لماذا نجحت ثورتا اكتوبر 1964 وابريل 1985 وتعثرت ثورة ديسمبر 2018؟ .. بقلم: د. محمد المنير أحمد صفى الدين


الثورات الشعبية ضد الأنظمة العسكرية فى السودان شكلت عاملا مهما فى اسقاط كل الحكومات العسكرية. ولكن بجانب التظاهرات كانت هناك ترتيبات مهمة من داخل البيت السودانى لضمان عدم تحول التظاهرات السلمية الى مواجهات دموية مع الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية. وهذا ما نفتقده الان وهو ما يجعل الكثيرين فى حالة قلق متزايد من مجريات الأحداث فى السودان. فى هذا المقال سأستعرض الترتيبات التى قادت لتنحى عبود، وتنحية النميرى والبشير، والمواجهة الحالية مع البرهان.
حكومة عبود دامت ستة سنوات (1958-1964). عندما اندلعت المظاهرات ضد الحكم العسكرى فى 21 اكتوبر 1964، قام عبود بتكوين حكومة انتقالية أشرك فيها المدنيين. لم يرضى الشعب برئاسة عبود للحكومة الإنتقالية لأن الناس قد أجمعوا على أن عبود هو رأس المشكة. لذا استمرت التظاهرات والمواجهة مع السلطات الأمنية. زحفت التظاهرات نحو القصر الجمهورى وحينها أطلقت السلطات الأمنية النيران على المتظاهرين وسقط العديد من القتلى بعد سقوط الشهيد الأول (أحمد القرشى طه) فى 21 اكتوبر. أفضت حادثة إستشهاد القرشى الى تكوين “جبهة الهيئات” من النقابات والمثقفين بعيدا عن الأحزاب السياسية التى ما فتئت تتصارع فى داخلها وفيما بينها. لعبت جبهة الهيئات دورا محوريا فى قيادة ثورة اكتوبر. وفى 28 أكتوبر صدر بيان من مجموعة من ضباط القوات المسلحة تحت مسمى “الضباط الأحرار” يعلنون إنحيازهم للجماهير الثائرة. من الأمور المهمة التى أريد أن اركز عليها هنا أن عناصرا من جبهة الهيئات قد قامت بالتفاوض مع عبود ومجلسه العسكرى وضمنت لهم عدم المحاكمة والمساءلة على إنقلاب 1958. وهذا أمر محورى جدا فى نجاح ثورة اكتوبر التى بدات فى يوم 21 اكتوبر وتكللت بالنجاح فى يوم 15 نوفمبر من نفس العام (أقل من شهر) بتنحى عبود عن السلطة. هناك ثلاثة أمور مهمة أدت لنجاح ثورة أكتوبر 1964:
أولا: انبثاق قوة سياسية غير حزبية هى جبهة الهيئات التى تكونت من المثقفين والنقابات قامت بتنسيق ثورة اكتوبر.
ثانيا: إنقسام القوات المسلحة على قائدها الأعلى الفريق عبود وإعلان مجموعة من الضباط إنحيازهم للشعب ضد عبود.
ثالثا: ضمنت عناصر من جبهة الهيئات لعبود ومجلسه العسكرى مخرجا آمنا من الأزمة بضمان عدم المحاكمة.
اذا ظلت القوات المسلحة متوحدة خلف قائدها عبود ضد الشعب الثائر واذا لم يتوفر لعبود مخرج آمن من الأزمة لامتد أمد الثورة ولأفضى الأمر لمواجهات دامية بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية مثل ما نشاهده اليوم.
نتحول الان لثورة ابريل 1985 ضد حكم نميري. حكومة نميري دامت ستة عشرة سنة (1969-1985). نجاح الحراك الشعبى والتظاهرات فى إسقاط حكم نميرى فى ابريل 1985 جاء نتيجة لإنحياز كل القوات المسلحة تحت قيادة القائد الثانى الأعلى رتبة سوار الذهب للشعب وخلعه للرئيس نميرى. لولا هذا الموقف المشرف من القوات المسلحة تحت قيادة سوار الذهب لسقط السودان فى مستنقع المواجهة الدامية بين عناصر جهاز الأمن الموالي للنميري والمتظاهرين. لعل البعض يتذكر الأخبار التى تواترت بعد سقوط نميري عن اكتشاف حاويات مخزنة فى أنحاء العاصمة مكدسة بالأسلحة الخفيفة والتى نسبت ملكيتها لجهاز الأمن آنذاك. أيضا انبثق التجمع النقابى كقوة سياسية ساهمت فى تجميع إرادة الشعب ضد نميري وساهمت فى تكوين الشق المدنى من الحكومة الإنتقالية. العوامل الأربعة المهمة فى نجاح ثورة ابريل 1985 ضد نميري هى:
أولا: الانحياز الكامل للقوات المسلحة لجانب الشعب وخلع الرئيس نميري من داخل المؤسسة العسكرية.
ثانيا: وجود النميري خارج السودان ساعة عزله وعدم قدرته على العودة الفورية جعل مناصريه من المايويين ومنسوبى جهاز الأمن من غير قيادة.
ثالثا: تماسك التجمع النقابى طوال فترة الإنتفاضة والحكومة الإنتقالية.
رابعأ: إلتزام سوار الذهب بفترة انتقالية قصيرة الأمد (سنة واحدة) تتلوها إنتخابات عامة أجبر الأحزاب السياسية للانصراف الى ترتيب نفسها للانتخابات بدلا عن التنافس على السيطرة على الحكومة الإنتقالية.
إنقلاب يونيو 1989 والذى أوصل البشير الى الحكم جاء بتدبير جناح الترابي المنشق من الإخوان المسلمين والذى كان حينها يسمى بالجبهة الإسلامية القومية. مثلما انقلب النميري على الحزب الشيوعي الذى أوصله الى السلطة، كذلك انقلب البشير على الترابي وأنصاره الذين أوصلوه الى السلطة وانقسم انصار الترابي على انفسهم، قسم اُخرِج من السلطة وقسم آخر ظل مرتبطا بالبشير. انتفض الشعب ضد البشير فى ديسمبر 2018. ولد تجمع من الأحزاب السياسية والنقابات ومجموعات من الحركات المسلحة ومنظمات مجتمعية تحت مسمى “تجمع قوى الحرية والتغيير – قحت” لتنظيم الحراك الشعبى ضد حكومة البشير. وبعد جولات من القمع الوحشى للمتظاهرين بشكل لم يسبق له مثيل فى تاريخ السودان بعد الاستقلال، قامت قيادة القوات المسلحة المتمثلة فى المجلس الأمنى بعزل البشير ليتولى الرجل الثانى فى هرم القوات المسلحة (أبو نعوف) السلطة الإنتقالية. استمرت التظاهرات رافضة للقيادة الجديدة التى تنحت وأفسحت الطريق للبرهان ليصل الى موقع القيادة. توصلت قيادة القوات المسلحة وقحت الى اتفاق لتكوين حكومة انتقالية لم تحظى بالاستقرار ولم تكتمل كل مؤسساتها نسبة للتنازع العنيف بين المكون العسكري والمكون المدنى من جانب، والإنقسامات المستمرة داخل المكون المدنى، إضافة الى دخول الجماعات والحركات المسلحة كلاعب سياسى وأمنى فى المشهد لأول مرة فى تاريخ الثورات والتحول السياسي فى السودان الحديث.
فى تقديرى أن البرهان امتداد لحكم البشير والمصالح السياسية والمالية التى يمثلها البشير وحكومة الإنقاذ. لذا فمن المنطقى أن نخلص الى أن ثورة ديسمبر 2018 لم تنجح فى إزالة نظام الإنقاذ الكيزانى العميق وإنما انخدع الشعب وبعض السياسيين بالتغيير الذى حدث على مستوى الأشخاص البارزين للعيان وبقيت الأيدى والعقول التى تقف وراء الإنقاذ تلعب وتعبث بالبلاد فى الخفاء الى هذه اللحظة. وللأسف ، كعادتها، استعجلت الأحزاب السياسة النصر المتوهم وبدأت تتصارع فيما بينها على مناصب الحكومة الإنتقالية وأعطت الفرصة للبرهان لينقض على الثورة التى لم توتى ثمارها بعد.
من المهم ان نأكد أن عزل البشير عن السلطة تحت تغط الحراك الشعبى انما حدث بتدخل قيادة القوات المسلحة والدعم السريع التى قلبت ظهر المجن للبشير وحاشيته التى تمثل الوجه الصارخ للكيزان. بينما تدعى قيادة القوات المسلحة والدعم السريع (مجلس أمن البشير) أنهم قاموا بعزل البشير إنحيازا للشعب وحقنا للدماء، فإن ما أسفرت عنه الأحداث من مجزرة فض الإعتصام والإفرط فى قمع وقتل المتظاهريين السلميين فى الفترة التى تلت عزل البشير الى يومنا هذا لهى مؤشر قوى على أن عزل البشير من قبل مجلس أمنه لم يكن إنحيازا للشعب وإنما جاء من باب التخلص من البشير والوجوه الكيزانية الصارخة حماية لمصالح فئة أخرى تمثل الوجه والمصالح الخفية لحكومة الإنقاذ.
فى تقديرى أن أهم عوامل عدم إكتمال نجاح ثورة ديسمبر 2018 تتمثل فى الاتى:
أولا: أن نظام الإنقاذ الكيزانى قام بإحداث تغيير جذرى فى بنية وهوية المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية أفقدها الهوية والحس الوطني والانتماء للشعب والالتزام بحماية “مالنا وعرضنا” (كما كان يتغنى الشعب لقواته المسلحة فى الماضى)، فرأينا القبح والفحش فى مجزرة فض الإعتصام على مرمى حجر من بوابات وأبراج مراقبة قيادة القوات المسلحة، ورأينا مضادات الطائرات توجه لأجساد المدنيين، ورأينا السيارات العسكرية المدرعة تستخدم لدهس المتظاهرين. رأينا كيف يجتمع الرهط من الجنود ليناهلوا على المواطن الواحد الأعزل ضربا بالعصي والسيطان ومؤخرات البنادق. رأينا كيف يتحول من يتقاضى راتبه من ضرائب الشعب الى قاتل وجلاد الشعب. إن قوات مسلحة بهذا الثوب الذى البسه لها نظام الإنقاذ الكيزانى لن تنحاز للشعب ولن تنصر ثورته ضد الطغيان لأنها هى الطغيان. للأسف إن القلة من صغار ضباط القوات المسلحة الذين بقية جذوة الوطنية متقدة فى قلوبهم وأظهروا إنحيازهم لوطنهم فى المرحلة الأولى من الثورة، تم إقصائهم وتغييبهم عن المشهد تماما ليبقى للمؤسسة العسكرية وجه كيزاني خالص. من الجلى أن نظام الإنقاذ أدرك دور القوات المسلحة فى نصرة الثورات السابقة وعمل جاهدا لتتغير هوية وعقلية هذه المؤسسة الوطنية حتى لا تنحاز لخيار الشعب ورغبته.
ثانيا: تقلص دور التكتل المهني غير الحزبي فى قيادة الثورة والمرحلة الإنتقالية على نحو ما حدث مع جبهة الهيئات والتجمع النقابى فى ثورتى اكتوبر وابريل. فتحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) خليط من المتناقضات الحزبية المسؤولة عن الفشل السياسى على مدى تاريخ السودان الحديث. ولو أن إدارة الحراك الثورى والحكم الإنتقالى بقىت فى يد جسم وطنى يجسد المهنيين المتجردين من الإنتماءات والمصالح الحزبية الضيقة لكانت ثورة ديسمبر 2018 أوفر حظا من النجاح. إن الأحزاب السياسية داخل قحت هى نقطة ضعف الثورة. ومن الجلى أن الأحزاب السياسية أرادت أن لا تعطى النقابات المهنية نفس الدور الذى لعبته فى انجاح ثورتى اكتوبر وابريل، لذا جاءت “قحت” كأول خطوة من الخطوات الإنتهازية للأحزاب السياسية والتى أفسدت الثورة على الشعب السودانى.
رابعا: طول أمد الفترة الإنتقالية (أربعة سنوات) حسب الوثيقة الدستورية والسعى لتمديد هذا الأمد فيما بعد كجزء من إتفاق جوبا جعل السيطرة على الحكومة الإنتقالية هدفا لكل الأطراف المتنازعة التى تدرك أن الإنتخابات فى ظل التحور الديمغرافى والوجدانى فى السودان لن يسمح بفوزها بالحكم عبر الإنتخاب الحر.
خامسا: تعقد المشهد السياسى داخليا بوجود عدد كبير من الحركات المسلحة التى لا تؤمن بالتحول الديمقراطى بل تعمل لحسم الخلاف السياسى والوصول للسلطة والثروة من خلال العنف وقوة السلاح. أضف الى ذلك تعقد المشهد الإقليمى وبروز قوى ومصالح إقليمية لم يكن لها أى وجود أوتاثير فى مجريات الأحداث والتغيير السياسي داخل السودان خلال الثورات السابقة.
ظهور القوى الشبابية باشكال ووسائل جديدة للحراك الثورى له ايجابيات وسلبيات. لقد حظيت القوى الشبابية بنجاح كبير فى اخراج ادبيات وروح جديدة للحراك الشعبى مثل المحافظة على السلمية، الثبات أمام آلة القتل والقمع التى لم يسبق لها مثيل فى تاريخ السودان، عدم انكسار الإرادة رغم الخسائر البشرية الضخمة، التكاتف والتعاضد فيما بينهم، الرغبة فى النأى بنفسها عن الإنتماء والتأثير الحزبى. كما أنها أثبتت قدرتها على التحول من الحراك الثورى المناهض للدكتاتورية الى حراك بناء إجتماعى وخدمى فى شكل لجان على مستوى الأحياء. ولكن الإشكال الذى يواجه هذه القوى الشبابية هو عدم التقدير الجيد لمآلات الأحداث والإفراط فى تقدير ما يمكن أن تحققه التظاهرات وحدها فى اسقاط حكومة عسكرية تفتقر للحد الأدنى من الأخلاق والالتزام بالقانون والعرف.
من الواضح أن القوى الكيزانية الشيطانية قد بدأت فى تنفيذ مخطط لإختراق وتمزيق لجان المقاومة، التنظيم الذي يجمع القوى الشبابية، من الداخل، ولن يكون للقوى الشبابية القدرة التنظيمية والاستخباراتية لمواجهة هذا الإختراق الشياطانى المحترف. لذا فاننا على موعد لتنفيذ أعمال عنف وتخريب سينسب للجان المقاومة لتشويه صورتها مع كشف هوية قياداتها وتعريضهم للاعتقالات والتنكيل وربما الاغتيالات. ويجب أن لا يغيب عن أذاهاننا أن تدمير هوية القوات المسلحة من الداخل كما وصفت فى الفقرات السابقة، قد صاحبه “شيطنة” القوات المسلحة من قبل الكيزان. فالكثير من الأشخاص الذين يرتدون زى القوات المسلحة والشرطة ويقومون بنهب وترويع وقتل المواطنين لا ينتمون لهذه المؤسسات وإنما هم جزء من مخطط لشيطنة القوات المسلحة والشرطة حتى تتسع الفجوة بين هذه المؤسسات والمواطن وتنعدم الثقة بينهما. للأسف أن هذا المخطط الكيزانى قد نجح فى خلق شقة واسعة بين المواطن والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية ونفس المخطط الان فى طريقه لإفساد العلاقة بين المواطن ولجان المقاومة.
23 يناير 2022
msafieldin@gmail.com

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات