هجليج استعادة للحقوق ومراجعة للعلاقة مع الجنوب !؟. .. بقلم: آدم خاطر


لم يكن غزو واحتلال منطقة هجليج الحيوية من قبل عصابة الحركة الشعبية الحاكمة فى الجنوب مجرد مساجلة عسكرية معتادة تقف عند تحرير هذه الرقعة الغالية من أرضنا فحسب ، لأن لغة الغدر والخيانة والابتزاز كانت وما تزال السمة البارزة فى عقيلة أرباب السودان الجديد فى تعاطيهم مع السودان !. رأينا كيف كانت هى عودة توريت على أيام التفاوض الأولى مع الجنوبيين على عهد قرنق ، ورأينا كيف هوجمت أبيى واستعيدت لأكثر من مرة ليست آخرها ابان حماقة ادوارد لينو ، كما شهدنا عودة الكرمك وقد دنسها عقار بفلتانه ومزايداته ، وكيف كانت هبة الجيش والشعب فى كل ملحمة ولكن ما نشهده حاليا منذ استعادة هجليج يوم الجمعة الماضى وما أعقبه من حراك ميدانى وتفاعلات سياسية ووحدة فى الصف والكلمة ، واستمرار للنفرة والتعبئة العامة بهذه الوتيرة المتنامية والتوحد فى العقل الجمعى ووجدان الأمة يعجز المعجم السياسى العربى أن يجد له تصنيف ومفردة مناسبة فقد تجاوز الثورة والانتفاضة والملحمة والربيع الى مسمى خاص يشبه خصائص أمتنا ومكنونها وتراص وتضافر صفها عندما يلامس التحدى كبريائها وكرامتها التى حاول المعتدى جرحها هناك !. بالأمس القريب صلى رئيس الجمهورية فى الكرمك بعيد تحريرها وها هو اليوم يصلى فى هجليج ولهيب نيرانها التى أشعلها العدو لم ينطفى بعد ، وآثار الدمار والخراب لم تبارح مكانها فى الشهادة على جريمتهم الوحشية ، ولكن البشير كونه أنموذجا فى العسكرية ومدرسة متكاملة ، أراد أن يكون قريبا من رجاله ويقف الى جوار قواته ومناصريه الذين لم يخيبوا ظنه يوما ولم يتأخروا عن مؤازرته والذود عن وطنهم بانفسهم وأموالهم ! هكذا ترى بسالة قائد البلاد ومواقفه وبطولاته ، فهى مشهودة لمن أراد أن يقارنه بقادة المحيط العربى والافريقى ، لم تتغير ولم تتبدل منذ أن عرفناه مفجرا للانقاذ ويوم أن بايعناه والاحن تحيط بالبلاد من كل اتجاه ، وليس غريبا على رأس الدولة وقد تحدى ارادة الجنائية الدولية بكل خيلها وخيلائها وهى التى سعت لتركيع السودان وشل حركة قادته، فكان فى اليوم التالى لقرارها فى حاضرة شمال دارفور يهز ويصول وسط السنابك والزغاريد وتهديدات الحركات المتمردة ، وها هو اليوم ذات البشير يتقدم الصف الأمامى ويخاطب أبطاله بأن المعركة التى بدأها هؤلاء الحشرات لن تنتهى عند هجليج التى استفزت كل مشاعر الأمة ووحدت صفها وجبهتها بعزيمة واصرار لاشك أنه موصل الى أهداف وغايات كم سكتنا عنها لتقديرات وظروف وملابسات وقد حان وقتها دون تأخير !. لقد كانت ملحمة هجليج درسا بليغا له عدة أوجه أطلقت بموجب يد الجيش لاستعادة كل شبر دنسه التمرد بكل أطيافه ، وهى انتحار وفناء لما يسمى قطاع الشمال  الذى يحتمى بزمرة سلفاكير ، وهو موت سريرى لفلول دارفور التى تتخذ من الجنوب أرضا لها لضرب استقرار الشمال ، وستجد هذه المجاميع أن الخيارات تضيق باتجاهها فى أى مفاوضات أمنية جادة فى اعادة الأوضاع الى طبيعتها ، لابد من أن يصار الى فك ارتباط كامل لتحالف (الحلو – عقار – عرمان) مع الحركة الشعبية وتسريح الفرقتين التاسعة والعاشرة على امتداد حدودنا ان أرادوا سلاما مستداما على جبهتهم الشمالية وتحرير كامل لولايتى جنوب كردفان والنيل الأزرق !.
خيانة الحركة الشعبية لم تقف عند أبواب الدولة الأم بكل ما قدمت لهم من تعامل لائق وتنازلات كبيرة وتسامح وتقدير لم يكن فى مكانه ، وقد قوبل بالجحود والنكران والغدر ، بل امتدت خيانتهم لشعبهم الذى أحاطت به الفاقة والجوع والمسغبة والمرض والفتك  والتشريد ، وغدت أموال الجنوب وخيراته فى جيوب وأيدى حفنة من المجرمين وسماسرة الحروب وأبناء قادة الجيش الشعبى وأسرهم بالخارج فى دعة ونعمة وترف تاركى شبعهم للموت والقتل يحصده !. نعم رأينا كيف كان التخريب المتعمد وغير المسبوق لحقول النفط والممتلكات والمنشآت بهجليج بيد وخبرة أجنبية مستجلبة وتآمر مقصود كى تخنق البلاد ، وهى رسالة أرادت تقويض هذه الصناعة وشل حركة الاستثمار الخارجى باتجاهنا ، بل اعاقة أى جهود يمكنها معالجة ما وقع من دمار ، ولكن ارادة وعزيمة أبناء هذه الأمة قلبت الموازين وصنعت المعجزات فى وقت قياسى فى اصلاح مجمل الخلل بخيارات وخبرة سودانية محضة ستعزز من سعتنا وقدراتنا لاحتواء مثل هذه الأزمات والتعامل معها مستقبلا !. وقد شهدنا أيضا كيف تجرع هؤلاء الهزيمة وأصابتهم الصدمة فعمدوا الى التجاوز وتصفية الأسرى الذين  يعملون فى الحقل الصحى بهجليج على أيدى هؤلاء القتلة بعد أن عجزوا على مواجهتنا فى ميدان القتال وفروا هائمين على وجوههم مخلفين قتلاهم فى العراء تأكلهم الطيروالضباع أو هكذا كان الهروب انسحابا كما تصوره فضائية الجزيرة !.
درس هجليج وموجهات هبة الشعب وغضبته جعلت القيادة تتلمس خطاها ومواقفها وتتخذ من القرارات الجريئة بفرض حالة الطوارىء على امتداد حدودنا الجنوبية ، وغلقها بالكامل أمام تدفق حركة السلع والخدمات باتجاه الجنوب طالما أرادوا أن يطبقوا على نفس اقتصادنا عبر البترول !. هذه الخطوة تجىء فى مكانها وتنسجم مع مشروع قانون رد العدوان ومحاسبة حكومة الجنوب الذى تجرى مداولته فى البرلمان ، وأن احكام الحدود والمنافذ أمام محاولات التهريب من قبل المخذلين وضعاف النفوس هى حلقات لازمة تناسبها لغة النائب الأول على عثمان باعمال سياسة “shoot to kill” من داخل قبة البرلمان فى خطاب نوعى له ما بعده  !؟. لقد عرف الأستاذ على عثمان طيلة مسيرته السياسية بكاريزما خاصة تلازمها عفة فى اليد واللسان وصبر طويل لا يخلو من اباء وحلم وغضبة بحقها عند الشدائد !. عرف الرجل بضبطه لانفاعلاته فى احلك الظروف ، وبمواقفه الحكيمة وقدرته الكبيرة على التعبير المنضبط و كظم الغيظ وتجاوز الذات وبعده عن المهاترات وساقط القول ، وهو الرجل الذى ظل على الدوام يزن أقواله بميزان رجل الدولة المتمرس ، وتخرج كلماته ومواقفه بتوقيت يضع الدواء على الداء بقدره وبعده دون تجاوز لأنه خبر مهنة القضاء الواقف والجالس لا يغيب عنه ميزان العدل والشنآن !. ولكن هجليج بكل ما أحاط بها من تحد وطنى ، حملت هذا الرجل وهو صانع كتاب السلام ومهندسه الذى تحمل عبئه وسجاله برجاءات واشواق أهل السودان وقيادته ، وقد شهد الناس كيف سهر عليه وسكب فى سبيله العرق والجهد والأفكار كى يستدام السلام كى تقف ويلات الحرب والقتل والخراب ، وكم تحمل الرجل تبعات السلام واسقاطاته وأصابه الرشاش والتراشق بصفة شخصية ، عرفناه وهو يخطو فى احكام ميثاق السلام بمفهوم كلى ومنظومة شاملة للحرب والسلام بكل أبعادها ودلالاتها ترى بعين بعيدة ما لا يتوافر لعامة الناس ، وضيق الحزبيات ومصالح الأشخاص الى ما يحقق الغايات الكبار !. زاد الرجل عن السلام بمفاهيم ورؤى كبار ومبادرات مخلصة مثلت غالب أفكار الوطن وطروحاته ، ولكن ما تبقى فى ركائزه قوضها أهل الحشرة الشعبية وقعد بها هؤلاء الأقزام يوم تنكبوا طريقها وخربوا بنيانها بالتشويش وحملات الارباك السياسى وشطحهم وفلتناهم ، فعاد حديثه بنفس وطريقة لم يألفها عنه الناس ليضع المواقف الحاسمة ويقلب الطاولة بقطعيات فاصلة لمرحلة جديدة لها أدواتها وآلياتها أولها هذا الخطاب الصارم واللغة الصعبة التى خرجت من جوفه وهى من وطى جمرة التسوية وخبر دهاليزها ويدرك ما عليه المواقف الآن مما استوجب الاستداك والمراجعة الشاملة لمطوبات العلاقة مع الجنوب ، ويا له من حديث عندما يخرج من شخص فى مكانه ووضعه الدستورى والسياسى !. نعم هذه التحولات  الكبيرة فى المشهد  السياسى أملت على السيد النائب الأول بكل خلفية قيادته لملف السلام من أن يستصحب ارادة الأمة بمنهج يناسب المرحلة قاده لأن يغير من طريقته وخطابه ويعيد رسم خارطة السلام والحرب بأفق جديد واستراتيجية مستحدثة لرسم تأمين الحدود ومراجعة الخارطة العسكرية للبلاد بكل محاورها وأولوياتها ، لن يشفع معها مناورة قيادة الحركة الشعبية بقبول ترشيح د.مطرف صديق  سفيرا للسودان لدى دولة الجنوب فى هذا التوقيت وقد كان بامكانهم فعل ذلك منذ اليوم الأول لترشيحه كوننا الدولة الأم والجنوب هو من خرج من رحمها يلزمهم أن يؤثرونا بأن نحمل اللوحة الدبلوماسية رقم (1) ونتولى قيادة عمادة السلك الدبلوماسى بجوبا ، ولكنها رسالة المهزوم والمأزوم للخارج فى الوقت الخطأ، وما يهمنا الآن هو روح ونفس النائب الأول على عثمان كونه من صنع السلام وهو من يقود الآن دفة النصرة والتعبئة واستعادة الحق بكامله والمراجعة الشاملة للمسيرة عبر مسئوليته التاريخية التى لا تنقضى الا باستعادة كامل تراب الوطن غير منقوص !!.           
adam abakar [adamo56@hotmail.com]


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات