ما لم يقله الرئيس باراك أوباما في تحذيره من خطر الانترنت علي الديمقراطية! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون


maqamaat@hotmail.com

اختار الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما أن يخاطب طلاب جامعة استانفورد في كاليفورنيا في ٢١ أبريل ٢٠٢١ ،في شأن هام هو التأثير السلبي لاستخدامات الانترنت علي الديمقراطية في أمريكا والعالم، ليس لأن جامعة ستانفورد هي الجامعة التي تتبادل المركز الأول بين الجامعات الأمريكية وفي العالم مع جامعة هارفرد أو معهد ماساشوست للتقانة (ام.آي. تي.) بل لأنها تقع في سهل السيلكون (سيلكون فالي )مهد الثورة الرقمية التي غيرت ولا زالت تغير وجه الحياة في المعمورة بكاملها . والاختراع الأول الذي تم في تلك الجامعة وفي ذلك الوادي، كان يستند علي استخدام تراب السيلكون في التوصيلات الالكترونية وهو ما قامت عليه شركات مثل hp و INTEL ثم ماكنتوش وأبيل Apple التي تبلغ قيمتها اليوم في السوق ثلاثة تريليون دولار أمريكي.
والرئيس أوباما وزوجته أسسا كما ذكر بعد مغادرة الرئاسة، (مؤسسة أوباما) لإعداد قادة المستقبل من بين الشباب لا في أمريكا وحدها بل علي نطاق العالم الفسيح ومقرها مدينة شيكاقو مقر إقامته عندما مثل ولاية إلينوي في أحد مقعدي الولاية في مجلس الشيوخ الاتحادي. وللمؤسسة فروع في مدن وأماكن أخري وقد أسست المنظمة في الهند كلية للأعلام لذلك الغرض ،تأهيل الشباب لإعلام مسؤول وفق ما ذكر أوباما .وأوباما أشبه الرؤساء بالرئيس جيمي كارتر في الانشغال بالشأن العام بعد مغادرة كرسي الرئاسة ولا يزال يتمتع بشعبية كبيرة.
وموضوع خطاب أوباما الذي رأينا التعليق عليه في هذه المقالة مصوب للتنبيه إلي خطورة بث ونشر وتوزيع الأخبار المضللة عمداً لأغراض معلومة للفاعلين Disinformation لغايات سياسية أو أيدولوجية ، دينية أو عرقية أو لمجرد إثارة البلبلة والقلاقل. وهناك المعلومات الخاطئة غير الصحيحة تنتقل دون قصد سيء لكنها تلحق أضراراً مماثلة وهو ما يسمونه Misinformation التي تنتشر كالنار في الهشيم بمجرد التصوير واللصق. وأوباما يعتبر ذينك الأمرين خطراً ماحقاً علي الديمقراطية يتحتم التصدي له. وقد قدم مقترحات لذلك محفزاً طلاب علوم التقانة وجل البيئة العلمية في سيلكون فالي التي تتكون من العلماء ومن أصحاب شركات تقانة المعلومات الضخمة المذكور بعضها آنفاً، التصدي له بالتدابير والمخترعات. وكما ترون فالأمر يعد هاجساً مؤرقاً للبشرية بأسرها وليس انشغالاً أمريكياً معزولاً. لذا رأينا التطرق إليه بهذه السطور توخياً للفائدة العامة. والرئيس أوباما ليس مرجعاً في تقانة المعلومات فدرجاته العلمية المتخصصة تتركز في ميدان القانون إلا أنه كرئيس سابق وسياسي قيادي في حزبه، الحزب الديمقراطي، قد تعلم فيما نرجح من خلال التجربة، أن يعد نفسه الاعداد اللازم للحديث في أمر لا يملك ناصيته بل وهو بطبيعته أمر شائك متعدد الجوانب بحاجة للتخصصات المتعددة Interdisciplinary:تقانة، سياسة ،اجتماع وعلوم نفسية واستخباراتية وإعلام. وهكذا يفعل الرؤساء المحترمون فلا يتعرضون للتجهيل والتقريع فتفقد أحاديثهم مغزاها في احداث الغاية المرجوة منها أو هكذا نظن.

ابتدر الحديث مشيرا لعبارة للفيلسوف الأمريكي راينهولد نيبر (١٨٩٢- ١٩٧١Reinhold Niebuhr نطق بها في أحلك أيام الحرب العالمية الثانية: ” إن قدرة الإنسان وعزمه علي تحقيق العدالة يجعل الديمقراطية ممكنة لكن ميله لخنق العدالة (أو انحيازه إلي اللا -عدالة )يجعل الديمقراطية ضرورية ولازمة .” قال أوباما :”إننا نعيش هذه الأيام أياماً صعبة كتلك باجتياح روسيا لأكرانيا لا لسبب إلا لأن أوكرانيا تريد العيش كبلد مستقل و وديمقراطي حر.” وأضاف بأن الذي يحدث في أكرانيا لم يحدث من فراغ بل هو جزء من تيار قوي يقوده أوتوقراطت متسلطون تجد صيحاتهم صدي علي مدار العالم .تستخف تلك الصيحات بالديمقراطية وتدير الظهر لحقوق الإنسان وتتجاهل القانون الدولي. هذا المنحى الخطير الذي يهدد الديمقراطية وقيمها لا ينحصر هناك بعيداً عن أمريكا هذه بل يتردد في أرجائها: لقد شهدتم رئيس الولايات المتحدة وهو علي سدة السلطة ينادي أتباعه للتمرد والعنف في عاصمة البلاد لمنع تنصيب خلفه الذي فاز عليه. ليس هو وحده الذي رفض نتيجة الانتخابات ولكن عدد اً من قيادات نافذة وبارزة في حزبه وقفت إلي جانبه ولا تزال في غالبيتها العظمي لا تعترف بشرعية الرئيس جوزيف بايدن الذي فاز . ذلك رغم أن النائب العام الذي عينه ترامب نفسه، أكد أن السلطات العدلية لم تجد تلاعباً في الانتخابات يبرر الزعم بعدم شرعيتها ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل راح بعض النافذين من ذلك الحزب ، (الحزب الجمهوري) يعيدون تخطيط الدوائر الانتخابية في الولايات التي يحكمونها لإعادة بحيث تحرم معارضيهم من الادلاء بأصواتهم في الانتخابات القادمة، وتضمن لحزبهم الفوز. يقول :إن فلاديمير بيوتن ظل منذ بعض الوقت يتدخل في العمليات الانتخابية الأمريكية عبر الانترنت .ويضيف أن إدارته كانت تعلم ذلك ويؤكد أنه قد وجه المسؤولين في حكومته وقتها لمراقبة ذلك .لكنه يقول، إنه لا يزال نادماً -كما سيقيد في مذكراته التي يعكف الآن علي كتابتها – إذ لم يقدر وقتها حجم القبول الذي تجده دعاية بيوتن في الولايات المتحدة (بمعني أنه لو علم ذلك وقتئذ لاتخذ من التدابير ما يمنع نتائجها الوخيمة اللاحقة). العتب يقول ليس علي بيوتن وروسيا العتب علينا نحن الأمريكيين الذين أذعنا طائعين لتلك الدعاية! قال رغم أنني كنت ضحية لكثير من تلفيقات الأخبار المضللة .، إذ جاءوا مرة بصورتي حية أتحدث فيها بكلام ما قلته أصلاً! ويقول إن بيوتن واستيف بانون (أحد غلاة المتطرفين في الحزب الجمهوري والذي يذهب ليشارك في الحملات الإنتخابية أوربيين متشددين مثل الفرنسية ماري لوبان ) لا يعنيهم إن كان ما يبثون صحيحا أو غير ذلك وإنما غاياتهم تشكيك الناس في الحقيقة وفي قياداتهم ومؤسساتهم السياسية والثقافية والإعلامية واخضاعهم بهذا التشويش لنظريات المؤامرة! ولأن الأمر سيصبح أسوأ غداً مع تطور ما يعرف بالذكاء الاصطناعي AI , : ينبغي أن يكون ذلك بالنسبة لنا ولمحبي الديمقراطية بمثابة دعوة للاستيقاظ. ويشخص وبدقة تشخيصاً مهماً العوامل الخارجية التي أدت لاضعاف الديمقراطية في العالم وزهدت في جدواها وهو كلام مهم لصدوره رجل كان رئيس العالم الديمقراطي الحر! بدأ بإيراد العوامل الخارجية كالعولمة وغيرها وصعود الصين كنموذج آخر للحكم حقق تنمية وتقدماً وانتهي بالاعتراف بالضعف الداخلي والعجز الذي حاق بالنظم الديمقراطية من داخل أسوارها الحصينة وذلك علي النحو التالي :
إن نهاية الحرب الباردة قد عززت من صعود الديمقراطية لكن صاحب ذلك تراخ في دعمها و حمايتها والسهر علي استمرارها باعتقاد خاطئ بقوتها الذاتية وأن بقاءها وديمومتها من المسلمات ومن القدر المحتوم الذي لا يزول ( كتخريجات فرانسيس فوكا ياما بأنها تمثل نهاية التاريخ!).” والحق أن الأمر ليس كذلك لأن بقاء الديمقراطية والسهر علي استدامتها هو الضامن لوجودها واستمرارها. وهذا يحتم علينا النظر في أوجه القصور فيها وإصلاح ذلك حتي تستمر وتزدهر.” يقول هناك العديد من الأسباب التي أضعفت الديمقراطية منها ظاهرة العولمة والتي من محاسنها انها أخرجت الملايين في الهند والصين من دائرة الفقر وأحدثت نقلة هائلة في تحسين المؤسسات التجارية والمالية وجعلت الحصول علي كم هائل من العلوم والمعلومات متاحا بنقرة علي جهاز الكمبيوتر وأتاحت التواصل بين البلايين من البشر لكن مخترعاتها كالتشغيل الآلي automation في المقابل قد حرمت الملايين من العمل وأربكت الاقتصادات وزادت الهوة بين الأغنياء والفقراء في العالم ووسعت المستوطنات الحضرية وهزت التماسك الأسري ووظائف الجندر فيها وأربكت أوجهاً عديدة اجتماعيا وجعلت الكثيرين يكفرون بجدوي المؤسسات القائمة حالياً و القيادات السياسية و وسائط الاتصال التقليدية وصحف ومجلات ومراكز كانت تحظي بالصدقية إذ أنها حمْلت كل مؤسسات وشخوص القديم ما حدث في حيوات الناس .ومن النتائج السالبة أيضاً للعولمة وفي شق التشغيل الآلي اضعاف الأسرة هذا علي النطاق العالمي ،وأما في أمريكا فقد أضعفت المنظمات المدنية والاتحادات المهنية وأضعفت أدوار مراكز العبادة. أضف إلي ذلك بروز الصين وصعودها . وعن العوامل الداخلية تحدث عن العطب واللا-فاعلية التي أصابت المؤسسات الديمقراطية في أوروبا وأمريكا حتي اهتزت ثقة الناس فيها. ثم جاء انهيار الاقتصاد العالمي عام ٢٠٠٨ . كل ذلك أذهب بريق الديمقراطية وزهد الناس في جدواها مما جعل بعض الرجال الأقوياء في أماكن عديدة في العالم يستخدمون أساليب قديمة وخطيرة سلالماً للوصول إلي السلطة والبقاء طويلاً فيها كالعنصرية ، القومية العرقية وإثارة النعرات . أشار هنا إلي بلدان كالفلبين والبرازيل والمجر وروسيا وإلي أنها تستخدم المعلومات المضللة لتأليب مؤيديها علي معارضيها من الأقليات العرقية أو الدينية والصحافيين والمفكرين. وقال إنه قد اتضح أن المعلومات المضللة استخدمت في ماينمار لقتل وإبادة (مسلمي) الروهينغا وفي اثيوبيا لخلق القلاقل العرقية بين السكان . ثم بني علي ذلك بالقول: نحتاج النظر إذن معالجة هذه الإشكالات جميعاً وخلق أسس جديدة لدعم الديمقراطية بخلق رأسمالية رؤوفة تروم مساواة الناس وإصلاح مؤسساتنا السياسية حتي تصبح مؤهلة وقادرة علي الاستماع للمواطنين وتلبية احتياجاتهم واكتساب ثقتهم وكيفية أن نعيش نحن معا رغم اختلافاتنا. قال “لذلك جئت إلي هنا إلي سيلكون فالي مهد الثورة الرقمية، وموطن المخترعات ( أي الكفيل باختراع الوسائل القادرة علي الإصلاح ) . إن أكبر مهدد للديمقراطية اليوم هو طريقة التفاهم والتواصل بيننا وطريقة هضمنا لما نسمع ، انني اعتقد أن أكبر ضامن للديمقراطية واستمرارها، مع التطور الذي أحدثته التقانة الرقمية ،هو اكتشاف الطريقة المثلي لكيفية مخاطبتنا لبعضنا البعض وكيفية هضمنا لما نسمع عبر ذاك التفاهم.”
هذا كان المدخل لعرضه الضاف موضوع هذه المقالة: الأخبار المضللة وتأثيرها. ابتدر حديثه الناقد لتقانة المعلومات بالقول ” أنا لست عدواَ لتقانة المعلومات I am not Luddite(هذه كلمة قديمة ظهرت في القرن الثامن عشر وصفوا بها أعداء الثورة الصناعية حينئذ وبعضهم كان يعمد للآلات ويحطمها باعتبارها أخذت وظائف كانوا يقومون بها وتطلق الآن علي من يكره الانترنت أو من يجهل التعامل به ومعه) واستدرك قائلاً “؛ولا أزعم أنني أحسن استخدامه بل إني ألجأ لابنتي لمساعدتي لتجاوز صعوبات هاتفي التقنية الأساسية. ولكن لو لا الانترنت لما أصبحت رئيسا للولايات المتحدة فعبره حشد الشباب الناس للتصويت لي.” واستطرد محقاً بالقول، “إن الانترنت لم يصنع العنصرية والكراهية فهي موجودة قبله ولكن سرعة انتشار المعلومات هي التي وسعت دائرة ذلك. وضرب لذلك مثلاً : “قبل أربعين عاماً إن كنت شخصاً محافظاً يعيش في ريف تكساس لم يكن ليسوؤك ما يحدث في مقاطعة كاسترو في سان فرانسيسكو ( بقعة تمركز الشواذ جنسياً ) لأنك لم تسمع بها أصلاً لكنه مع تطور تقانة التواصل عندما تسمع بها تري في ذلك شراً مستطيراً يهدد الحياة في كل مكان رغم كونها كانت موجودة قبل سماعك بها!. ثم اقترح مشجعاً بؤرة الاختراعات في أمريكا والعالم، سيلكون فالي وجامعتها المرموقة أن يلعبوا دوراً في المعالجات. ثم قدم خمس مقترحات تتمثل في تعاون الشركات ووسائط الاتصال الاجتماعي والمؤسسات الحكومية بالعمل معاً للتواضع علي ما يشبه ميثاق شرف للابتعاد عن الإثارة والأخبار المضللة المشحونة بالكراهية والمعدة أصلاً للإثارة وخلق التفرقة بين الناس وتلك المغلوطة التي لا تقدر مصادرها فداحة أضرارها مع ضرورة بناء جدار يفرق بدقة بين الخبر والرأي والنظر في العرض والطلب وفق ما يريد الناس من الوسائط الاعلامية.
هذا ما يعنينا مما قاله الرجل.
لقد قدم عرضاً دقيقا لما يعانيه العالم ، كل العالم من أزمات عل كافة الصعد سببها فيما يري، تقانة المعلومات . وهي رؤية تصيب كثيراً ولا تخلو من الخطأ الذي يمليه كون الرجل سياسي ومن زعماء حزب كبير يمنعه من البوح أن حزبه ،الحزب الديمقراطي يعاني من حملة شرسة من المعلومات المضللة ومن نظريات المؤامرة التي يشنها الحزب الجمهوري والتي توشك أن تحرم حزبه من الأغلبية في غرفتي الكونقرس في نوفمبر المقبل وربما الرئاسة بعد عامين . لذلك كان حذراً من حساسيات داخل حزبه فحزبه منقسم بين معتدلين مثله و(تقدميين) هم وقود الحملة التي تستهدف الحزب من اليمين المحافظ والمتطرف في قضايا ثقافية واجتماعية كالشذوذ الجنسي وزواج المثليين والموقف ممن يختارون تغيير جنسهم (من رجل إلي امرأة والعكس لغير ما ضرورات خَلقية بيولوجية وعما يجوز بقاءهم ضمن القوات العسكرية من عدمه) وقضايا اباحة الإجهاض بلا شروط والموقف من الدين. لذلك فالذي لم يقله الرئيس ربما ،رغم إشارات موجزة كتصدع الأسرة وضبابية دور الجندرة فيها ، هو أن التطرف الليبرالي الذي يحاول تجاوز كل الأعراف وإطلاق حرية متوحشة لا تعرف حداً هو ما ذكره كثير من الباحثين في علوم الثقافة والاجتماع كسبب رئيس لما أسموه الحرب الثقافية بين المحافظين وغلاة الليبراليين. ففي أمريكا تشكو قطاعات واسعة في الريف الأمريكي ووسط الغرب المحافظ المتدين وخارج المراكز الحضرية الكبرى في الساحلين الشرقي والغربي ، من الغارة علي مسلمات مستمدة من الديانة المسيحية عاشوا ويعيشون عليها كقداسة الأسرة كرباط مقدس بين الرجل والمرأة يمثل اللبنة الأولي للمجتمع يتربى ويُنشأ في كنفه الصغار. تغير ذلك التعريف وأصبحت الأسرة يمكن أن تكون كذلك أو غيره بحيث تتكون من رجل ورجل وامرأة و امرأة يتبنون الأطفال وأصبح مجرد التعبير عن الامتعاض من ذلك ولو بالإشارة كفيل بأن يفقد الشخص، رجلاً كان أو امرأة وظيفته باعتباره ضرباً من ضروب التمييز . هناك أيضاً حملات ترويج منظمة ومفضوحة تدعو للإلحاد والإباحية. هذه من أهم أسباب الاستقطاب الذي يوشك أن يشعل حرباً أهلية جديدة في أكثر من مكان في أوروبا وأمريكا. الحزب الديمقراطي مرجو للدفاع عن حقوق الأقليات العرقية والدينية لو لم يبعد النجعة تحت مطارق متطرفيه مفارقاً شواطئ الاعتدال لأن المعسكر الآخر، المحافظ فيه متطرفون عنصريون لا يرون الكائن البشري الذي يستحق الحياة والحقوق إلا أبيضاً.. كذلك فإن بعض ما أشار إليه إشارات كعودة مشاعر القومية العرقية كنتائج لاختراع الانترنت ليس دقيقا فجل حروب أوروبا كانت حروباً دينية أو مبعثها القوميات العرقية. وأفضل مثال لذلك الحرب العالمية الأولي فقد أشعلت شرارتها مشاعر قومية عرقية في البلقان سببها الغبن من السيطرة الخارجية: أغلبية سلافية أرثوذوكسية تنتفض في وجه طغيان غربي نمسوي انحازت فيه روسيا الأرثوذكسية السلافية لمحيطها الثقافي والديني تماهياً مع ذوي قرابتها سلاف البلقان الأرثوذوكس. وتلك حالة أشبه بوجه من الوجوه ،بما يجري اليوم في أوكرانيا وفق تحليلات كثير من أساتذة السياسة والعلاقات الدولية في أمريكا نفسها (جون ميرشايمر،) إذ يرون الأمر ،مخاوف أرثوذكسية سلافية روسية من هيمنة غربية تقودها أمريكا وحلفاؤها في أوروبا الغربية . والغرب يفعل ذات الشئ مع العالم المستضعف عالمنا، بذات الإملاء وفرض الرؤي بل بفرض نظم اجتماعية من صنع تاريخه ومعتقداته بعصا وسوط مؤسسات يسمونها دولية وحزم من العقوبات إن لم يذعن! ويثور سؤال هام: إذا كانت المؤسسات الديمقراطية والاقتصادية في الغرب معطوبة ومنعدمة الفاعلية في وصف رئيس أكبر دولة قائدة ورائدة للغرب هو باراك أوباما، لماذا تفرض علي بلاد لها تاريخ مختلف وسياقات ثقافية مختلفة يمكن أن تبني عليها حكماً رشيداً يرتضيه الناس متسقاً مع موروثاتهم ونمط حياتهم ؟ الحروب والأزمات الدامية في عالمنا الضعيف يصنعها هذا الإملاء المتطرف الذي يؤلب مكونات المجتمع علي بعضها البعض فتشتعل الحروب فيها . نعم هناك قيم إنسانية مشتركة نتعاون علي رعايتها : العدل والمساواة ورفض العدوان وغيرها لكن هناك خصوصيات لا تخطئها عين بصيرة لا تمنع من قيام ديمقراطية راسخة بنَفس وروح كل ثقافة!
كيف يبرر الغرب كله أنه بعد نصف قرن من رحيله عن بلدان إفريقيا مثلاً لم تتمكن دولة بين دوله التي تربو علي الخمسين من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والكساء وبعض احتياجاتها علي الأقل من الدواء رغم أنها كانت قبل مجيئه مكتفية بما لديها من الغذاء كاليام والموز والكسافا والذرة والدخن والتفل والبفرة؟ والآن تطحنها المجاعات كلما تعطلت بواخر القمح في أعالي البحار بسبب حروب أوروبا الثقافية والدينية! لو كان التعاون الدولي جاداً ولو أن المستعمرين القدامى تحلوا بالإنسانية لدعموا هذه البلاد تقنياً وماديا من غير قيد ولا شرط حتي تنمي قدراتها الذاتية لإنتاج الغذاء الذي يناسب مناخاتها والكساء والدواء تعويضاً عن سنوات سرقة واستغلال مواردها وفي ذلك مصالح لهم تقيهم هجرات الفقراء إليهم في عقر دارهم أم أن مصالحهم الكبري تقتضي أن تبقي تلك المستعمرات السابقة كما هي موارداً دائمة لتلك المواد؟ أما آن للنخب الوطنية أن تصحو وأن تكف عن الاعتماد علي خير لا يأتي أبداً عبر البحار؟ أو ما آن لنخب العالم الفقير أن تحي شعار تعاون جنوب-جنوب تتبادل فيه الخبرات للنهضة ؟ ألا تتريث قليلا قبل التصوير واللصق المتعجل لنظم وصفها أهلها بالعطب وانعدام فاعليته وجدواها ؟علي الأقل حتي يصلحوا عيوبها ؟! إن الحال ربما تعدل للأفضل لو أن النظام العالمي الراهن والمتحكم فيه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تبدل بنظام عالمي عادل تسوده المساواة والعدل والسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان وفق المشترك بين بني آدم وأيضاً ودون هيمنة جديدة من نوع آخر. تقوم فيه النظم علي السياقات الثقافية لكل مجموعة بشرية دون أدوار مرسومة ومفاهيم هي سياقات لثقافات أخري متغلبة بالحديد والنار والابتزاز.

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق

تعليق واحد