من عهد العمالقة الى زمن الأقزام .. بقلم: عمر العمر


لكرينك أكثر من بعد فاضح مثلما هو نازف في مشوارنا السياسي العبثي منذ ضحى الثورة المجيدة.كرينك ليست جرحنا الأعمق في دارفور . لكنها تنز بالحزن مثلما هي بالدم . فهي مشهد الاقتتال الهمجي الأخير مثلما هي الشاهد الماثل على الفشل الذريع على إتفاق جوبا . هي في الوقت ذاته اللعنة الطازجة في وجوه كل صنعة ذلك الاتفاق وشهود زرره وتزويره وتجييره لمصالحهم الذاتية بعيدا عن صالح المعذبين في جحيم دارفور . كرينك الإضافة الدامية بعد سنغو،حفرة النحاس، زمزم،مون و فريضة وأخواتهن النائحات على قيادات استأثرت بغنائم جوبا تاركين المعذبين في معسكرات اللجوء والنزوح تحت هجير المعاناة . هكذا توسع المذابح البغيضة في دارفور بقع الفضائح على وجوه زعماء المافيات العرقية الرافلين في نعماء السلطة والثروة باسم أؤلئك المعذبين .
*** *** ***
كذلك تضيف كرينك بعدًا فاضحا مثلما مؤلما في تفكيك أضلاع ثالوث ثورتنا النبيل الممجد . فبعد تهشيم ضلع الحرية بالقمع ،الاعتقال ، بالتزامن مع تفكيك ضلع العدالة بإعادة التمكين هاهي كرينك تحفر عمقا داميا على ضلع السلام .فماذا أبقى لنا مشوار العبث الممارس باسم الثورة منذ فجرها الباهر!؟
لو امتشق ساسة دارفور اَي قدر من الجد بغية تجذير السلام لجعلوا دارفور مستقرهم ومستودع مقاتليهم بغية صب جهد دؤوب من اجل وضع حد لعذابات أهلها .لو امتلك هؤلاء شيئا من حياء لاعتذروا لأهلهم في دارفور بعد استئناف الاقتتال للمرة الاولى عقب مازعموا انه اتفاق سلام ثم شدوا اليهم الرحال من اجل اعادة البناء بسواعد المقاتلين المتبطلين على تخوم المدينة المركزية وفي أحشائها .
*** *** ***
كل القادة السادرين في غي جوبا لم يستوعبوا الأبعاد المستجلبةفي دارفور بافعالهم أو في غفلتهم .فسحرُ ماسترهبوا به المقاتلين لم يعد وقفا عليهم اذ تعددت مصادر الاقتناء والتمويل . من ثم فقد القادة نفوذ الاستخفاف بالقبائل ففقدوا هالة الطاعة. فالقتال لم يعد من اجل حفنة دولارات. كما اتسعت جبهات الصراع في دارفور الدوائر التقليدية اعلي سطح الارض من اجل المرعى والسقيا الى الخيرات في باطن الارض كالذهب، الفضة ،اليوناريوم وكل المعادن المكنوزة. كذلك لم يعد القتال وقفا على الطامحين داخل حدود الإقليم بل انفتحت المسالك امام القادمين من وراءحدود الوطن.
*** ***. ***
أؤلئك القادة المنقلقون داخل ذواتهم لم يستوعبوا من تكاثر اعداد مقاتليهم ان حركاتهم تضخمت بحيث فقدوا احكام السيطرة عليها فأمسى لديها أمراء تكبر احلامهم مع تراكم إعداد مقاتليهم . هذا واقع افرز مفارز قتال لا تأتمر بأمر من تندرج تحت مظلاتهم .هي مفارز ذات أصباغ شخصية احيانا ،لبوسات أفخاذ قبلية غالبا .تلك التعقيدات خلقت فجوة بين العرابين التقليديين المتجبرين لتلك العصابات وأمراء الحرب الجدد الصغار المتكبرين.عوضا عن استشراف زمن إدارة تنوع الأعراق والمصادر أقحمنا هؤلاء ومظاهريهم داخل نفق إدارة الثأرات الفعلية والمتوهمة فتراكمت علينا داخل طبقات العتمة اثقال الإحباطات الموروثة والمستحدثة .حتى مدننا الكبيرة لم تعد متخمة فقط بالفوارق الاجتماعية ،بل كذلك مشحونة بالتوترات العرقية.
*** ***. ***
فإذا حاولنا تشريح جسم الجنجويد المترهل لكونه اضخم التنظيمات لوجدناه مسكونًا بكل تلك الآفات وغيرها على نحو اضعف. بل افقد حميدتي القدرة على بسط سلطته أو هيبته على أمراء الحرب الجدد أو المجموعات الفعلية. المتنافسة على الثروة تاركين له الانعام بفيئ السلطة المركزية. كرينك شاهد على تصحير قاموسنا السياسي بعد فقدان عاصمتنا بهاءها بفعل الترييف .لهذا تفشت في الآونة الاخيرة ممارسات قيادات العصابات .فالتنافس غير الشريف لايتوقف عند التزييف.بل يطال انحطاطه الضرب تحت الحزام(القاش)تلك اللغة الهابطة انعكاس تلقائي للعقلية السياسية الضحلة الفجة السائدة.لهذا تتفشى ممارسات المكايدة السياسية في أقذع اشكالها.حتى القيادات العسكرية أرخت(قاشاشات)انضباطها. فتبادل جهرا الضرب تحت الأحزمة
*** *** ***
هذه المكايدات لا تفصح فقط هتك الانضباط العسكري. بل تعري فجوات الخلافات بين القابضين على مفاصل صناعة القرار في قمة المؤسسة العسكرية. اكثر من ذلك تكشف ضعف أؤلئك القادة. على نحو لم يعد في وسعهم ا لاحتفاظ بالحد الأدنى من تماسكهم أو الحفاظ على الحد الأدنى من ستر تنافرهم .هكذا نستوعب شهادة العطاء في حق لجنة تفكيك التمكين. ليس ثمة حيز لاستغاثة حميدتي بشبح نميري خارج هذا المنظور . كذلك نفهم دفاع ابوهاجة في وجه انفعال كرار الضحل .هذا ليس سوى جانب من زمن الانحطاط الى سفح ملاسنات أشقياء الأزقة ومطاعنات شقياتهاوصفحات من قاموس تزييف السياسة و تشويه الإرادة العسكرية والشعبية .هذا زمان الأقزام .
*** *** ***
كرينك شاهد فاضح على تشظي قوانا السياسية . فلو كانت ذات قوام صلب ونسيج مشدود لما تجاسر أمراء الحرب القدامى والجدد واقزامها على تهشيم ثالوث ثورتنا الممجد ؛ حرية ،عدالة وسلام. لكنما هزال الأحزاب أغرى المافيات . هذا حالنا بعد ولوجنا زمان الأقزام . الصادق المهدي طوى من بعد محمد ابراهيم نقد ثم حسن الترابي ومن قبل جون قرنق عصر العمالقة.فكل الأحزاب نهشها التمزق وضربها الارتباك .هي كذلك لم تنج من وباء غياب القيادة النافذة البصيرة والاستماع .بفعل ذلك فقدت القدرة على الإقناع وبسط النفوذ.فهي عاجزة عن تخليق موقف سياسي موحد تجاه اَي أو كل القضايا لانها تكابد التشقق والتمزق .فما من حزب واحد تهيمن قيادة موحدة على قواعده أو هي تتابط وقف مبلور جاذب لكل تلك القواعد قبل ان تستهدي بها القيادات المتناثرة في الاحزاب.
*** *** ***
نحن لم نعد نأتلف أو نختلف على السياسات ، بل على الأشخاص. صحيح ذلك زمن لم ينجح ساستنا فيه على إقامة دولة مستقرة لكنهم كانوا قادرين دوما على ترميم الجسور بين الشعب والسلطة ،فلم تبلغ حافةالانهيار كما الحال .الجائلون على خشبة المسرح حاليا كومبارس يتحدثون باسم الجماهير جهرا بينما يخوننها داخل القاعات. ذلك ليس ضرب من الجبن السياسي فقط لكنه كذلك احد أشكال الانحطاط الأخلاقي .بين أؤلئك سدنة يزعمون ان الله كلفهم بنشر الهدى والفضيلة بين عباده بينما هم مثقلون بكل أشكال الرذيلة.

aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 1 شارك

تعليق واحد