمل، وإثراءً للحوار، وبُغية الوصول إلى بعض الإجابات الشافية.
مدخل القراءة:
تدور محاور هذا المقال حول قراءة في كتاب»  رحلتي مع منصور خالد، الخروج من الذات لملاقاة الآخر، جون قرنق والبحث عن السلام والوحدة«، للكاتب السوداني الدكتور الواثق كمير – تقديم: لام أكول والمحبوب عبد السلام. وقد صدر هذا الكتاب عن دار مدارات للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2021م. وكُتب بلغة عربية رفيعة، ورصينة، وتتسلسل فيها الأحداث والسير واللقاءات بتناسق وتتابع، وهو عمل توثيقي رائع ومبدع، قصاً وكتابةً. وتهدف القراءة هذه لعرض الكتاب والتعمق فيه، وعرض بعض الجوانب التي شملها فصولها، وتناولها بعقلية منفتحة، إبتداراً وإثراءً للحوار، ومناقشةً للكتاب بعقلانية وبموضوعية، وإسهاماً في التذكير بالذكرى الثانية لرحيل العلامة الدكتور منصور خالد ، ولم أخطط لهذا الأمر إنما مشغوليات الحياة هي ما أدت إلى تأخر إنجاز هذه القراءة ونشرها فصادفت الذكرى الثانية.
كما أن إستهلاليتها مُقتبسة من الدكتور الواثق كمير، وهي رسالة أرسلها لقادة جنوب السودان، معبراً فيها، عن تمنيه حضور كتابة التاريخ بمناسبة إعلان جنوب السودان جمهورية جديدة، تضاف لخارطة خرائط الدول العالمية. اقتبستُها إستهلالاً لهذه القراءة، لما تحمله من معانٍ نضالية عميقة، تذكيراً بالتضحيات الضخمة، والدعوة فيها لترسيخ قيم السلام، ومبادىء بناء العلاقات المتينة بين الشعبين السودانيين “في السودان وجنوب السودان”.
وتتضمن هذه القراءة بعض التعليقات، الاستفسارات، الإستفهامات، الوقفات، والحجج المختوتة في ميزان الموضوعية، وهي ليست مُوجهة مباشرةً للكاتب ولو أنه مُساءَلٌ، بقدر من إنها تساؤلات تُوجه وتُعلق على عاتق كل من يُولي الاهتمام بدراسة التاريخ السّياسي، والإيديولوجي والنظري، بجانب تكوين ونشأة وتطور الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ وعلى رأسهم قادتها وأعضائها الملتزمون.
وتحتوي القراءة بجانب الإستهلال، والمقدمة العامة، ومدخلها، وتوطئتها وخاتمتها، على خمس محاور أخرى، وهي على النحو التالي، أولاً: تقديم الكتاب، ثانياً: مقدمة الكتاب، ثالثاً: فصول الكتاب العشرة، رابعاً: خاتمة الكتاب، خامساً والأخيرة: ملاحق الكتاب.
توطئة القراءة:
 هذا الكتاب الجميل  هو من تصميم الفنان “عادل كبيدة”، وعمِل “جابي فايز غبريال” على تنسيقه الداخلي. أما المراجعة والطباعة القيمة هذه، فهي لـــــــــــ”دار مدارات للطباعة والنشر والتوزيع – الخرطوم”، ويتكون الكتاب من 452 صفحة – 17× 24سم، جلها تسطر توثيقاً تاريخياً لرحلة طويلة، ثقافياً – سياسياً– اجتماعياً. سطره عقل نيِّر وشاهد على العصر، ومرافق للراحلين، الدبلوماسي والمفكر الضليع الدكتور “منصور خالد”، والثوري الشرس والجسور الدكتور”جون قرنق دي مبيور.” فالكاتب شخصٌ ملمٌ ببواطن وخفايا الحركة، ومفكر لبق وبليغ، وكاتبٌ حاذقٌ ومميز. وباحثٌ ذو رؤى وفكر، ومفاهيم وطروحات قيمة.
يتكون هذا الكتاب من عشر فصول، يسبقها إهداء جميل مهدى لشباب السودان، ولكل المتطلعين إلى السلام، ثم كلمة شكر وعرفان للمشجعين والمحفزين، ومحبي الراحل المقيم الدكتور منصور خالد، والمهمومين بالشأن السياسي، وخصوصاً المتابعين  لسيرة الحركة الشعبية لتحرير السودان، والمناصرين لمشروع السودان الجديد، ورائده الزعيم الراحل جون قرنق دي مبيور. ثم التقديم من د.لام أكول أجاوين والأستاذ المحبوب عبد السلام وتليها مقدمة الكاتب.
ويشتمل الكتاب على ملاحق مقسمة ومرتبة؛ الجزئية الأولى منها تُعد شهادات وتعليقات في حق الراحل منصور خالد، وهي آراء قيمة لخمسة من أساتذة ودكاترة ومحبي العمل الدبلوماسي، سفراء عملوا في وزارة الخارجية السودانية، وزاملو وتتلمذوا، مع وعلى يد الراحل الدكتور”منصور خالد”، وأعطت آراؤهم وتعليقاتهم رونقاً وجمالاً لهذا العمل الرائع.
الجزئية الثانية من الملاحق هي ستة، تتعلق برسائل وخطابات كتبها دكتور الواثق، وتعقيب للراحل دكتور جون قرنق في لقائه مع القوى الحديثة. ووثيقة الرؤية والبرامج الاطاري، وفي خاتمتها مراجع باللغتين العربية والانجليزية.
كاتبه، هو شخص غني عن التعريف، لجيله، وللأجيال الحاضرة، وستتعرف عليه الأجيال المستقبلية عبر كتبه وكتاباته التي شكلت وستظل لوحات سياسية، توثيقية، وتاريخية في الحياة السياسية السودانية، وإرث ضخم تتوارثه الأجيال القادمة.
دكتور الواثق كمير، هو ناشط نقابي واجتماعي فطن للشؤون النقابية والاجتماعية، كيف لا؟ وهو متخصص في علم الإجتماع، وتحول قافزاً بجانب ذلك، من النقابة إلى السياسة واللتين لم ولن تفارقنا الأسئلة البشرية مدى الحياة. وهو باحث وكاتب صحفي أمطر الصحافة الورقية والالكترونية، والمجلات والمراكز العالمية والسودانية بالكثير من الأوراق والآراء، والأفكار، والطروحات، والبحوث العلمية المحكمة.
انضم للحركة الشعبية لتحرير السودان طوعاً واقتداراً، وإيماناً منه بمشروعها السياسي الطموح “رؤية السودان الجديد” التي حرر وسطر لها كتاباً بعنوان “جون قرنق – رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية”، الذي صدر في يناير 2006م، وتحول بذلك من العمل النقاب المهني إلى السياسي المنظم ككادر سياسي، وقيادي ذي حنكة ومبدأ وفكر ورؤى.
الــــــقراءة:
أولاً: تقديم الكتاب:
قدم الكتاب عملاقان من عملاقة العمل السياسي والدبلوماسي، أصحاب أقلام حاذقة، هما: الدكتور لام أكول –  والأستاذ المحبوب عبد السلام. وفي تقديمه السياسي من الطراز النقدي يعتقد دكتور لام أكول» أن الواثق سرد في كتابه هذا اللحظات التي جمعته مع الراحل منصور خالد عبد الماجد، توليفاً بين أحاسيس صادقة لفقد صديق عزيز، وأنه سجل وقائع تاريخية مهمة عن الحركة العشبية لتحرير السودان بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور في اتساق وتناغم نادرين«.(2)
وبالنسبة له أن الواثق أثار قضايا تنظيمية، لم يجد لها إجابات شافية، وأن الإجابة عليها تحتاج إلى التعمق في التحديات الفكرية والتنظيمية التي كانت تواجه الحركة الشعبية حينذاك.(3)
وعلل الدكتور لام تحديات الحركة الشعبية في: غياب الديمقراطية والتنظيم، الصراع الداخلي المشخصن، واستغلالها من قبل الإدارة الامريكية في معركتها ضد المؤتمر الوطني، وهي في رأيه، قضايا تنظيمية تحتاج إلى التعمق للتحديات الفكرية والتنظيمية التي تُشكل عقبة كبيرة منذ نشأة الحركة. (4)
وفي تقديمه التعبيري، الفلسفي، والتأملي تلاقياً مع الآخر، يقول المحبوب عبد السلام» : القصٌة التي وثق فُصولها الدُكتور الواثق كمير ليست سيرة ذاتيٌة بين حياتين، ولكن سيرة مواقف وقضايا ومسيرة نضال، كما هي تأسيسٌ أخلاقي لمسئولية الفرد إزاء الجماعة وللمُثقف إزاء السلطة السّياسية والسُلطة الاجتماعية والاقتصادية، ثم إزاء السُلطة الثقافية، فهي برغم تمايُزها النظري تظل سُلطة متواشجة الصّلات، أو بالأحرى سُلطة واحدة، وما هذه الفصول إلا تعبيراً عن تحرُر المُثقف من مُكبلات العقل الانساني التي تعيق تماهيه مع قضايا الحرُية والعدالة في إطار جُغرافي محدود، وهو وطنٌ يسْعى لبناء دولةٍ معاصرةٍ تقوم على الدّيمُقراطية والمُساواة، وتتطهر من أوثان العرقية وأوهام ثقافتها الماضوية الرجعية«.(5)
ويضيف المحبوب بمنطوقه الفلسفي» غير القصة والرّحلةِ، حمل هذا الكتاب تراثاً مُهماً من الوثائق والخُطب والمُستندات، وذكر بكثيرٍ من المُؤتمرات والمُحاضرات وأوراق العمل والندوات الصحفية، فقد كان العمل الفكري والأدب السّياسي هو الإضافة والإسهام، الذي يُعنى به مُؤلف الكتاب ويتصوب إليه جهد الدكتور منصور خالد، ويمثل جوهر التكاليف والعون الذي قدماه لجُملة الحركة السّياسية السُودانية وللحركة الشعبية والدكتور جون قرنق على وجه الخُصُوص، وهو كذلك ما يستحق التوقف والتأمُل خاصةً من الأجيال الراهنة والأجيال المُقبلة«.(6)
ثانياً: مقدمة الكتاب:
يلي التقديم مقدمة الكاتب، وفي مقدمته الحزينة يسرد دكتور الواثق كمير، الفاجعة الأليمة والمحزنة التي تفاجأ بها الكل، وهو وفاة الدكتور منصور خالد، التي حبست دموعه، وأضاعت منه الحروف التي تسطر الكلمات ليعبر عن عمق حزنه، يقول: » وقتها لم أستطع  كتابة شيء إلا بعض الكلمات المعدودة«.
كلمات معدودة كتبها الواثق، ليعزي بها نفسه ويشرك فيها عامة الناس من السودانيين، ورفاق وأهالي ومعارف وزملاء وأصدقاء الراحل، إذ أنه لم يكن يدرك إمتلاكه القدرة على الكتابة، حتى ولو تسطير مقال مطول كأقصى غاية يبلغها، دعك من إعداد كتاب كامل الدسم بحسب تعبيره، وهذا لشدة حزنه العميق، وليس لجفاف مداد قلمه، فمداد قلمه يستطيع سرد وتوثيق وكتابة مجلدات.
يقول لنا الواثق: أنه خرج بهذا الكتاب القيم المليء بالتواريخ السياسية والثقافية والاجتماعية الزاخرة، والمكتظة بمحطات الرحلة الطويلة، والتجارب العامرة، والتحديات العصيبة، دون تخطيط مسبق، فقد وجد نفسه يعد مشروع كتابة هذا العمل المتميز الجدير بالقراءة، تعبيراً عن حزنه، ويا لجمالية كتابته في زمن الأحزان.
ولو أن الكتاب يمثل رثاءً لمنصور خالد وتدويناً لتاريخه وجهوده ومواقفه وطروحاته، إلا أنه يوثق لرحلة نضالية سياسية تحررية طويلة، تمتد لأكثر من ثلاثة عقود مع شخصان يعتبران تاريخاً سياسياً وثورياً ودبلوماسياً لوحدهما، بجانب تاريخ السودان السياسي.
ويضيف الواثق تقديماً» أردت من كتابة هذا الكتاب إشراك القراء والأجيال الجديدة، فضلاً عن إيداعها في أرشيف السودانين (جمهورية السودان، وجمهورية جنوب السودان) وفي سجل أفريقيا، ومجلد الإنسانية جمعاء، فالكتاب يستعرض سلسلة مواقف ومحطات ووقائع وأحداث جمعته بالراحلين«.(7)
ثالثاً: فصول الكتاب:
الفصل الأول والمعنون بـ: الخروج من الذات لملاقاة الآخر: بدايات الرواية!
تحكي الصفحات الأولى للكتاب، عن تلقي الكاتب للخبر المؤسف والمصيبة المؤلمة عبر تطبيق “الواتساب”، وهي تخبره برحيل العلامة الدكتور منصور خالد عبد الماجد، مساء الأربعاء الموافق الثاني والعشرين من أبريل ٢٠٢٠م، ويا ليتها كانت أكذوبة أخرى من”أكذوبات أبريل” المشهورة المخادعة، والبعيدة كل البعد عن الحقيقة، ولكنها لم تكُ أكذوبة معتادة، بل فاجعة وحقيقة أبريل المريرة.
تعرف الكاتب على دكتور “منصور خالد”، ودكتور “جون قرنق”، في المرة الأولى في ١٧ أغسطس ١٩٨٦م، وكانت عاصمة إثيوبيا ” أديس أبابا”، أرض الحضارات شاهدة على هذه المعرفة العظيمة، كشهادة العاصمة الكينية – نيروبي على توقيع إتفاق السلام الشامل 9- يناير 2005.(8)
الفصل الثاني وعنوانه :منصور :التعرف عن وتنوع النشاطات المشتركة.
 ومع أن الفصل يتناول تنوع النشاطات لدي منصور، منها شغفه بالغناء والطرب وحبه لمحمد وردي، وبعض المواضيع التي شغلت باله، كالزواج واهتمامه بقضايا البيئة والتنمية. وتستحضر ذاكرتي خُطب وتصريحات ونقاشات الأستاذ والمناضل “ياسر سعيد عرمان” نائب الأمين العام  للحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال وقتها – والتي لم تخلو بتاتاً من تناول قضايا البيئة في معظمها؛ ما دعاني لاستنتاج خلاصة لإستفسار طرحته، كيف؟ وأين؟ استلهم الأستاذ” ياسر عرمان” اهتمامه بهذه القضية المحورية، ولن أكون مخطئاً في حقه إذ ما ربطت ذلك بأستاذ وملهم زمانهم الدكتور “منصور خالد”  الذي عاصره.
ومن الطرائف المضحكة في هذا الفصل والتي يذخر بها هذا الكتاب، هي الطرفة المحكية: باتصال” صحفي نابغة”  بالراحل” حسن أبشر الطيب”، سائلاً إياه :وبثقة مذهلة عدم درايته بجنوبية” منصور خالد”!، ويعود هذا لتعيين الأخير، بقرار من الأمين العام للأمم المتحدة، نائباً لرئيس اللجنة الدولية للبيئة والتنمية، السيدة قرو هارلم برنتلاند رئيسة الوزراء النرويجية، هذا السؤال؟ هو ما دعى رد “حسن أبشر” على الصحفي السائل أن يأتي ساخراً جداً، وقوله: وبنفس حار بإمكانية إنتماء السيدة  “برنتلاند ” للشمال بل ومن “الباوقة” أو “الزومة” تمثيلاً للشمال.(9)
احتوت الصفحات اللاحقة لهذا الفصل على نقاشات وحوارات ومفاكرات دكتور “جون قرنق دي مبيور” مع القوى السياسية في الشمال عقب اطلاقه لمبادرة  “لواء السودان الجديد” في 21 فبراير 1995م، التي هدفت إلى تشكيل منبر للتفاعل السياسي والعسكري. وواجهت المبادرة بعض الملاحظات والعداء، من بينها استخدام عبارة “لواء”، مما دفع دكتور جون قرنق إلى عقد لقاءات وإجتماعات توضيحية، حول المبادرة ومسماها وكيفية تفعيلها. أفضت اللقاءات تلك إلى نجاح نشر المبادرة، وإقتناع بعض من القوى السياسية الشمالية بها، على الرغم من فشلها فيما بعد، بجانب الإبقاء على مسمى “لواء السودان الجديد”.
وتتطابق ملاحظات القوى السياسية حول فكرة اسم لواء السودان الجديد مع ما طرحه دكتور جون قرنق في الملحق الثالث عند تعقيبه على القوى الحديثة. ويشرح  د.قرنق»  أن اسم لواء السودان الجديد تعوزه رشاقة التعبير وإذا كان العزم حقيقياً لبناء سودان جديد فلابد من جيش جديد لهذا السودان الجديد«.(10)
وثمة سؤال محوري هنا، لماذا كان هذا التمسك بمسمى “لواء السودان الجديد”؟ في وقت كانت تراود القوى السياسية الشمالية بعض التحفظات، على بعض العبارات من تسمية الفكرة أو المبادرة،  بلفظ) لواء) التي هي أقرب للسياق العسكري، أكثر من كونه مسمى ينحاز أو يقارب أكثر المفاهيم السياسية، أو الثورية، أو النضالية، أو الفكرية التي أرادوا التلميح إليها أو بثها ونشرها، أو تسليط الضوء عليها. وفي رأيي المتواضع أن هذا الأمر يرجح تخوف الغالبية الشمالية المتحفظة تجاه مصطلح ” لواء” وقتها.
الفصل الثالث بعنوان: بين أسمرا والقاهرة : سياسة وفكر وتفاعل اجتماعي!
شكلت الزيارة التاريخية لدكتور جون قرنق إلى القاهرة في ٢٣ نوفمبر – ٦ ديسمبر  1997م، إحدى المواقف التاريخية التي أدت إلى تحول كبير في مسار نهوض وتطور الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي الزيارة التي قضى فيها قرابة أسبوعين، واستثمرها الراحل القائد العظيم دكتور جون قرنق استثماراً إيجابياً، انعكس على مسار نضال الحركة الشعبية وتقوية علاقاتها، وفتح مكاتبها خارجياً، وكسب حلفاء وأصدقاءً جدد لها.(11)
في هذه الزيارة التقى الراحل قرنق بالرئيس الراحل حسني مبارك، ولأن الحركة ورئيسها قرنق كانتا في أمس الحاجة ليد العون من مصر، لوضعها المحايد في الحرب الدائرة بينها والحكومة السودانية، فقد كان المتوقع بالضرورة لرئيس الحركة طرح القضايا المطلبية والمساعدات العينية التي تدعم إحتياجات النضال في الأدغال. وعكساً لذلك بدأ قرنق في إجتماعه مع مبارك في قضية حيوية محورية تهم القاهرة بالطبع، قبل مطالبته بمد يد العون للحركة الشعبية لتحرير السودان، وهو موضوع قناة جونقلي.(12)
وأبرزت لقاءات قرنق المهمة والمتميزة وإجتماعاته مع كافة الأحزاب السياسية التي التقى بها، وحواراته التي أجراها مع الصحفيين في القاهرة، قدراته التفاوضية والدبلوماسية – وقدرته على جذب الآخر للتواصل إجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وقد كان حواره مع حسني مبارك ومع نائب رئيس الوزراء يوسف والي خيرُ دليل على ذلك.
وجاء في هذا الفصل الاعتراف الصريح الذي أقر به الدكتور الراحل “منصور خالد”، في حق الراحل دكتور “جون قرنق، لما ظل يقوله » :بأن زعيم الحركة لم يكن من دعاة انفصال الجنوب عن الشمال، لأن الانفصال يؤذي هدفه الرئيس، وهو وحدة أفريقيا التي لن تتم إلا بأن يصبح السودان، أكبر قطر أفريقي«.(13) الوحدة التي سعت لها الحركة طوال أيام وسنين نضالها العجاف.
ودليلاً آخراً على قدرة دكتور جون قرنق في الخروج من مأزق الاسئلة الحرجة وبراعته، في إجابته للصحفي حمدي رزق، الصحفي بمجلة المصور، الذي وجه سؤالاً له بقصد إحراجه وهو حضور في مصر، سائلاً إياه: عن تبعية موقع حلايب المتنازع عليها بين السودان ومصر، فرد دكتور جون  ببراعته المعهودة ومن دون تفكير قائلاً »: دعني أقل لك: إن حدود السودان الشمالية تنتهي عند الإسكندرية، وحدود مصر الجنوبية تنتهي عند نمولي«.(14) تظهر الإجابة هذه القدرات الفائقة التي تمتاز بها الراحل المقيم جون قرنق.
الفصل الرابع معنوناً: بين القاهرة والخرطوم: فن وسياسة وانتقال!
يتجول الفصل الرابع بين القاهرة والخرطوم وبين الفن والسياسة، وهي من أجمل فصول هذا الكتاب في اعتقادي إن لم يكن أجملها على الإطلاق! على الرغم من أن هذا الفصل يعيد بنا الذاكرة إلى خبر رحيل الزعيم .وهو فصل يبين لنا الروح الجميلة والمرحة للراحل منصور خالد، وعشقه اللامحدود للفن وللطرب وللمزاح، وتظهر إنسانيته وبساطته، وتواضعه وحبه وتقديره وإحترامه للجميع.
تبدأ الجولة السياسية لهذا الفصل بالمبادرة الليبية المصرية لإحلال السلام في السودان، والتوسط لحل النزاع وأسباب فشلها .وقد بنت الحكومة الليبية مبادرتها وقتها على ثلاث نقاط: الوقف الشامل لإطلاق النار، توقيف الحملات الصحفية المتبادلة بين الطرفين، تكوين لجان التفاوض من الطرفين للإلتقاء في طاولة حوار ونقاش لإحلال السلام.(15)
حضر “عمر عبد الرحمن” في الكتاب كثيراً وفي هذا الفصل الرابع خصوصاً بشكل لافت، لعلاقته القوية مع منصور خالد، وبينهما طرائف كُثر مضحكة!، “عمر عبد الرحمن” والمعروف شهرةً بــــــــــــ”عمر فور” يعرفه الكثير من قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان وتجمعاتها خاصةً الشباب والطلاب، وتقتصر معرفتهم تلك على المعلومات الأولية والتفاصيل العادية، إذ أنه ينتمي إلى الحركة الشعبية ونضالها الطويل وكفى، ولكن ما لا يعرفه الكثيرون حتى كاتب السطور هذه، هو المكانة والأهمية الكبيرة لهذا الشخص المناضل والمتواضع “عمر فور” في الحركة الشعبية لتحرير السودان وعند منصور وقرنق.
وما لم نعرفه قبل قراءة هذا الكتاب هو أن “عمر فور” الساعد الأيمن للراحل الدكتور منصور خالد في أمور طباعة كتبه، وتوزيعها ومراجعتها اللغوية، ومراجعة الآيات القرآنية التي تتضمنها كتابات الراحل منصور، بل وأنه خريج جامعة الأزهر الشريف، وأن الراحل منصور كان يستعين به حتى في أحرج الأوقات حتى ولو كان في الساعات المتأخرة من الليل، مستفسراً إياه عن أي من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار الجاهلية. يا لغفلتنا عن، ويا هلا بإنبهارنا بـــــــــعمر فور.(16)
لم تخلو صفحات هذا الفصل من الطُرفات الجميلة بين الراحل منصور والمناضل عمر فور، ما يقارب أربعة طرفات، وأكثرها طرافة ما يتعلق بكتابة منصور لكتابه “قصة بلدين” الذي صدر في العام ٢٠٠٣م وكان عمر يقوم بالطباعة فقال: للراحل منصور »والله يا دكتور كلامك ده أزرط من الأول  « فرد عليه الراحل »:يا حيوان ما لقيت كلمة أحسن من أزرط دي«!. و أزرط هذه من العبارات الشائعة في العامية السودانية والتي تطلق تعبيراً للتعجب بشيء ما، إذ ما أحسنت توصيف المعنى؛ وقد قصد عمر فور في قوله ذلك أن ما يحمله كتاب “قصة البلدين” من آراء سياسية جريئة، هي أكثر جرأةً من الكتاب الذي سبقه. الطرفة الثانية ورغم قصر حكايتها إلا إنها مضحكة بشكل عجيب، وهي وقتما قال منصور لعمر: » رئيسك وصل القاهرة .«فسأله عمر بتعجب» :دكتور جون هنا؟«!. فرد عليه منصور: » يا حيوان د.جون قرنق ده رئيسي أنا، أنت رئيسك ياسر«.(17)
بالعودة إلى الجولات السياسية في الفصل هذا، كانت فكرة تحويل الحركة إلى حزب سياسي يشمل كل السودان، وطرح فكرة القطاعين بالحركة من قبل دكتور جون قرنق – الحوار الذي شارك فيه كل من الواثق، ياسر سعيد عرمان، نيال دينق نيال، الراحل منصور خالد، الراحل الفذ إدوارد لينو أبيي، دكتور محمد يوسف، وعمر فور، و”علي ميين”، الاسم والشخص الذي لا أعرفه في الحقيقة ولم يتسنى لي السماع به أو عنه. خلصت الجلسة لتفاهمات سياسية مهمة تُلخص في ضرورة تحول الحركة الشعبية إلى تنظيم سياسي يشمل كل السودان، ضرورة عقد ورشة عمل تضم وفد مقدمة الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى السودان، والذي قرر أن يعقد في نيوسايت، الوفد الذي حط مطار الخرطوم يوم 4 أبريل 2005م، وضم وفد مقدمة الحركة الشعبية مائة وسبعة عضواً برئاسة جيمس واني ايقا السكرتير العام للحركة وقتها. (18)
وصل وفد المقدمة إلى الخرطوم وأصدر دكتور جون قرنق في نهاية الأسبوع الأول من يوليو 2005م، أولى القرارات التي إتخذها رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان وهي بخصوص هيكلة الحركة في قطاعين، قطاع الجنوب ويضم الولايات الجنوبية إضافة إلى المناطق الانتقالية الثلاث) جنوب كردفان والنيل الأزرق ومنطقة أبيي(، وقطاع الشمال الذي يضم ولايات الشمال الثماني عشر.
يقول الواثق »:ترتب على قرار هيكلة الحركة على قطاعين – أولاً تقسيم عضوية الحركة مناطقياً واعتماد معيار السلاح لتحديد أوزان عناصر العضوية مما أدى إلى معاناة العمل التنظيمي في التنسيق بين قيادتها وتحديد اختصاصات كل من القطاعين، بجانب طفح التمثيل غير المتكافئ لقطاع الشمال في هياكل قيادة الحركة في المكتب السياسي .« و »قضى القرار بتعيين القائد عبد العزيز آدم الحلو رئيساً للجنة تنظيم الحركة في الشمال، التي تشكلت من أربعة وعشرين عضواً، يتولون أمر تنظيم الحركة في شمال السودان.«(19)
هذا على الرغم من أن منصور والواثق هما من ابتكرا هذه الأفكار التي إتخذها دكتور جون قرنق بناءً على اجتماعهما معه في القاهرة في نوفمبر 2004م؛ ففشل فكرة القطاعين في الحركة )شمال – جنوب (والتحديات التي واجهت الفكرة هي من بنات أفكارهما.
ويكشف الفصل هذا» الصراع الذي نشب بين القائدين باقان أموم، وياسر عرمان، رئيس ونائب وفد المقدمة إلى الخرطوم، وخلافهما في الرؤية وتنازعهما على أسلوب تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والعمل على إنتقالها من حركة عسكرية نضالية إلى حركة سياسية مدنية، وتكوين أي منهما مجموعة تلتف وتقف وراء الآخر أو خلفه«.(20)
والأرجح أن المجموعات التي التفت حول القائدين، تعود طبيعة تكويناتها بشكل أغلب لقادة الحركة الطلابية لطلاب الحركة الشعبية لتحرير السودان- خاصةً تنظيم جناحها الطلابي “الجبهة الوطنية الأفريقيةA.N.F “، الذين تتضرروا كثيراً بخلافات القائدين، ما أضر بالقاعدة الطلابية وإنقساماتها، ولا زالت نتائج الصراعات السابقة متجذرة بين قادة الحراك الطلابي، على الرغم من التحولات السياسية التي طرأت على الحركة الشعبية لتحرير السودان، شمالاً – وجنوباً.
ما لا يتوقعه القارئ، قبل الوصول لنهاية لهذا الفصل، هو كتابة الواثق لبعض مواقف تباين الآراء والأفكار بينه والراحل منصور خالد. ووصف وتوجيه كمير للراحل ببعض النقد، بالرغم من  المحبة الهائلة والرقة النبيلة، والرحلة الطويلة من الصداقة والنضال والثورة والكفاح، وقوة العلاقة بينهما؛ ففي رأي الواثق أن منصور، رغم موضوعيته وفكره وثقب نظره » إلّا أنه  أي منصور يجنح إلى التسرع وتغليب الانطباع والتقدير الذاتي، ويرفض العدول عن رأيه أو موقفه « .(21)
الفصل الخامس: والذي جاء بعنوان: بعد رحيل الزعيم: تحديات الحركة الشعبية
الفصل الخامس وهو أحزن فصول هذا الكتاب، إذ أنه يعيد بنا الذاكرة لرحيل الزعيم دكتور جون قرنق، وبروز تحديات الحركة بعد نزوله في مقبرته حيث مثواه الأخير.
ويكشف هذا الفصل الصراعات المتغيرة والمتجددة من وقت لآخر، بين قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي طفحت بشكل أوضح، وفقدان السيطرة على إدارتها واحتوائها عقب رحيل الزعيم. كما ويسهب هذا الفصل في التحديات المتلازمة التي صاحبت الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتنويه لمغادرة القائد عبد العزيز آدم الحلو الخرطوم، متجهاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد استيائه من الانتقادات التي وجهت لشخصه، من قبل بعض قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان، ومنهما القياديان المثيران الراحل ” تيلار رينق” و “أليو أيانج”؛ وكذلك غادر القائد “ياسر عرمان” إلى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الإشكاليات والصراعات التي نشبت داخل أروقة الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد وفاة زعيمها وقائدها ومفكرها.(22)
ويشرح الفصل بالتفصيل القرارات والتدابير والإجراءات، التي إتخذتها قيادة الحركة لتطوير مؤسسات وهياكل الحركة الشعبية. كما يستعرض التطور التاريخي لآليات وهياكل ومنهجية إتخاذ القرار داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ بدايات تأسيسها ومولدها في مايو ١٩٨٣م، مروراً بتفاقم الصراع بين قادتها والذي قاد إلى إنقسامها في أغسطس ١٩٩١م. وركز هذا الفصل على إنعقاد مؤتمر الحركة الشعبية لتحرير السوادان الأول، الذي أُجري في أبريل ١٩٩٤م.
المؤتمر العام الأول الذي أُتخذت فيه ثلاث قرارات ترتبط بإعادة هيكلة وتنظيم الحركة، الأولى:  »إعلان ميلاد السودان الجديد الذي تضم أراضيه المديريات الجنوبية الثلاثة السابقة، إضافة لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق«، ثانياً » :إنشاء مجلس التحرير القومي«، ثالثاً »:تكوين المجلس التنفيذي القومي الذي تكون من ٢١ عضواً، من بينهم الرئيس ونائبه إضافة إلى ١٩ سكرتيراً تنفيذياً«.(23)
وبهدف تنشيط مؤسسات الحركة أصدر رئيس الحركة ” سلفا كير ميارديت” في مطلع عام 2007م، »قراراً بتشكيل مجلس التحرير القومي الانتقالي عوضاً عن المجلس التنفيذي. وتم تشكيل المجلس الانتقالي من سكرتيري الحركة في قطاعي الجنوب والشمال، إضافة إلى رؤساء الحركة الشعبية في الولايات الشمالية والجنوبية، وأعضاء المجلس الوطني، وعدد من الوزراء في الحكومة الإتحادية«. ومن ثم» عقد مجلس التحرير القومي الانتقالي اجتماعه الأول، برئاسة سلفاكير ميارديت، في ياي، جنوب السودان، خلال الفترة 8-12 فبراير 2007م، تناول المجلس في مداولاته جملة أمور، أهمها: تحول الحركة إلى تنظيم سياسي، تنفيذ اتفاقية السلام والشراكة مع حزب المؤتمر الوطني، علاقة الحركة الشعبية مع القوى السياسية الأخرى ومشاركتها في عملية السلام، مراجعة أداء الحركة الشعبية على كافة مستويات الحكومة«. و »فيما يخص تحول الحركة الشعبية قرر المجلس عدة أشياء أهمها: تظل الحركة الشعبية لتحرير السودان حزباً سياسياً وطنياً مفتوحاً لجميع السودانيين، ومناصراً لمسيرة التحول الديمقراطي«.(24)
ولا زال غرض تحوُل وتطور الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى حزب سياسي، غرضاً قائماً إلى يومنا هذا، دون مساعي جادة وحثيثة تحققها، وبلا إرادة سياسية تخطو نحوها، ولسبب وجود متاريس وعثرات سياسية قائمة تشكل سداً مانعاً لهذا الغرض السياسي الأهم.
وعند خواتيم هذا الفصل الخامس، ورغم التباعد والتنافر الإيديولوجي والمنطلق الفكري، استوقفتني مسألة تكليف الراحل دكتور منصور خالد من قبل مدير جهاز الأمن الوطني الأسبق –  صلاح قوش، لإعداد دراسة عن تطوير أكاديمية الأمن العليا، ولأن الوطن فوق حدقة العين، ويسمو فوق أعلى المعاني الحزبية والقيمُ الايديولوجية والمفاهيم السياسية، كلف قوش منصور وقبل الأخير الأمر، وقام »بتشكيل فريق عمل متكامل، ذوي تخصصات علمية مختلفة تضم عضويته دكاترة من أصحاب العمل الدبلوماسي ومؤرخين تاريخيين، وقانونيين وأساتذة العلوم السياسية، وأخصائي إدارة الأعمال، الذين عملوا على إعداد مقترح الدراسة بعد ستة أشهر متواصلة دون إنقطاع، قاموا فيها بزيارة دولتي جنوب أفريقيا وبريطانيا للإطلاع على تجاربهم والاستفادة منها ووضعوا قواعد متينة ومؤسسة لتطوير نهج البحث العلمي والأكاديمي«.(25)
وأشهد أن الأكاديمية العليا للدراسات الإستراتيجية والأمنية، تعد الآن أحد أهم الأكاديميات الإستراتيجية العلمية البحثية الكبرى في الشرق الأوسط والوطن العربي ودول شرق أفريقيا. وأُنشىء لها مقر ضخم، يضم قاعات دراسية مهيأة للدراسة بشكل مريح، وقاعات لمؤتمرات علمية كبيرة، ومكتبة تعج بمراجع وبحوث مفيدة، وأساتذة ودكاترة وبروفات ذوي شأن علمي وأكاديمي مقدر ومحترم، ويكتظ بطلاب الدراسات العليا، من الدبلوم والماجستير والدكتوراة، بجانب معهد مصاحب للأكاديمية لدراسة اللغة العربية لغير الناطقين بها، وملاعب رياضية، لكرة القدم والسلة والطائرة، وحوض للسباحة، وصالة رياضية ضخمة للمشاهدة ولممارسة الأنشطة الرياضية الأخرى، وتتطور مناهج ومقررات هذه الأكاديمية من وقت لآخر.
الفصل السادس وعنوانه: حوار الدين والدولة.
من الفصول القليلة لهذا الكتاب، حيث لا تتعدى عدد صفحاته أكثر من خمسة عشرة صفحة، وهو فصل تأملي. فصل للتأمل في الذات وفي الآخر، وكان التحدث فيه للروحانيات التي لا تحتاج تأملاتها للثرثرة وتطويل الحديث، فهي فقط بحاجة إلى مضامين إيمانية راسخة وثابتة.
هكذا جاء هذا الفصل حوارياً وتأملياً، تهمه شؤون الدنيا والآخرة، وبصيغة ما حوار الدين والدولة. ويتبادل فيه دكتور الواثق والراحل د.منصور خالد  بعض الآراء والأفكار، حول الشروط المهمة الكافية في جعل تحقيق الوحدة الجاذبة! والرد من قبل الواثق- عليها، أو في الرد على دفوعات منصور، بجانب تعليق على أطروحة عبد العزيز الحلو، حول الدين والدولة.
إزداد الكتاب رونقاً وجمالاً وتشويقاً لم يخرجه عن مضمونه بالقصص والطرائف التي جاءت فيه، والقدرة الفائقة لدي دكتور الواثق في الصياغة البلاغية الجميلة وعكسها للقارئ، الذي يتفاعل معها وكأنه يعيش واقع تلك الطائف وكأنه حاضراً إياها، حتى أن الواثق نفسه يعتبر سرده لهذه الطرف» بمثابة فواصل ترفيهية لنفسه وللقارئ، حتى يصفي هو ذهنه لكتابة المحطات السياسية القادمة«، ويتلقاها القارئ مُمتعة ومُحبذة للقراءة! وتُرسم الإبتسامة في وجهه.
الفصل السابع: الفرص المهدرة والاستفتاء على الأبواب
أكثر فصول الكتاب تعقيداً وشحناً للقضايا السياسية والتحديات المعقدة التي لازمت الحركة الشعبية لتحرير السودان لسنين طويلة، وفي سياق بحثها المتواصل في تحقيق تحوُل الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى تنظيم سياسي ووفق معايير الأحزاب السياسية الفاعلة في الحراك السياسي في السودان، والقوانين المنظمة لفعاليات الأحزاب السياسية وأنشطتها.
ولتحقيق هذا المسعى يقول: الواثق »في 13 يناير 2008م أصدر الفريق سلفاكير ميارديت رئيس الحركة الشعبية قراراً (03/ 2008) قضى بتشكيل “لجنة تنظيم المؤتمر القومي الثاني للحركة الشعبية”، برئاسة جيمس واني ايقا، رئيساً للجنة، عبد العزيز آدم الحلو نائباً للرئيس « دشنت هذه اللجنة أعمالها بالخرطوم في 16 فبراير 2008م.(26)
وبعد صدور القرار، أُوكل للجنة القيام بمهام عدة، من أهمها، إعداد وتنظيم المؤتمر العام للحركة الشعبية، اقتراح آليات ومعايير المشاركة والتمثيل في المؤتمر على أساس برامج وأولويات الحركة، وبغرض تحقيق هذه المهام تم إنشاء لجان فرعية تقوم كل واحدة منها بموضوع محدد وتقديم تقاريرها إلى اللجنة المنظمة ورئيسها .وكان من نصيب دكتور الواثق رئاسة لجنة كلفت بأمرين هما: تحديد برامج ونشاطات الحركة للمؤتمر القومي، وإختيار شعار المؤتمر. وقد هدف المؤتمر القومي الثاني للحركة الشعبية إلى وضع أسس لبناء حركة قوية وموحدة ومتجددة برؤية واضحة، ورسم المسار وتحديد الاتجاه الصحيح، وتوضيح البرامج والسياسات اللازمة لتحقيق الرؤية.(27)
كما كان دكتور الواثق عضو لجنة فرعية هامة، وهي لجنة المانيفستو التي ضمت في تشكيلتها: باقان أموم الأمين العام للحركة، رئيساً للجنة، الواثق كمير نائباً للرئيس، وعضوية عشرة آخرين على رأسهم الدكتور منصور خالد. وفي إجتماعها الأول الذي دعا إليه باقان أموم في 30 مارس 2008م، تم تحديد الموضوعات وفقاً لجدول أعمال تضمنت: خطوط عريضة لجدول محتويات وثيقة المانيفستو وتحديد المواضيع الرئيسية والقضايا الأساس، وتعريف وتفصيل رؤية السودان الجديد، صياغة خارطة طريق لتنفيذ الرؤية في الواقع. وخرج الاجتماع بأن يساهم الأعضاء في تجميع الأفكار والاستراتيجيات الأساسية، وجمع كل الببليوغرافيا ذات الصلة، من مانفيستو 1983م، ومقررات المؤتمر القومي الأول 1994م، وجميع خطابات رئيس الحركة الراح الدكتور جون قرنق.(28)
وأحسب أن إهمال وضياع معظم الوثائق عبثاً، من الخطابات والحوارات ومقررات الاجتماعات ومقترحات المؤتمرات المتعلقة بأنشطة ونضالات الحركة الشعبية، وهي وثائق تمكن من المساهمة في كتابة تاريخ الحركة الشعبية وأيام أمجادها، فهذا أمرٌ فاضح لقادة الحزب.
وبخصوص المؤتمر العام الثاني ولجنة المانيفستو التي ينوب رئاستها الواثق، يقول » :ما زال يوم 16 مايو 2008م عالقاً بذهني، فبعد أن قدم فاقان أموم مشروع المانيفستو للمؤتمرين، فاجأني بمخاطبته لهم بأن الواثق كمير هو من قام بصياغة 85% من هذه الوثيقة، لذا أطلب منه أن يتقدم إلى المنصة للتعقيب.«(29)
 يذكر الواثق في سرده أنه لم يكن مستعداً للخطاب، وخصوصاً مخاطبة جمهور يتجاوز عددهم الألف وخمسمائة، ولكنه بتوفيق من عند الله نجح في إرتجال كلمة مقتضبة .وإذ ما شاركتُ القارئ العزيز ما شكله الخطاب الرصين، فقول الارتجال لا يشير إلّا إلى مدى تواضع الدكتور الواثق؛ وإلّا فكيف لخطاب مقسم إلى نقطتين مهمتين :الأولى تشتمل على سرد مبسط لخلفية المخاطب وتاريخ ميلاده وأصوله، ويقدم فيها مبررات تعبر عن تسامحه وتعامله مع قضايا الجندر والوقوف بجانب النساء لمدى حساسيته الجندرية .!وتحوي النقطة الثانية :قيم من صلب المشروع الفكري للحركة الشعبية لتحرير السودان ورؤيتها الطامحة لسودان جديد، بجانب تاريخها السياسي الطويل وكفاحها المسلح في كافة أنحاء وربوع السودان، فبربك كيف لخطاب يحمُل هذي القيم الجميلة كلها أن يُرتجل؟!.
ويوثق هذا الفصل السابع لواحدة من المشكلات التي استحقرت كثير من الوقفات في تاريخ الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي تم تناولها في هذا الكتاب، وهي طبيعة تمثيل القادة الشماليين في القيادة العليا في الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتمثيل الشماليين في الحكومة الإتحادية والأجهزة التنفيذية، وكتابة الواثق لرسالة إلى رئيس الحركة والمكتب السياسي، يكشف فيها عن ملاحظاته حول المؤتمر العام الثاني وبشأن تمثيل الشماليين في المؤسسات القيادية للحركة.
وكتب دكتور الواثق مذكرة ضافية بعد أن أصدر رئيس الحركة الفريق سلفاكير ميارديت قراراً بتكوين المكتب السياسي للحركة من 27 عُضواً قام بتسميتهم في الجلسة الختامية للمؤتمر العام، وهي التشكيلة التي وصفها الواثق  »بغير المتوازنة، تحصل فيها أعضاء قطاع الجنوب بالحركة على ٧٤% من عضوية المجلس ومنها ٤% فقط للمنطقتين بينما كان نصيب قطاع الشمال كله فقط 14,8% «.(30)
وبانت في ورقة القضايا الأثنتي عشر التي أثارها الواثق، وفي لهجة الخطاب والرسالة التي بعث بها إلى رئيس الحركة، الحسرة والغضب والزهج؛ والتي ذكر فيها الواثق توجه الحركة جنوباً وإهمالها عن قصد تطور الحركة شمالاً .وظهر هذا بوضوح في نقطته الثانية عشر، والتي أشار فيها إلى سوء المعاملة، والمضايقات والإذلال والإهمال، وما تعرض له شخصياً. مع أنه حجب ما تعرض له شخصياً.(31)
حملت أيضاً ورقة القضايا الأثني عشر ثلاث توصيات لإصلاحها، أولاً: إعادة النظر على الفور في قضية تمثيل الشماليين في المكتب السياسي لقفل أي صراعات أو إنقسامات في صفوف الحركة. ثانياً: تقييم وتقويم المؤتمر القومي الثاني، من حيث الإعداد والتنظيم والأنشطة والنتائج، بالإضافة إلى مراجعة ميزانيته ونفقاته من قبل شركة محاسبة مرموقة. ثالثاً: مطالبة الأمين العام، ونائبه لقطاع الشمال، أن يتعاونا معاً لتحديد الثغرات وسدها من خلال البناء على، وتعزيز الهياكل التنظيمية للقطاع لاستيعاب قواعدها المختلفة.(32)
ويختتمُ دكتور الواثق الفصل السابع بالحديث عن لجنة الحركة لاستراتيجية الانتخابات العامة، والبحث عن حوافز لترجيج خيار الوحدة، وبخصوص اللجنة أصدر رئيس الحركة قراراً كون بموجبه اللجنة، وتكونت من (45) عضواً من قطاعي الجنوب والشمال، »تضمنت مهام اللجنة، بحُكم المرسوم، الآتي: صياغة الخطة الإستراتيجية والعملية للحركة للتنافس على الانتخابات القومية، والولائية والمحلية، بما في ذلك التوصيات بشأن التحالفات السياسية المحتملة على هذه المستويات، ووضع خطة معايير لتسمية مرشحي الحركة الشعبية مع إيلاء الاعتبار الواجب لأهلية المرشحين وقابليتهم للانتخابات، تمثيل النوع الإجتماعي، والالتزام بالقيم الأساسية وبرامج الحركة، والتوصية بتشكيل لجنة أو فرق إدارة الحملة الانتخابية للحركة على المستوى القومي والولائي، لإدارة الحملات الانتخابية على كل مستوى، التوصية للمكتب السياسي باعتماد القائمة النهائية لمرشحي الحركة للانتخابات على جميع المستويات«.(33)
 والجدير بالذكر أن أمر إعداد الخطط الاستراتيجية للحركة لازال يواجه تحديات جاثمة في صدر الحركة، مع إستمرار إفتقارها لمعايير تسميتها لمرشحيها حتى داخل الحزب، ولأبسط المعايير المتوقعة، ودون إيلاء أي اعتبارات قدرات وأهلية الشخص لأي تكليف حزبي أو تنفيذي، والأمر الأكثر إحراجاً هو ما يخص واقع قيادتها ومكتبها السياسي اليوم.
وللبحث عن ترجيح الوحدة يقول الواثق:  »كان لوال قلقاً على مستقبل وحدة البلاد، مما دفعه للمبادرة بفكرة تعبر عن حرصه على بقاء السودان مُوحداً. تتلخص مبادرة لوال في ضرورة تكوين مجموعة صغيرة مختارة من المهتمين، والمهمومين بقضية وحدة البلاد، من كتاب الرأي والاعلاميين. وتهدف هذه المجموعة إلى التفاكر حول سبل تحقيق “الوحدة الجاذبة”، بتوفير حوافز تدفع الجنوبيين للتصويت لصالح الوحدة في الاستفتاء المرتقب، تحت عنوان عريض: “نيفاشا plus”«. ويرى الواثق أنه إذا كان هنالك شخص آخر وحَدوِّي بعد دكتور جون قرنق  بلا شك فهو لوال، قائلاً»: إن كان في الحركة إثنان فقط من القيادات الجنوبية يؤمنان بوحدة السودان، لا أتردد في القول أن أحدهما جون قرنق والثاني لوال دينق، المقرب من الزعيم الراحل«.(34)
من الأشخاص والأسماء الكثر الذين تعامل معاهم الواثق، والمذكورين في صفحات الكتاب هذا، لسبب أو لآخر، مررت على اسم شخص؛ إن لم يكن تطابقاً للأسماء فقط! وإن كان المقصود هو عند الواثق، فقد تعرفت عليه في  أوائل العام 2015م، كان رجلاً طويل القامة، جميل الروح والشكل، خلوق ومهذب، شجاع وصاحب مواقف، مثقف وذكي، يمتاز بروح القيادة، ويتشبع بقيم ومبادئ السودان الجديد، كان يشغل منصب سكرتير النائب الثاني لرئيس الحركة  ورئيس لجنة الانتخابات حينها، جيمس واني ايقا، وقد بعث برسالة عبر بريده الالكتروني للدكتور الواثق في 19 فبراير 2009م، يبلغه بموعد أولى إجتماعات لجنة إستراتيجية الانتخابات العامة، كان ذاك الشاب الخلوق هو “ممابي بوسكو”، الذي باشر دراسته ونال درجة الدكتوراة مؤخراً، ويا للأسف فقدنا هذا الانسان الجميل قبل عامين أو أقل لعلة مرضية، له رحمة الرب ومغفرته.
الفصل الثامن: الاعتماد المتبادل ومستقبل الحركة الشعبية
أعتبر هذا الفصل، فصل المبادرات وتقوية العلاقات بين الدولتين: السودان وجنوب السودان، وفك الإرتباط بين قطاعي الشمال والجنوب وتحديات مستقبل الحركة الشعبية لتحرير السودان، ويسعى الفصل إلى التوضيح والكشف عن الجهود التي بذلت إستباقاً في حالة وقوع الانفصال، ومستقبل أي من الدولتين وعلاقاتهما على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، تركيزاً على » “مبادرة فيينا الاعتماد المتبادل بين الشمال والجنوب”، المبادرة التي إستضاف المركز النمساوي للدراسات السياسية والأمنية، أولى اجتماعاتها لإطلاقها في ١٠ – ١١ نوفمبر ٢٠١٠م وبمشاركة وتعاون عدد من مراكز الدراسات الاكاديمية والسياسية«.(35)
ويفيد هذا الفصل باتصال دكتور منصور خالد بالدكتور عبدالله حمدوك مطالباً إياه بإستضافته في إحدى قاعات المفوضية الاقتصادية للأمم المتحدة ( ECA) في أفريقيا، حيث كان حمدوك حينئذ، يشغل منصب مدير قسم الحوكمة والإدارة العامة.(36)
أفرزت إجتماعات فيينا المذكورة آنفاً، العديد من الأوراق والحوارات والأفكار. ومن تلك الأفكار جاءت مشاركة الصحفيين والإعلاميين في هذا الاجتماع وخروجهم بفكرة إنشاء شبكة إعلامية أطلقوا عليها إسم “شبكة الإعلام من أجل السلام “وضمت هذه الشبكة أحد الصحفيين الجنوبيين ،هو “ميوم ألير” ومعه صحفيين آخرين من السودانييين الشماليين تعاهدوا بالمثابرة في الترويج لفكرة الاعتماد المتبادل وخلق رأي عام داعمٍ لها.(37)
كلف دكتور الواثق بصياغة مذكرة تفاهمية لمنبر أو مبادرة فيينا. وفي إجتماع فيينا الخامس الذي سعى إلى تحقيق أهداف مبادرة فيينا وإقناع رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان “سلفا كير ميارديت” بتبني مشروع فيينا الخامس، لعب منصور ولوال دوراً كبيراً في إقناعه.
وأشرك دكتور الواثق، دكتور عبدالله حمدوك في إعداد المذكرة التفاهمية وتوصلا في الإعداد النهائي للمذكرة تحت عنوان:  »إدارة وتعظيم الاعتماد المتبادل: نحو علاقات منظمة ومؤسسية بين الشمال والجنوب» .أعدت مسودة المذكرة وقسمت إلى ستة إجزاء: 1) مبادرة فيينا الخلفية والغاية، (2 فيينا: IV الأهداف المحددة، (3 الترتيبات المؤسسية للاعتماد المتبادل: التحديات، 4) العلاقات الهيكلية والمؤسسية بين الشمال والجنوب: المهام المطلوبة، (5 مناطق التمازج: الحاجة إلى خطة ومشروع مارشال، و (6القطاع الخاص، الاعلام، والمجتمع المدني«.(38)
وفيما يتعلق بفك الإرتباط بين قطاعي الحركة، »عُقد اجتماع في جوبا في 12 – 15 فبراير 2011م لمناقشة ثلاث أجندة رئيسة: أولها، توقعات الحركة الشعبية بعد الاستفتاء، ثانيها، القضايا العالقة بعد الاستفتاء، وثالثها، وربما أبرزها: هو مستقبل الحركة الشعبية عقب الانفصال. في الموضوع الأول تبنى المكتب السياسي توصيات تقرير مجموعة عمل استفتاء والتي تضمنت: أن يكون اسم الدولة الجديدة هو: جمهورية جنوب السودان، وعملة الدولة الجديدة جنيه جمهورية جنوب السودان، وتشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة. وفي الموضوع الثاني، أبدى المكتب السياسي أسفه لتلكؤ المؤتمر الوطني في تنفيذ بعض البنود الأساسية في اتفاقية السلام الشامل.«(39)
»أما فيما يخص خارطة طريق وإستراتيجية فك الارتباط بين الحركة شمالاً وجنوباً، فقد تبنى المكتب السياسي جميع توصيات التقرير المقدم من القيادة الانتقالية المكلفة بإعادة تنظيم الحركة الشعبية في شمال السودان، وعلى رأسها (1: الإبقاء على وجود حركة شعبية فعالة في الدولتين تتمسك برؤية السودان الجديد لمصلحة السلام، الاستقرار، وحسن الجوار ورفاهية الشعبين في الدولتين، و (2 اعتماد الهياكل القيادية المقترحة للحركة الشعبية في شمال السودان مع الدعوة إلى مشاركة المرأة في كل مستويات صناعة القرار«. (40)
يمكن القول أن الفصل الثامن هو أطول فصول هذا الكتاب، إذ أنه يتناول القضايا الأكثر تعقيداً وتشابكاً، بعد الانفصال، فقد حمل هذا الفصل كافة مبادرات تحسين العلاقات وتقويتها بين الدولتين، وفك الارتباط بين الحركة الشعبية لتحرير السودان لتصبح حركتين شعبيتين، إحداهما في جمهورية السودان والأخرى في جمهورية جنوب السودان، بجانب تناول هذا الفصل  لتفاصيل نشوب الصراع بين قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمالاً وجنوباً، لذا احتل هذا الفصل لوحده عدد ٤٦ صفحة.
الفصل التاسع: الانفصال مساعي الساعة الخامسة والعشرين
أكثر فصول الكاتب قلةً، فصل الأوقات الضيقة، الساعات والدقائق الأخيرة، حيث يجسد هذا الفصل ضيق الأوقات الأخيرة وصعوبتها وتوتر الأعصاب فيها، وهي من أقل فصول هذا الكتاب في عدد الصفحات، وتناولاً للمحاور.
إستهلالية القراءة المعبرة والموضوعة في أعلى فاتحة القراءة، اقتبستها هنا من جوهر هذا الفصل التاسع، ومن داخل مساعيها، وفي ساعتها الخامسة والعشرين، وهي الرسالة القوية معنىً وجوهراً ومضموناً، وهي المرسلة من قبل دكتور الواثق لقادة جمهورية جنوب السودان، وأعضاء المكتب السياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان؛ إحتفاءً بميلاد إعلان رفع علم البلاد، ورفرفته عالياً في سماء المدينة الرائعة جوبا.
وتعبرُ الرسالة عن عمق العلاقات ومتانة أواصر الروابط الاجتماعية بين شعبي الدولتين، ومدى الحفاظ عليها، رغم القرار السياسي المتخذ من قبل مواطني جنوب السودان، وتفضيلهم واختيارهم طوعاً وإرادةً التصويت لخيار الانفصال بدلاً عن خيار الوحدة.
فتأمل مجدداً ما قاله د.الواثق في رسالته» :أعزائي الرّفاق والأصدقاء. تمنيتُ لو كُنتُ هُناك في جوبا بينكم للاحتفال معاً وعيش هذه اللحظة التاريخيّة التي ساهمتُم جميعاً في تحويلها إلى حقيقة. إنه يمثل نهاية طريق طويل مُلطخٌ بالدّماءٍ والتضحيةِ. لكن عليكم جميعاً أن تجمعوا رُؤوسنا معاً للسّفر في طريق جديدٍ مليءٍ بالتحدياتٍ الهائلة. دعونا نعمل جميعاً معاً لترسيخ السّلام المُستدام من خلال بناء علاقاتٍ مُنظمة وتأسيسيّة بين شّعوبنا في الشّمال والجّنوب. ألف مبروك وأطيب التمنيات للسّلام والإزدهار.«
الفصل العاشر والمعنون بـــــــ: أطروحة د. منصور: السلام ووحدة البلاد: الفرص المُهدرة.
وكأن الكاتب بقصد أو بإلهام حبذ أن تكون بدايات هذه الرحلة التوثيقية الطويلة، وحكاويها وتحدياتها وصعابها، بدءً برحيل الدكتور منصور خالد في فصلها الأول، وأن تُختم نهايات الرحلة بأطروحته عن السلام، ووحدة البلاد، في دلالالة لا تفهم إلّا خروجاً من الذات لملاقاة الآخر، إذ أن الطبيعة الكتابية لا الإلهية في تصوري، تلتزم نهجاً؛ أن تكون أطروحته للسلام والوحدة في مقدمة فصول هذا الكتاب، وأن يُختم هذا الفصل الأخير، برحيل الدكتور منصور خالد المؤسف، ووفق هذا التصور المتواضع، يأتي هذا الفصل العاشر عندي معنوناً: الخروج من الذات لملاقاة الآخر: نهايات الرواية!.
ولكن كانت للإرادة الإلهية هنا مشيئتها، وهي أن تروى قصة “الراحل منصور خالد” وحكاويه ورحلاته ومشاويره وإسهاماته، وإطروحاته بحثاً عن السلام والوحدة في خواتيمها، وتأتي مصيبة رحيله في أولى فصولها، في دلالة لا تفهم أيضاً إلا “خروجاً للذات لملاقاة الآخر”، أو بعبارة أخرى “الذات التي خرجت أحبت أواخرها الملاقاة” .
عذراً دكتور الواثق..لن تجرؤ القراءة هذه على تعديل ما سطرته من فصول، حاشا ذلك. ولكن وبمنطق القراءة، ولو سمح شخصك لها أستأذنك بأن أقول أن هذا الفصل العاشر والأخير “هو أولى فصول هذا الكتاب”، حيث منزل الراحل منصور خالد القاطن في وسط عاصمة السودان الخرطوم، حيث أطروحته للسلام ووحدة البلاد، حيث الفرص المهدرة في تحقيق السلام والوحدة، حيث تحدث الراحل منصور خالد عن الأنفس المريضة بداء الحسد والغيرة المنتشرة وسط السودانيين، وبصورة تدعو إلى الخوف والرعب، وطالب ب”الدعاء” حمايةً وتحسباً لهذا الحسد.
وقد أسدل الكاتب الستار في هذا الفصل، وتوقف عن تكملة قصة هذه الرحلة الطويلة منذ ١٩٨٦م واللقاء بالراحلين، الدبلوماسي والعلامة الراحل منصور خالد والمناضل الفذ والجسور الدكتور جون قرنق دي مبيور. وهي الرحلة التي استمرت لأعوام واتسمت بالحوارات وتباين الآراء والخلافات، والمرافعات والتحديات والصعاب والمحطات السياسية التحررية الهامة.
ولأن القصة والرواية تبدأ في اعتقادي بهذا الفصل، فقد أفرد لها الكاتب مساحةً بعد توقف مداد قلمه كتابةً لخروجه عن ذاته، ليتناول في الجزئية الأخيرة من هذا الفصل ما أطلق عليه “أطروحة منصور خالد حول السلام ووحدة البلاد: الفرص المهدرة”، وهي أطروحة شكلت تشخيصاً مفصلاً لكافة القضايا والأوضاع السياسية التي مرّ بها السودان ولا زال يمر بها، وما آلت إليه تلك الأوضاع السياسية وتأثيراتها على الخارطة السياسية السودانية، منذ الإستقلال وإلى يومنا هذا.
حيث تُعد المشكلات هي ذات الاشكاليات أو هي نفسها، سياسياً واقتصادياً وإجتماعياً، وهي تتمحور حول سياسات الحكومات السودانية المتعاقبة على السلطة، وإدارتها الهشة للسودان، وفشلها الذريع في معالجة كافة قضايا السودان، الحرب، وتحقيق السلام، وتعزيز وحدة السودان، إدارة التنوع والتعدد الثقافي، ومعالجة كافة الاختلافات والمظالم التي تقف حجر عثرة أمام إستقرارها وتطورها ونهوضها. ولا زال الحال هو ذات الحال! بل أكثر سوءً، على قول الراحل منصور خالد واصفاً للأوضاع السياسية في السودان بمداد قلم الدكتور الواثق كمير » رغم تغير الظروف، بقي الحال كما هو عليه«.(41)
رابعاً: خاتمة الكتاب:
في خاتمة هذا الكتاب القيم يتطرق الدكتور الواثق كمير، للبحث الطويل والمستمر لتحقيق عملية السلام، وحاجة السودان للتوصل إلى إتفاق سياسي شامل يحقن الدماء المتدفقة بإستمرار في كافة أرجائه. مستشهداً بما حدث من توقيع لإتفاق سياسي سوداني بوساطة من حكومة جمهورية جنوب السودان، وهو إتفاق جوبا لسلام السودان الذي وقع في 3 أكتوبر 2021م، بين حكومة السودان الإنتقالية والحركات المسلحة في إقليم دارفور، والتي تحولت تسميتها لاحقاً إلى أطرف العملية السلمية، نتيجة صراعات نشبت بين هذه الأحزاب والحركات التي ضمتها الاتفاقية، ولا زالت المساعي جارية إلى يومنا هذا، لضم القائدين عبد العزيز الحلو، وعبد الواحد محمد نور الذي يطرح مبادرة الحوار السوداني_السوداني.
خامساً: ملاحق الكتاب:
يتزيل الكتاب بمجموعة من الملاحق، الأولى منها، تُعد شهادات وتعليقات في حق الراحل منصور خالد، ثم ستة ملاحق أخرى تتعلق برسائل وخطابات كتبها دكتور الواثق، وتعقيباً للراحل دكتور جون قرنق في لقائه مع القوى الحديثة، ووثيقة الرؤية والبرامج الاطاري في خاتمة الملاحق، وأخيراً مراجع باللغتين العربية والانجليزية.
الملاحق الأولى :تعليقات خمسة من السفراء:
عرفها الكاتب “ملاحق أولى”، على الرغم من أنها خمسة تعليقات لعدد خمسة من السفراء السودانين، الذين زاملوا وتتلمذوا على يد وفكر دكتور منصور خالد وهم: السفير جمال محمد إبراهيم، والسير طارق أبو صالح، السفير عبد الوهاب الصاوي، الدكتور/السفير علي يوسف، والسفير نور الدين ساتي. ولكونهم ينطلقون من فكرة متقاربة أو بالأحرى فكرة واحدة، في تعليقاتهم وإنطباعاتهم عن الراحل منصور خالد، فهي ما أدت بالضرورة إلى تسمية تعليقاتهم مجملاً “ملاحق أولى”.
في تعليقه يحدثنا السفير جمال محمد إبراهيم بتعبيرات جميلة عن الراحل منصور خالد، كلمات تحمل معاني بسيطة ورائعة وعميقة، يقول فيها » :فما لي أن أحكي عن الراحل إلا بعض ما كسبتُ من تجربتي الدّبلوماسية حينَ كان منصور وزيراً ملء كرسيه، وكنا نحن ثلة من ناشئة الدبلوماسيين في أول درج الدبلوماسية، نستهدي بما رفدنا من كتاباته المذهبة في السياسة والدبلوماسية والتاريخ الاجتماعي للسودان. ترى ما الذي سيُكتبُ عن منصور بعد شذراته التي نشرها في أجزاء أربعة قبيل رحيله بنحو عامين، وحوت مخابر سيرته الذاتية، ثم جماع تجاربه، وزيراً ومفكراً شامل الرؤى، وبلغ حجمها ألفاً ونيف من الصفحات؟«.(42)
ويقول: السفير طارق أبو صالح في تعليقه »:منصور خالد عبد الماجد من الأسماء اللامعة التي برزت شامخة في السُودان ونالت شُهرة كبيرة خلال العُقود الستة التي تلت الاستقلال. واختلف الناس أم أتفقوا مع منصور خالد، إلا أنه يظل أحد الأعلام السامقة في السودان الحديث، فهو مُثقفٌ موسوعي ومُفكّرٌ فذ وأكاديميٌ مرموق وباحثٌ مُدقق وكاتبٌ وقانونيٌ ضليع ودبلوماسيٌ من الطراز الأول.«(43)
مضيفاً» يُشكلُ منصور خالد رقماً مُهماً لا يُمكن تجاوُزه في السّياسة السُودانية ويُعتبرُ بمُساهماته ومُشاركاته في مُختلف عُهود الحُكم مُنذ الاستقلال من أهمّ الشخصيات المُؤثرة في العمل السّياسي، كما أنه من أبرز رُمُوز الفكر وألمع نجوم الدِبلوماسيًة في السُودان«.(44)
وكيف لا يعلق هكذا السفير طارق أبو صالح وهو الذي حفزه دكتور منصور خالد، وشجعه على الإطلاع والقراءة، وحفزه للكتابة عن تاريخ وزارة الخارجية السودانية – التاريخ الذي له مكانة من الأهمية منذ ولادة الدبلوماسية في ثوبها السوداني. وكانت الفكرة عبارة عن كتيب أعده السفير طارق عن تاريخ ونشأة وزارة الخارجية السودانية، ونصحه منصور بتوسيع المادة لتنشر كمقالٍ، فقام بذلك ونشر المقال في مجلة السفير في يناير 2017م، وصحيفة السوداني في مايو 2018م. وعندما قرأ منصور الحلقات الثلاث من المقال بعنوان: لمحات من تاريخ وزارة الخارجية”، حفزه وشجعه على توسعيها إلى كتاب. ويعمل السفير  طارق اليوم على تطوير الفكرة وإخراجها كمشروع توثيقي ضخم لتاريخ وزارة الخارجية منذ نشأتها، وإننا نترقب رؤية هذا العمل التوثيقي المهم بين أيدينا عما قريب.(45)
فيما يعتبر السفير، عبد الوهاب الصاوي، أن دكتور »منصور خالد تربى على الإرث الأمدرماني الصوفي رغم حداثته، من حيث فكره وأطروحاته وآرائه ومواقفه وخروجه من ذاته«.(46)
وفي وصفه الجميل لمنصور، على أن أناقته تشابه جوهره!، وهو وصف يُشكل المدى البعيد لجوهر منصور التي تطابق تماماً أناقته، يقول: السفير الدكتور علي يوسف» لقد لفت الدكتور منصور خالد إنتباهي وأنا في بدايات حياتي الدبلوماسية عندما انضممتُ لوزارة الخارجية في سبتمبر 1973م بأناقته الباريسية المُتميّزة، فكان بحق عارض أزياء يقدم لوحة فنية عن تمازج الألوان كل يوم، وربطات العنق الجميلة، خاصة “البابيونات” التي تشبه ورود الزينة، والحق يقال أنني لم أقابل خلال حياتي العملية الطويلة من هو أكثر أناقة من منصور في تشابه عجيب بين المظهر والجوهر«.(47)
ويستمر السفير علي يوسف في وصفه قائلاً »:كان منصور خالد إبناً باراً لبلاده السُودان، ووطنياً صادقاً، وإنساناً نبيلاً وصديقاً مخلصاً لأصدقائه وقد كان أحد أبرز وزراء الخارجية. كمان كان مفكراً ثاقب الفكر، وكاتباً نحريراً، قام بتأليف مجموعة من الكتب المرجعية في التأريخ والسّياسَة«.(48)
ويعلق السفير نور الدين ساتي بكلمات مقتضبة في وصفه للراحل دكتور منصور خالد »إنه مدرسة متفردة من مدارس الفكر السوداني بل والفكر العالمي. كما أنه مدرسة من مدارس الحَدَاثة التي تتميز بعُمق الفكر وأصالته، وتقديس الحُرية، وتوفير المعرفة وموسوعية المعارف، وتحقير الجهل والتزمُت، وعُمق الفكرة وجزالة العبارة. وهو مُفكرٌ، وسياسيٌ ودبلوماسيٌ ومُثقفٌ وكاتبٌ وأديب«.(49)
الملحق الثاني أو الملاحق الأخرى:
تزيل الكتاب بستة ملاحق أخرى، لا تقل أهمية عن الملاحق الأولى في هذا الكتاب، تدعيماً لها، وهي مجموعة من الرسائل وتقارير اللجان، ووثائق الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، منها الرسالة التي بعثها الكاتب الواثق كمير إلى وزير الخارجية الإثيوبي – دكتور كوستانتينوس برهي تسفو، بتاريخ 24 يناير 1997م، وتعقيب المناضل الراحل دكتور جون قرنق دي مبيور، في اللقاء لذي جمعه مع القوى السياسية الحديثة في القاهرة في 3 ديسمبر 1997م، ثم تقرير تقييم مهمة وفد مقدمة الحركة الشعبية لتحرير السودان المرفوعة من قبل الواثق كمير إلى الراحل جون قرنق دي مبيور في 23 مايو 2005م، والخطاب المرسل إلى الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان باقان أموم من قبل دكتور الواثق كمير تونس، 7 أكتوبر 2008م، والخطاب الافتتاحي للجنة الرُّؤية والبَرنَامج، وأخيراً وثيقة الرؤية والبَرنَامج الإطارِي للحركة الشعبية لتحرير السودان – السودان.
خاتمة القراءة :
أتت وستبقى كتابة الدكتور الواثق كمير التوثيقية الحزينة هذه، إضافة حقيقية وثرة لإرشيف المكتبة السودانية والجنوب سودانية، وهي إضافة أخرى للمهتمين والمهمومين بقراءة التاريخ السياسي للسودان وبشكل أخص بتكوين ونشأة وتطور الحركة الشعبية لتحرير السودان ومشروعها الفكري، وإطروحتها الإيديولوجية، وإنقساماتها التاريخية المتكررة وانزلاقاتها نحو الهاوية.
وسيظل ما سطره الدكتور الواثق كمير في هذا الكتاب، من معلومات سياسية تاريخية، وحوارات فكرية، وأطروحات إيديولوجية، في رحلته الطويلة مع منصور خالد، والدكتور جون قرنق دي مبيور، والحركة الشعبية لتحرير السودان بحثاً عن السلام ووحدة السودان، معلومات توثيقية ذات أهمية قصوى، تتطلب قراءتها إستصحابها مع ما سبقها من كتب؛ سطرت لتاريخ وتأسيس ونشأة وتطور الحركة الشعبية لتحرير السودان، مروراً بتحديات وصعوبات الثورة والنضال، والإنزلاقات، والإنقسامات السياسية التي واجهتها، والحوارات الفكرية والإيديولوجية التي خاضتها.
فتأتي قراءة كتاب دكتور الواثق كمير هذا، لتدعم وتكمل مع غيرها من القراءات والكتابات والكتب مثل “السودان: الطريق الشاق للسلام، القصة الكاملة لتأسيس وتطور الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السّودان – ١٩٨٣ – ٢٠٠٥م، لكاتبه أروب مدوت أروب-  ترجمة: محمد علي جادين، محمد عثمان مكي”، وكتاب “جون قرنق – رؤيته للسودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانية، تحرير وتقديم دكتور الواثق كمير”، وكتاب “جنوب السودان: جدل الوحدة والانفصال، لمؤلفه الدكتور عبد الماجد محمد علي بوب”، وكتاب “سياسة التحرير في جنوب السودان، نظرة مطلّع للبروفيسور بيتر أدوك نيابا”، وكتاب “الثورة الشعبية لتحرير السودان [ثورة أفريقية]، تأليف/د.لام أكول، ترجمة: إسماعيل آدم – بشرى آدم”، وكتاب “جنوب السودان والحروب الدائمة، النخبة، الإثنية والدولة المعطوبة للبروف بيتر أدوك نيابا، ترجمة: يدجوك اقويت”، وكتاب “Dr.JOHN GARANG de MABIOR ATEM,A MAN TO KNOW, Edward Abyei Lino”، وغيرها من الكتب المتعلقة بتاريخ وتأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والنضال الثوري بشكل عام في السودان.
وتبقى أهمية  قراءة كتاب»  رحلتي مع منصور خالد، الخروج من الذات لملاقاة الآخر، جون قرنق والبحث عن السلام والوحدة« مع الكتب المذكورة، في اعتقادي ضرورية ومهمة حتى تنعدل بعض الصور الكثيرة المقلوبة، وتجيب عن كثير من التساؤلات العالقة في أذهاننا، والمتعلقة بهذه الحركة وتاريخها، لتتيح لنا الإجابات الشافية، ولتبقى فرصة سانحة لنا لتنقيح بعض القصص والتواريخ الكامنة، ولنعمل على الأقل على بيان ومقارنة تلك المعلومات ببعضها البعض، وقراءة ما خُفيّ بين السطور، ولوضع النقاط المفقودة والمحذوفة عمداً، فوق الحروف والنصوص المنقوصة قصداً، ولنخرج ولو قليلاً من ذواتنا لملاقاة الآخر.
المصادر:
1- الواثق كمير، رحلتي مع منصور خالد، الخروج من الذات لملاقاة الآخر، جون قرنق والبحث عن السلام والوحدة، مدارات للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم، 2021م .ص (303).
2- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (15)
3- الواثق كمير،2021، نفس المصدر،   (16)
4- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (17)
5- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (22)
6- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (23)
7- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص(25)
8- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (44)
9- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (73)
10- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (390)
11- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (123)
12- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (124)
13- الواثق كمير،2021، نفس المصدر، ص (125)
14- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (126)
15- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (153)
16- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (154 )
17- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (155)
18- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (158)
19- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (159)
20- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (161)
21- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (168)
22- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر،ص (173)
23- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر،ص (181)
24- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (182)
25- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص( 200)
26- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص(219)
27- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص( 220)
28- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص(220)
29- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (221)
30- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر،ص (229)
31- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر،ص (233)
32- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص(234)
33- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص(235)
34- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (240)
35- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (247)
36- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (248)
37- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (250)
38- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص(253)
39- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (268)
40- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (268)
41- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (320)
42- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (357)
43- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (359)
44- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (360)
45- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (366)
46- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (372)
47- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (376)
48- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (377)
49- الواثق كمير، 2021، نفس المصدر، ص (383)
kameir@yahoo.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق

تعليق واحد