الحراك الثوري ويوميات صراع الضوء والعتمة (2)

 


 

 

بكل جلسة ودية أو عمل أو مناسبة اجتماعية نناقش فيها الشأن السياسي السوداني لا أري غير أننا في زمن غياب العقل والفوضى وحضور الممارسات الكلاسيكية في التعاطي مع الامر السياسي بلا مبالاة بل تحضر البنية التقليدية لدواخلنا وهي الذاتية العنجهية والعائلة ذات الحسب والنسب والقبيلة والاتكاء عليها كمناصر والطرق الصوفية لحشد الجموع الفقيرة والعصبية الحمقاء وكذلك الزعامة الخاوية من فهم سليم للواقع وطرح عقلاني و عمليات الحشد والتنظيم والانخراط في الحقل السياسي والعسكري، إذ لا يزال الوعي الاجتماعي والثقافي قائمًا على التأليه والشخصنة وتكريس الزعامات والمظالم ورفض الآخر والتخوين وثقافة الفساد والمحسوبيات، ما ساهم في عدم القطع مع بنية المجتمع القديم وسياسات النظام الانقلابي الحالي وبدلًا من التأسيس لوعي ثوري جديد تم في كثير من الأحيان تبسيط الثورة واختزالها باستبدال بالشعارات وبعض النجوم القادة والرموز , البعض من الذين بدهاليز السياسة وهم من امتهنوا لعبة التقافز بين الأحضان المانحة للمال و هوايات التزحلق على أرضية المصالح والتبعية والخيانات والعيش كحياة المومسات في ليال صاخبة، لكنهم عند طلوع الفجر يلبسون ثياب الطهارة والنِقاب ويوصوننا نحن الفقراء بالصبر والسلوان على حالنا
لقد ساهمت هذه الأوضاع بإطلاق هويات عديدة ومذهبية وجهوية واثنية وأيديولوجية على ساحة الصراع، هويات كانت مُنصاعة سابقًا للهوية السودانية المُتبناة في الخطاب السياسي الرسمي وكذلك لكل الأحزاب والكيانات ان كانت مسلحة أو مدنية في المقابل، لم تستطع قوى المعارضة التوافق على هوية وطنية جامعة، بل إن الهوية الوطنية التي تبنتها الثورة في بداية انطلاقها، قد تعيش في صراع قوي أمام هذا الانفجار للانتماءات الهوياتية الأخرى، ولا تزل في الصمود راقي أمام التسيس الداخلي والخارجي الذي يتعرض له تنوّع المجتمع بكافة أطيافه
والحيش الذي أصبح في موضع سجال بين قادته وكل الساسة فقد أصبح في مواجهة الشعب في الشارع، وتفسَّخ إلى ولألات وجماعاتٍ تؤمن بأن الظهير الحقيقي لمن يريد الحكم السلاح وداخله قيادات متصارعة وفقًا لثنائية الموالاة والمعارضة من جهة، ووفقًا للتوزع الإثني والسياسي من جهة أخرى,وتحالفت القيادة العسكرية مع ميليشيات، بحيث يصعب إحصاء عددها ورأسمالها وتوجهاتها، إضافة إلى تغول الفساد في بناها وارتهانها للأجندات الخارجية، التي تسيطر على تمويلها وقرارها العسكري وتوجهها الأيديولوجي بالرغم من معرفتي لا توجه فكري لهم أجمعين غير الاستحواذ على السلطة حماية لأنقسم من المحاسبة والقصاص
.. ونعتقد ومعي كوكبة من الشابات والشباب أن هذه المراجعة القائمة الان هامة بعد مشوار يقارب الخمس سنوات عددا وعلينا الاستفادة من الأخطاء التي ارتكبت والاعتراف بها وفهم الظروف التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة من الشقاق السياسي، قد تمكّننا من المضي في طريق أكثر صوابًا، لتحقيق ما قامت الثورة لأجله. إذ إن الطرح القائم على إلقاء المسؤولية كاملة على عنف الانقلاب وفشل قحت في إدارة الصراع السياسي في داخل تكوينها الثوري واستراتيجياته وإفشال الثورة وتشويه خطابها ورموزها ليس كافيًا وحده، في معرفتنا البديهية بدور المجلس المركزي في هزيمتنا لا يجب أن تمنعنا من الاعتراف بأخطائنا وتقصيرنا أيضًا، فضلًا عن معرفتنا بأن هزيمة الثورة لا تعني أن الانقلاب انتصر فعلًا، فهو الآخر مهزوم، وإن استمرّ في الحكم أعوام قادمة
• أننا أمام أنفسنا الان عراة لكي نقول الحقيقة ونتعرف بأن قيادات لجان المقاومة والأرض في كل بقاع السودان كان عليها دور هام , في تحديد إشكالية التمثيل السياسي للثورة والشعب ، وليس فقط مسؤولية الطبقة السياسية المتصدِّرة للمشهد السياسي المعارض لكي نبني معنا تحالف سياسي للنهضة بالحراك لمالات اكثر نفع , قد تدّعي الأحزاب الأيديولوجيا النقاء والولادة بلا مقدمات، وتنفي تأثّرها بغيرها من المنظومات الفكرية، لا شيء قبلها ولا شيء بعدها، لا في الماضي ولا في الحاضر، وتقدِّم نفسها بلبوس إيماني، وترفع حقائقها إلى مرتبة المقدس، وتنكر حقّ الاختلاف معها تحت طائلة التكفير أو التخوين أو الهرطقة والانحراف عن العقيدة القويمة وتشكِّل الأيديولوجيا لأصحابها وسائد مريحة تمنع التفكير وتوفِّر لهم الطمأنينة وراحة البال وتصيبهم بالكسل الفكري، وتغلق آفاق الإبداع والتجديد فلا يتولّد من الأيديولوجيا أفكار جديدة لأنّها مصمّمة بطريقة تؤدّي إلى إعادة إنتاج نفسها، واجترار مقولاتها , ونعلم رايهم في مشاركة لجان المقاومة لهم في المشهد أن كانوا في الكتلة الديمقراطية التي أسست ليها مجموعة شباب تحت عنوان لجان المقاومة وهم علي ثقة بأن الوزن لصالح لجان المقاومة وهي محرك الشارع الرافض للشراكة مع العسكر والتصالح مع الفساد واللا دولة ,ولن نترك دورنا في الحراك الثوري الذي رفع شعارات جامعة يحمل بذور مشروع وطني وتغيير جذري ونحو انتقال ديمقراطي سلسل أين أصبح ما نعمل له، بماذا نجح وبماذا فشل؟ نعمل عليه منذ فجر الانقلاب أو بل قل منذ انطلاق الثورة المجيدة, كان لازما علينا دوما مراجعة مسار الثورة أبن نحن من شركائنا في الحراك الثوري, أين نحن من ورش فرض الأمر الواقع والأجندات التي ترى فيه الكثير من العيوب الزلل والقفز فوق شعارات الثورة وحرق المراحل لصالحهم سوف نظل نناقش قضايا الثورة ومستقبل الحراك وتشخيص مواطن الداء والعلل من أجل تحقيق ما تصبو إليه لإقامة الدولة المدنية التي نحلم بها ونعرف التحديات وحجم التضحيات وأننا على الدرب سائرون .

zuhairosman9@gmail.com

 

آراء