السودانيون والأحزاب.. “ما بريدك وما بحمل بلاك”!. .. بقلم: محـمد أحمد الجاك


هناك مثل سوداني عندما لا تكون العلاقة ودا كاملا، فحينما يكون الود اضطراريا يقولون: (ما بريدك وما بحمل بلاك)!!
وهذا المثل يعني، لا أحبك ولا أحتمل الحال بدونك. وأعتقد أن هذا المثل أبلغ ما توصف به العلاقة بين السودانيين ونخبتهم السياسية؛ فإن جاءت الانقلابات العسكرية، رحب بها السودانيون، ثم لم يلبثوا أن يكتشفوا بؤس الاستبداد، فيغضبون. فيتجمع الغضب المكتوم، ثم تقع شرارة ما تفجر الأوضاع، تكرر هذا 3 مرات؛ فقد هتف السودانيون للنميري قائلين: العذاب ولا الأحزاب، ثم ثاروا عليه بعد 16 سنة، ثم انتخبوا الأحزاب ذاتها التي ثاروا عليها.
وعلة اضطراب الصلة بين الأحزاب والشعب في السودان، منشؤها ازدواجية بنية الأحزاب التقليدية بين قيادة وأتباع تقليديين وطبقة من الخريجين، وقاد هذا لانشقاقات في بنية “الاتحادي” مرارا، بين السيد علي الميرغني وإسماعيل الأزهري والشيخ علي عبد الرحمن. وقاد في حزب الأمة إلى صراع محمد أحمد محجوب مع الصادق المهدي.
كما عزز هذا الإشكال غياب البرامج الاقتصادية والسياسية الواضحة، فعدا عبارات وطنية صاغها حسين الهندي، سميت (مبادئ الهندي) وخطاب (الرايات السبع) للصادق المهدي، لم تكد توجد محاولات جادة لإيجاد خطاب أيديولوجي يترجم لبرامج سياسية واقتصادية واضحة؛ إذ لم تكن نخب الخريجين ذاتها إلا طيفا واسعا تحت رعاية تقليدية. فعبد الله خليل والمحجوب والأزهري ليبراليو التوجه ميالون إلى الغرب عروبيون. وفي حين كان السيدان علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي زعماء تقليديين دينيين، كانت (الإسلامية العقلانية) هوية علي عبد الرحمن والصادق المهدي مثلا. أما الإخوان، فقد انقسموا للإخوان التقليديين وجماعة الميثاق مع الترابي الذي غدا طائرا مغردا خارج السرب، مثيرا للجدل في فتاوى ثبت أن له فيها سلفا.
أما وفاء هذه الأحزاب ذاتها للديمقراطية، فليس أقل من صبر السودانيين عليها، فحزب الأمة حفز على الانقلاب الناجح الأول عام 1958. والشيوعيون قادوا الانقلاب الناجح الثاني عام 1969، وانقلبوا على النميري في انقلاب فاشل دفعوا ثمنه غاليا، وأما الإسلاميون، فشأنهم ما قد رأى الناس، كعطر منشم.
وداخليا، فإن وفاء الأحزاب للديمقراطية كان شيئا عجبا؛ فإذا ضج السودانيون من حكم البشير لـ30 حولا، فما قولكم في أحزاب سياسية يترأسها رئيسها لما يقرب من نصف قرن بغير انتخابات، بل وفي أحسن الظروف، ينزل للانتخابات بلا منافس؟
وإذا كانت الديمقراطية مفرزة للتشاكس بطبيعتها، إلا أن غياب الأولوية الوطنية كان مفضيا لتحطيم كثير من المنجزات، أو تعطيلها، خاصة ما شهدته الديمقراطية الثالثة من تعطيل الترابي لاتفاقية( الميرغني- قرنق )، ومناكفات عطلت حكومة الصادق المهدي، فثمة فرق بين الخلاف الحزبي، وبين الطمع في السلطة، وبين تحطيم بنية الوطن.
والسودانيون يحبون الزعيم القائد الكاريزمي لكونهم مجتمعا قبليا يؤمن بشيخ القبيلة ذي العقل والبيان، ولكنهم في الوقت ذاته، أقل الناس صبرا على ذي البيان بلا عمل؛ لذا لطالما ضجوا من كثرة خطب الأحزاب السياسية إبان الديمقراطيات، وضجوا من حكم العسكر إذا طال أمده، واستبد الزعيم برأيه. ناهيك عن أن السودانيين في الأصل صعبو القياد، وما ذاك إلا لنفرتهم من الظالم أصلا، ومن مقيد حريتهم تبعا، لعلل في تاريخ السودان وعربه وجغرافيته أيضا.
رغم كل شيء، لا أظن انقلابا عسكريا سيكون مقبولا مجددا، ولكن نحتاج ديمقراطية فاعلة وقوية وواضحة البرنامج.
ويبقى سؤال صبر الشعب على الديمقراطية، وإيمانهم بها وسيلة للحكم، أمرا آخر يحتاج إلى بصيرة ووعي، كي يخرج المجتمع السوداني من الدوامة الجهنمية، ويوقظ ذاكرته التاريخية ويتعلم منها.

نبضات أخيرة:-
• بعد أن كانت بعض الأحزاب بعينها تقتل المواطنين حتى تؤجج الشارع، الآن القيادات العسكرية تقتل القيادات الميدانية لتبحث عن الشرعية وتشيطن الثورة وتُجرد من سلميتها!!. العقل السياسي السوداني (مدني وعسكري)،عسكر ومدنين صورتين لنفس عملة الفشل.
اي محاولة لشيطنة حراك ثورة ديسمبر المجيدة هي محاولة بائسة بؤس مبتكرها و بؤس الذي يحاول التسويق لها و بؤس الذي يحاول نفخ الروح فيها لتسير بلا ساقين. سهام الشيطنة و حرابها وسيوفها يجب أن تصوب نحو عقل و قلب البرهان الذي استشهد في عهده 894 شهيد منذ أدائه القسم.
• (مؤسسة دموية)، ارتكبت مجزرة اعتصام القيادة 2019 لا زالت ترتكب جرائم في مواجهة اي مظاهرة سلمية).. (عنصرية)، مع من يطلبون الحريات، إمبراطورية، ودولة ضمن الدولة، يتمتّع قادتها بامتيازات استثنائية، رواتبهم يحدّدها وزير الدفاع، موازنتهم لا يراقبها البرلمان، يمتلكون مزارع ومصانع ومؤسسات أشغال عامة وشركات فندقية ووقود، ويسيطرون على كامل الجمهورية !!.
• مقدم(رتبة عسكرية) يمتلك صفحة في الفيس بوك ، ويكتب فيها رأي داخل صحيفة بدلا من ان تكون نشرة داخلية توزع وفق قواعد عسكرية معينة ، ونقيب آخر يخرج ليكتب حديث لا وجود له في اي مادة عسكرية او دستورية ، وآخر يخرج ليرد عليه في الفيس بوك من خلال صفحته الشخصية. ماذا تركتكم اذن للجمعيات الثقافية و نشطاء الرصيف الذين يجلسون ليتبادلوا الاتهامات و الشتائم ، و الفضائح . لم يتبق سوى أن تقوموا بتكوين مجموعات في فيس بوك شبيهة بتلك التي يقوم بها السياسيين . واقترح أن تأتوا لشرب القهوة بإتنيه ، و شاي المغرب بأميرة.
• هنالك اتجاهين في المشهد الان اتجاه لا يريد الانتقال ويخشى ما يترتب عليه من انتخابات حقيقية وهذا الاتجاه يضم اسلاميين واعداءهم التاريخيين في نفس الوقت ، يختبئ فيه بعض الإسلاميين خلف صنم البرهان ووعوده السراب باعتباره حامي حمى اليمين ، ويتعلق فيه اليسار بشعار المدنية وان يتسلمو مقاليد السلطة بلا اي استحقاق ، وهؤلاء _ اسلاميين ويساريين _ هم من يأججون الصراع الايدولجي باعتباره شرط وجودهم،واتجاه اخر همه الاول الانتقال والا نقع في تجربة مصر والسيسي وانتكاسة الثورات العربية ، للاسف هذا التيار لا يضم سوى افراد فقط من اليسار ، ويضم ايضا تيار الاسلاميين الذين استوعبوا درس المفاصلة الا انهم يتعرضون للابتزاز بوصفهم اقرب لليسار في حين ان الحصة انتقال وليس سجال ايدولوجي.
• الترقي في سلم الحضارة هو تماما مثل الترقي في درج الابنية ذات الطوابق فبفضل الهندسة وتفاصيلها يستطيع الانسان الصعود لاعلى الارتفاعات خطوة خطوة عبر نظام دقيق ( صب ) فيه المهندسون عصارة معارفهم و تجاربهم المتراكمة ، وقد يستطيع المالك أن يوفر المواد الخام من حر ماله و كسبه ولكن لا بد له من التعاون مع خبراء البناء حتى تتحول هذه الخامات الى صروح ينتفع بها الناس،مثلما تكمن ازمتنا الاقتصادية في امتلاكنا للموارد الخام وعجزنا عن التصنيع وما يستلزمه من تعقيدات التكنولوجيا و التمويل والتسويق ، فإن جوهر ازمتنا السياسية يتجلى في أننا نمتلك الحرية الخام ولا حيلة لنا للديمقراطية المعقدة ، واذا لم نتحرك فهنالك من يتربص لسرقة حرياتنا ومواردنا معا .
• لا أعلم كيف يستطيع أحدهم أنْ يصف ما حدث في الخامس والعشرين من أكتوبر بالتصحيح، مهما بلغ اختلافك مع ما سبقه فلن تكون هذه الإجراءات إلا نكوصا وتراجعا كبير عن القليل الذي تم تحقيقه وعلى جميع الأصعدة، إذ كشرت سياسة السحل والقتل والإعتقال عن نفسها من جديد، لم تهدأ الأقاليم المأزومة بل وتفجّرت جيوب الأزمات في أقاليم أخرى ودونكم إغلاق طريق شريان الشمال . من يقول: أنا مع ماقام به البرهان في 25 اكتوبر الماضي ولكني ضد استفراده بالسلطة لاحقا، هو كمن يقول: أنا مع الاغتصاب ولكني ضد أن يؤدي إلى الحمل!!.
ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع ، لا رجال في أيديهم سيوف من خشب. •

mido34067@gmail.com
////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات