“دارفور – منقذون وناجون – السياسة والحرب على الإرهاب”، للدكتور محمود ممداني، أو السودان ولعنة الخريطة (1 من2)

 


 

 

عرض ونقاش: الوليد محمد الأمين

لا يجد المرء صعوبة كبيرة في القول بأن هذا الكتاب هو واحد، بل ربما أنه الأفضل في ذلك، من الكتب التي أحاطت بمسألة دارفور وتداخلاتها وتقاطعاتها المحلية والإقليمية والقارية، بل والدولية من بعد ذلك، من جوانب متعددة ومختلفة. وبالنظر إلى مؤلف الكتاب والطريقة أو المنهج المتبع في كتابته فلن يكون ذلك مستغربا، فالدكتور محمود ممداني (تقرأ أحيانا محمداني)، واحد من أميز الأسماء في مجال العلوم السياسية والاجتماعية في القارة الإفريقية، ومن المعروفين في المجال ولهم مكانتهم في هذا التخصص في العالم. وربما ساهمت الخلفية الإثنية والتجربة الشخصية للمؤلف في صقل نظرته تجاه العالم بطريقة مغايرة للعديد من متخصصي العلوم السياسية والاجتماعية. فممداني المولود في مومباي في الهند رحل مع والده إلى شرق إفريقيا منذ وقت مبكر، واستقر ونشأ وسط جالية آسيوية كبيرة في يوغندا، حيث درس هناك ومن بعدها ارتاد جامعة ماكريري في كمبالا، وهي بالطبع إحدى الجامعات الإفريقية المرموقة، ودرس فيها عدد من الأسماء الكبيرة التي كان لها شأنها في القارة. غير ذلك فالخلفية الاسلامية للمؤلف ربما وفّرت له فهما متعمقا للمسألة الدارفورية قلما توفر للمهتمين بها من الكتاب الغربيين والمهتمين على وجه العموم، الذين لم يتسن لهم فهم حروب دارفور عند اسقاطها السهل والكسول على حرب جنوب السودان ذي الأغلبية غير المسلمة.
إن الانطباع الأول الذي قد يخرج به القارئ للكتاب، أن سلطنة دارفور لم يكن لها أن تكون جزءً من السودان الكبير بحدوده التي وضعها الاستعمار، وكان يمكن لها أن تتطور ككيان مستقل بتعقيداته وفرص معالجتها، التي كانت في غالب الأمر ستكون أفضل بعيدا عن تعقيدات جغرافيا مختلفة عنها ولم تتمكن من فهم تعقيداتها كما ينبغي. فباستعراضه لتاريخ دارفور السياسي والاجتماعي وتفسيره لأسباب الحروب فيها وتعمقه في فهم ارتباطات دارفور بغرب القارة، يجد القارئ للكتاب أن السلطنة الغربية التي ضُمّت للسودان منذ تاريخ ليس بالبعيد، لها من أسباب الاستقلال ما هو أكثر من أسباب جنوب السودان الذي استقل قبل عدة سنوات في العام 2011 بانفصاله عن السودان الكبير، بل إن تعقيدات المسألة الدارفورية وتقاطعاتها مع جغرافيا النهر (المؤلف هو من أشار في كتابه أكثر من مرة إلى الشمال بالنهر وإلى سكانه بالنهريين)، هي من الضخامة والتعقيد بما لا يقارن مع تعقيدات جنوب السودان مع شماله قبل الانفصال. وكنت قد راسلت المؤلف مناقشا معه هذه الجزئية أو الانطباع بالتحديد، ورد مشكورا.
يقع الكتاب في نسخته العربية في 384 صفحة من القطع المتوسط، وكان الكتاب قد صدر باللغة الانجليزية في العام 2009 عن دار بانثيون بوك في نيويورك، أما الطبعة العربية فقد أصدرها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في يناير من العام 2010، بترجمة السيد عمر سعيد الأيوبي ومراجعة السيدة منى جهمي.
قُسِّم الكتاب إلى ثلاثة أقسام عُنونت كالتالي: القسم الأول: حركة إنقاذ دارفور والحرب العالمية على الإرهاب، القسم الثاني: وضع دارفور في سياقها، ثم أخيرا القسم الثالث: إعادة التفكير في أزمة دارفور. احتوى الكتاب كذلك على مقدمة سمّيت خلاصة الكتاب، وخاتمة تحت عنوان: المسئولية عن الحماية أو الحق بالمعاقبة؟ ثم أخيرا المراجع فالفهرس.
الأقسام الثلاثة للكتاب قُسِّمت هي ذاتها إلى ثمانية فصول تحت العناوين التالية: الفصل الأول: عولمة دارفور، الثاني: سياسة حركة إنقاذ دارفور، الثالث: كتابة العرق في التاريخ، الرابع: السودان وسلطنة دارفور، الخامس: خريطة استعمارية للعرق والقبيلة: صناعة المستوطنين والسكان الأصليين، السادس: بناء الأمة والدولة في السودان المستقل، السابع: الحرب الباردة وما أعقبها، أما الفصل الثامن والأخير فقد جاء تحت العنوان: الحرب الأهلية والتمرد والقمع. إلى ذلك فقد قُسِّمت الفصول الثمانية نفسها إلى أجزاء أصغر، أولاً وثانيا وثالثا وهكذا توالياً في كل فصل، وكل منها تحت عنوان معين، ففي الفصل الثاني على سبيل المثال نجد ثانياً بالعنوان: تنميط الدين، وفي الفصل الثالث نجد سابعاً بالعنوان: من هو العربي؟ أما في الفصل السابع فنجد سادساً تحت عنوان: من حبري إلى ديبي، وهكذا، على سبيل المثال والتوضيح لا الحصر والإحاطة.
جاءت الترجمة العربية للكتاب في ثوب أنيق وعبارات واضحة ولغة رفيعة، لا ينقص من ذلك الأخطاء المتكررة في ترجمة الأسماء السودانية وأسماء السودانيين، كان يمكن للمترجم أو المُراجِعة بالطبع التوثق من ذلك، ولكن ذلك على كل حال لا يقلل من المكانة الأكاديمية والعلمية العالية للكتاب. ففي صفحات الشكر والتقدير مثلا تقدّم ممداني بالشكر للمؤرخ السوداني الكبير محمد سعيد القدّال (1935 - 2008) واصفا له بالصديق العزيز، ولكنه في الترجمة تحول إلى الجدال بدل القدال. كذلك تُرجم اسم الدكتور صديق أمبدة إلى أمبادا، وعطا البطحاني إلى البتهاني، والطيب حاج عطية إلى حق عطية، وعبد الوهاب الأفندي إلى عبد الوهيب، والنور عثمان أبكر إلى النور عثمان بوبكر، وعشاري محمود إلى أوشاري، وسليمان بلدو إلى بالدو، وعدلان الحاردلو إلى الهردالو. الخطأ الذي ربما كان فادحا هو في ترجمة اسم الشاعر الكبير محمد عبد الحي إلى عبد الهادي، وهو بالمناسبة ذُكر دون اسمه الأول، ولكن يمكن التعرف عليه بسهولة من اسم قصيدته المعروفة التي أشار إليها المؤلف "العودة إلى سنار"، وهكذا. ومن ذلك ترجمة اسم قبيلة المساليت بالمصاليت، رغم أنها ترد صحيحة بعد ذلك في غير موضع، والجعليون بالجعاليين مرة وبالجاليين مرة أخرى، والشايقية بالشيقية، وأرباجي لقرية أربجي في شمال الجزيرة، وكسالا لمدينة كسلا، ورابطة العلم الأبيض لجمعية اللواء الأبيض كما تعرف عند السودانيين. وثمة أسماء تُذكر باسمها الأول فقط مما يجعل من المستحيل معرفتها مثل سامية وأحمد ومحمد في باب الشكر والتقدير. كذلك ورد خطأ في تاريخ سقوط النميري ولكنه ذُكر صحيحا في موضع آخر.
قلت إن انطباعا بأن دارفور تنتمي إلى الغرب الإفريقي أكثر منها لانتمائها إلى جغرافية وثقافة القرن الإفريقي وحضارات البجا والنوبة التي ينتمي إليها السودان النهري قد يكون بعض أول ما يتبادر لقارئ الكتاب. وقريبا من ذلك يرى المؤلف أن سلطنة دارفور ما تزال مُختزَنة في الذاكرة التاريخية للدارفوريين، ويورد أنها، أي السلطنة، قد أنشئت في العام 1650 وبقيت مستقلة حتى استعمرتها تركيا نحو عقد من الزمن في نهاية القرن التاسع عشر، ثم بريطانيا في أوائل القرن العشرين على مرحلتين: بقيت فيهما مستقلة اسميا بدء من العام 1898، ثم الاستعمار التام في العام 1922 عندما أدخلت في الاستعمار الانغلو – مصري للسودان بحسب تعبير المؤلف، الذي يذكر في مكان آخر من الكتاب أنها دُمِجت رسميا في العام 1916. وعلى الرغم من رؤيته بأن دارفور كسلطنة مستقلة ما تزال مختزنة في ذاكرة الدارفوريين، فإنه بالمقابل يرى إن المعضلة في دارفور خلافا لجنوب السودان، هي عدم وجود قوة داخلية قادرة على تقديم قيادة فعالة، مع إشارته لمجموعة اللهيب الأحمر التي نشطت في دارفور في الستينات وكانت توزع المنشورات التي تهدد باتخاذ إجراء ضد "الجلابة" في المراكز التجارية الرئيسية في دارفور، أما مجموعة سوني فقد تعهدت بمقاتلة "الجلابة" كما ذكر المؤلف، وحمّل أعضاؤها التجار النهريون المسئولية عن التخلف في دارفور، ولكن السلطات وقتها اتهمت التنظيم بالرغبة في فصل دارفور عن السودان. وعندما عيّن النميري السيد أحمد دريج حاكما لإقليم دارفور كأول حاكم للإقليم من دارفور، قال الزعيم الدارفوري شريف حرير إن ذلك سجّل نهاية للاستعمار الداخلي! ولكن هذه النهاية للاستعمار الداخلي كما سماها شريف، كانت البداية للتنافس والصراع الإثني الداخلي في دارفور بين الإثنيات المختلفة بحسب ممداني.
يرى ممداني أن جوهر الأزمة الوطنية في السودان يكمن في الفشل في تجاوز الانقسام الاستعماري المصطنع- وهو انقسام، بحسب ممداني، في المفاهيم والمؤسسات على السواء- الذي يوازن بين الحداثة والتقليد ويضفي الراديكالية على بحث الهوية (القبلية). وهي مسألة لا يملك قارئ الكتاب غير الاتفاق معها بعد الاطلاع على ما أورده الكاتب من حيثيات وسياسات لتعضيد وجهة نظره وتوضيحها، ولكني قد أختلف معه في كون ذلك الانقسام كان مصطنعا بالكلية، فالتناقضات والانقسامات بين المكونات المجتمعية في السودان عموما وفي دارفور على وجه الخصوص، كانت سابقة للاستعمار البريطاني الذي استفاد منها وطوّعها لمصلحته في براغماتية تليق بمستعمر، والتناقضات هذه بين مجتمعات دارفور من جهة ومجتمعات ما سماه المؤلف بالسودان النهري وشمل فيه مجتمعات شمال السودان والبجا، هذه التناقضات كانت هي أيضاً سابقة للاستعمار الإنجليزي. وربما كان أحد مظاهر هذه الاختلافات ما أورده المؤلف على لسان السير لي ستاك الحاكم العام للسودان في العام 1923 من أنه "يكاد لا يوجد مجتمع محلي في شمال السودان حيث انحل التنظيم القبلي القديم، إلى حد عدم وجود أساس لإعادة إنشاء السلطة القبلية والعدالة القبلية"، وذلك بعكس ما استغله الانجليز في التفريق بين القبائل في دارفور بتعزيز القبلية وتعزيز بعض القبائل على الأخرى وسياسة الأرض والحواكير.
بعض ما يمنح كتاب ممداني هذا التفرد في الطرح هو ذلك التعمق المتبصر في تعقيدات المسألة الدارفورية، والذي نجح المؤلف في سبر أغواره بجدارة، فعند تعرضه للحديث عن العبودية في دارفور يشير ممداني إلى أن السلطنة لم تكن عربية في دارفور ولم تكن العبودية مؤسسة عربية، بل إن العبودية في دارفور – والحديث لممداني – كانت مؤسسة يحركها الفور ويشارك فيها البقّارة بدو الماشية في الجنوب، أما الأبّالة الذين أصبحوا لاحقا الجنجويد بحسب وصفه، فلم يشاركوا في ذلك. وفي هذه المسألة بالتحديد أي مسألة العبودية والرق يرى ممداني أن المقارنة بالصراع الشمالي الجنوبي شديدة التضليل، ذلك أن العبودية في الجنوب كانت مؤسسة عربية تطورت في إطار سلطنة الفونج، بينما في دارفور فقد تطورت مؤسسة العبودية في إطار توسع سلطنة دارفور وكانت مؤسسة فورية (تقرأ فوراوية) بالأساس، انخرطت فيها قبائل البقارة كشريك صغير بينما لم يشارك الأبّالة. أما الاسترقاق الذي عاث دمارا في جنوب الفونج حسب تعبير ممداني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فهو لم يكن من صنع المسترِقِين العرب الذين قدموا من خارج السودان، بل كان استرقاقا محليا بلغ ذروته إبان الحكم التركي عندما انضم تجار العبيد الأتراك المصريون ومعهم الأوربيون إلى التجار المحليين في الشمال النهري فشاركوهم في تمويل حملات الاسترقاق. أما في دارفور فيتفق المؤلف مع المصادر التي تشير إلى أن تصدير العبيد كان امتدادا لاستخدامهم الداخلي وليس العكس، وأن أعدادهم في الداخل ربما فاقت إعداد المُصدَّرين منهم، مما يشير ببساطة إلى أن الرق وتجارة الرقيق بدآ على الأرجح كمؤسستين داخليتين. ويشير ممداني بوضوح أكاديمي محمود إلى أنه وعلى الرغم من تعبير العبودية العربية في السودان، فإن علينا أن ندرك أن اشتراك غير السودانيين من الأوروبيين والعرب في تجارة العبيد تلا الحكم التركي المصري في أوائل القرن التاسع عشر. إنه لمن المثير للدهشة أن من عدّوا أنفسهم أحفاد المُستَرَقين في السودان حمّلوا وزر ذلك للشماليين وحدهم، بل ولقبائل لم تكن هي من مارست الاسترقاق في سلطنة الفور أو كوّنت سلطنة الفور مثلا، ولكنه الابتزاز الرخيص! وعلى ذكر مسألة الرق في السودان وممالكه منذ مروي وممالك السودان المسيحية مرورا برقيق السودان ومماليك مصر، ثم الرق في مجتمع الفونج وسلطنة دارفور ثم في المهدية، وكل ذلك استعرضه ممداني في مجال بحث الكتاب، فلمزيد من التفصيل يمكن للقارئ العودة إلى كتاب "علاقات الرق في السودان" لمؤلفه محمد إبراهيم نقد.
انتهت سلطنة دارفور المستقلة بعد قرنين ونصف القرن على نشوئها على يد الزبير باشا الذي يصفه الكتاب بالوكيل المحلي للشركات التجارية، إذ أحضر معه سبعة آلاف من البازنقر – الجنود العبيد – ودمر عدة جيوش أرسلها السلطان ابراهيم قرض.
أما العنف في دارفور فيرى المؤلف أنه في التحليل النهائي فقد كان العنف الشديد جزء من دارفور منذ أكثر من ثلاثة قرون، ولا يمكن تسمية هذا العنف بأنه عربي أو غير عربي. ويرجع ممداني القسوة المفرطة التي تميزت بها الحروب داخل السهل الأفريقي إلى أزمة الشعوب البدوية الذين لا موطن لهم ويقاتلون من أجل البقاء والأرض، وكتدليل على هذا المفهوم المفارق لقيم الدولة الحديثة لدى هذه المكونات البدوية، يورد المؤلف أن رئيس مفوضية اللاجئين في السودان سأل لاجئا تشاديا عن متى يعود إلى موطنه فأجاب:" موطني حيث توجد الأرض والمطر". لقد اختبر السودانيون النهريون هذه القسوة التي عدّها ممداني تعبيرا عن أزمة الشتات وعدم الموطن، واختبروا مفاهيم الانسان ما قبل الدولة المتمثلة في مثل رد اللاجئ التشادي، اختبروا كل ذلك وبالطريقة الأصعب في حرب 15 أبريل في الخرطوم وما بعدها، قسوة لم يتصوروها واحتلال للبيوت بعد طرد سكانها منها في ممارسة لم تحدث في التاريخ القريب للحروب، وغير ذلك من الفظاعات التي أعادت ذكريات كتلة المتمة المسكوت عنها في التاريخ الرسمي السوداني. يرى ممداني أن هذه الوحشية المفرطة لطالما كانت ملمحا أساسيا في حروب دارفور، إذ كان الفرسان العرب يقطعون أعناق ضحاياهم الفور ويحرقونهم أحياء عندما ينجون من رشاشاتهم وقذائفهم الصاروخية، بينما قام الفور بمثل ذلك كلما أتيحت لهم الفرصة، في سلوك عدّه المؤلف تأكيدا على أن المجتمع المدني في الحرب أشد وحشية من النزاع بين الدول.
يفرق الكاتب بوضوح شديد بين سودانين في إطار كتابه: السودان الشمالي الذي يسميه بالسودان النهري، والسودان الآخر الذي تمثله هنا دارفور. ففيما خص الشمال النهري يرى ممداني أنه نتاج تاريخ من التطور الداخلي المنساب، وهو تاريخ أطول – يقول الكاتب – من تاريخ الحضارتين العظيمتين في المنطقة مصر والعراق، وهو لم يُحتَلّ من قوة أجنبية حتى غزته القوات العثمانية والبريطانية المتمركزة في مصر، ومن وقتها أطلق على البلد اسم السودان بصورة رسمية.
من المهم هنا الإشارة إلى أن ممداني كان قادراً على التمييز بوضوح بين المكونات الثقافية في السودان وتماسها بعضها بعضا وتقاطعاتها، وإن لم يشر إلى ذلك بالتمايز الثقافي صراحة، وربما كان لاحتكاكه بالمجتمعات المحلية في شرق القارة أثر كبير في ذلك، فهو قد نجح في التعرف على الفروقات والانقسامات العميقة داخل هذه المجموعات في السودان، وفي ذلك يذكر في معرض حديثه عن مؤتمر الخريجين أنه في حين جاء الوحدويون من السودان النهري والشرقي، وهو المكان الذي يتحدر منه الجلابة بحسب وصفه ، فقد كانت القيادة الأساسية للأنصار غربي السودان بما في ذلك دارفور. وهذه ملاحظة سليمة دون شك، بل واستمر هذا الانقسام إلى أن تكونت الحركات المسلحة في دارفور على أساس جهوي صرف. وكمثال على هذا التمايز الواضح ذكر ممداني أنه بينما كانت دارفور تصوت في الانتخابات لحزب الأمة، فقد صوت الشمال والشرق للحزب الوطني الاتحادي. بالطبع حصلت متغيرات كثيرة منذ الانتخابات الأخيرة في السودان التي تم فيها التصويت على ذلك النمط، ولكن الصحيح كذلك أن هذا التمايز بين الشمال والشرق من جهة، ودارفور من جهة أخرى، ما يزال ماثلا بل وازدادت حدته، وهناك الكثير من المؤشرات التي يمكن الاستدلال بها هنا.
يُفرِّق ممداني كذلك بوضوح بين من يسميهم بعرب الشمال النهري وعرب دارفور، فهو يرى أنه إذا كانت دارفور مهمشة في السودان فإن عرب دارفور مهمشون في دارفور، وبعبارة أخرى كما يرى: فإن التهميش مضاعف للعرب في دارفور. كما يرى بوضوح أن العرب النهريون هم شعوب مستقرة ذات منظمات إقليمية قروية الطابع، بينما عرب دارفور وكردفان هم بدو تقوم هويتهم على الانتماء إلى الجماعة أكثر من الإنتماء إلى الأرض. ويقول ممداني إن الكثير من العرب النهريون يميلون إلى النظر إلى القبائل البدوية على أنهم سذج وريفيون غير متحضرين وليسوا أفرادا في مجتمع مشترك، ويختم ذلك بقوله: كل ذلك صحيح في إطار أنه لا يوجد تاريخ واحد للعرب في السودان ولكنه يمثل جانبا واحدا من القصة. وعند تعرضه للحركة المهدية يصفها ممداني بأنها شيّدت أكثر من أي حركة اجتماعية أخرى الأساس لهوية سياسية شمالية مشتركة، وأنه ولولا المهدية لتحدثنا عن غرب السودان والنيل ككيانين سياسيين منفصلين. في الحقيقة لا أتفق مع المؤلف في الشق الأول من ملاحظته، صحيح أن المهدية نجحت بالقوة في تشكيل تصور لسودان مختلف عما قبله لفترة محدودة، إلا أن الفظاعات التي صاحبت المهدية في عهد الخليفة عبد الله حملت بذرة الخلاف التاريخي بين كيان النيل الأقرب إلى القرن الافريقي وشمال القارة من جهة، وكيان غرب السودان الأقرب إلى غرب القارة من الجهة الأخرى، فهي بالتالي لم تشكل الأساس لهوية شمالية مشتركة بقدر ما استهدفت الهوية الشمالية وقتها بعد نجاح الحركة في القضاء على الحكم التركي. أما الشق الثاني عن كونهما كيانين ممفصلين فصحيح. وعلى الرغم من أن الكاتب وصف المهدية بأكثر الحركات المناهضة للإمبريالية إثارة للإعجاب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد وصف من سماهم بالنهريين الذين رفضوا زعم المهدي بمهديته المنتظرة ب “النهريين المحنكين". ما اضطره، أي المهدي، للانتقال إلى غرب السودان، حيث التقى بمن يصفه ممداني " بمتسول يتحدّر من غرب افريقيا يدعى عبد الله محمد تورشين، وهاجرا معا إلى داخل دارفور وكردفان ". ينقل ممداني ما كتبه ونستون تشرشل عن المهدي ما وصفه المؤرخ الشنقيطي ب "التقدير الحاقد" للمهدي قوله: "إن انتصارات المهدي في حياته أكبر من انتصارات مؤسس الدين المحمدي"، ولكن ممداني يرى أن المهدية عاثت عنفا وحشيا ضد من بقي خارج صفوفها سواء كانوا معارضين لها أم غير مهتمين بها. فبرغم نجاح المهدي في بناء حركة عابرة للإثنيات فقد قسمها بطريقة أخرى بقمع أوجه التعبير الأخرى عن الاسلام في الشمال، وبتقوية تجارة العبيد في الجنوب، وإرغام السكان على الانتقال من الغرب إلى أمدرمان في وادي النيل. وفي حديثه عن المهدية يذكر المؤلف بعض الأمثلة عن وحشيتها في إخضاع الكبابيش الذين رأى الخليفة أنهم " لم يكونوا خاضعين بالقدر الكافي “، فانتهى الأمر باندثارهم كشعب من الناحية العملية، ولم يكن نصيب البجا في شرق السودان بأفضل حالا. وفي نهاية الأمر وكنتيجة لسياسات المهدية ممثلة في الخليفة عبد الله التعايشي فقد هلك نحو ثلث سكان شمال السودان نتيجة العنف السياسي والمجاعة والمرض في أثناء ثمانية عشر عاما من حكم المهدية. على كل حال كانت هذه هي الظروف التي دخلت فيها القوات البريطانية إلى السودان بقيادة كتشنر الذي قضى على المهدية في النهاية، وكنوع من الثأر أخرج كتشنر جثة المهدي من قبره وفصل الرأس عن الجسد الذي ألقي في النيل بحيث لا يمكن استعادته، بينما احتفظ بالرأس كتذكار بجعله محبرة على مكتبه. وعلى كل حال وبالنسبة إلى ممداني فهو يرى أن المهدية يجب اعتبارها حركة ثورية، وهو الاتجاه الذي ذهبت إليه مؤسسة الدولة السودانية الرسمية بعد ذلك في المناهج الدراسية وفي المناسبات والمخاطبات الرسمية، غير أن فظاعات المهدية على السكان النهريين ظلت متناقلة شفاهة رغم تجاوز النهريين لها في محاولة للوصول إلى وطن متحد غذّته في مخيلات أفكار الآباء المؤسسين للدولة وقتها أفكار حركات التحرر الإفريقية والآسيوية في العالم الخارج من الاستعمار في ذلك الوقت، ولكن ذلك لم يُجد، ولم يشفع للنهريين ذلك التجاوز كما أوضحت حرب الخرطوم الأخيرة وامتداداتها في الجزيرة وعموم ما وصلته الحرب من السودان النهري.
ورد في الكتاب أن دارفور كانت تقدم كسوة الحجر الأسود والكعبة في موسم الحج، وهذا القول رغم شيوعه وانتشاره إلا أنه لا وثائق تاريخية أو مصادر محكّمة يعتد بها تدلل عليه، وتاريخ كسوة الكعبة موثق ومتوفر في بعض المراجع، ولكن الثابت بحسب بعض الدراسات هو اقتصار هدايا وعطاءات سلاطين الفور إلى الحرمين الشريفين على صرة الحرمين فقط، وأن كسوة الكعبة لم تكن ضمن مشتملات المحامل الدارفورية، أي أنه كان هناك محمل ولكن الكسوة لم تكن من ضمنه.
في القسم الأول من الكتاب والمعنون "حركة إنقاذ دارفور والحرب العالمية على الإرهاب" ناقش الكاتب الأسباب التي جعلت دارفور في صدارة الاهتمام العالمي ونشرات الأخبار في بداية العقد الأول من الألفية، على الرغم من أنها لم تكن أكثر الحروب فظاعة، ولا عدد القتلى فيها كان الأعلى مقارنة بحروب أخرى كانت تدور وقتها. وفي تفسير ذلك يرى ممداني أن العامل الأهم والسبب الرئيس في ذلك هو أن دارفور أصبحت محل الاهتمام الرئيسي لحركة اجتماعية وسياسية محلية في الولايات المتحدة تطورت لتصبح ظاهرة أمريكية داخلية، وتكمن في صلب هذه الحركة التي حققت نجاحا ملحوظا، منظمة راعية متعددة الأديان تدعى "ائتلاف إنقاذ دارفور".
في الحقيقة وفي اعتقادي الشخصي فبالإضافة إلى الأسباب الوجيهة التي ذكرها ممداني، فقد تضافرت عوامل عديدة في هذه المسألة لتصل في النهاية إلى ما وصلت إليه، فالسمعة السيئة لنظام الرئيس السوداني وقتها عمر حسن البشير، وارتباط النظام في بداياته بما عرف بالحركات الإسلامية المتطرفة أو الإرهابية، وعلاقات النظام السوداني مع النظام الإيراني، والنبرة الإسلامية للعالية للخطاب الحكومي في السودان وقتها، كل ذلك أدى في النهاية إلى ما عدّه النظام السوداني بل والكثير من السودانيين وقتها، استهدافا ممنهجا للبلاد. أضف إلى ذلك ما توفر لدارفور من النشطاء الدارفوريين الذين طوروا علاقات مع كيانات ومراكز ضغط في أمريكا وأوروبا تعاونوا معها لتجريم الحكومة السودانية المنبوذة والمعزولة دوليا، إضافة إلى ما صاحب تلك العزلة من تقاطعات السياسة الإقليمية في جوار السودان الذي كانت حكومة الإسلاميين في السودان قد ساهمت في تغيير الأنظمة في أكثر من دولة فيه. ولكن الحكومة السودانية وقتها لم تكن معفاة من المسئولية عن توسع الحرب وتفاقم آثارها كما بيّن ممداني في الكتاب. ولكن ما لم يتم التركيز عليه هو أن الحكومة قللت في بادئ الأمر من الأزمة التي كانت في بداياتها وتعاملت مع التمرد الوليد بمنطق انه ليس أكثر من فعل «شذاذ آفاق وقطاع طرق وعصابات نهب مسلحة» لا يجدر أن يتم التعامل معها إلا بحد السيف، وليس جزءا من إستراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة المنطقة، أو وضع معادلة سياسية جديدة فيها بمشاركة لاعبين جدد، وسرعان ما فوجئ قادة البلاد، بحسب مقال نشر في جريدة الحياة اللندنية في بدايات العام 2006، بأن ما حسبوه شأنا محليا محضا اتخذ بعدا دوليا، فأصدر مجلس الأمن في غضون شهور قليلة أكثر من عشرة قرارات في شأن الإقليم، وهو ما لم تحظ به قضية الجنوب التي دارت رحى حربها لنصف قرن. وقد ذكر في ذلك المقال أن رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دو فيلبان لدى زيارته للسودان وتشاد في فبراير 2003 (وكان حينها وزيراً للخارجية)، كان أول من نبّه إلى أزمة دارفور، وكانت لا تزال وليدة لم تعرف بعد التعقيد والتدويل الذي شهدته بعد ذلك لتتجاوز بعدها المحلي ويمتد تأثيرها على الأمن والاستقرار في المنطقة والإقليم بكامله.
صاحب ذلك على الجانب السوداني الرسمي فشل ذريع في التعاطي الدبلوماسي مع القضية، وتعاملت الحكومة بعنترية عُرِفَت عنها طوّرها الممسكون بمفاصل الدولة وقتها من أيام نشاطاتهم في الجامعات وأركان النقاش الطلابية. لقد كانت مسألة دارفور هزيمة كاملة الدسم للدبلوماسية السودانية التي كانت سنوات الإنقاذ الأولى قد جففتها بالإحالة للصالح العام وبتوظيف الولاء قبل الكفاءة.
وبالمقارنة مع مناطق أخرى لم تلق ذات الاهتمام الذي لقيته دارفور أشار المؤلف إلى تقدير منظمة هيومن رايتس ووتش بأن 3 بالمئة من الشعب الأنغولي قد ماتوا نتيجة الصراع المسلح في سنتين، أكثر مما يحدث في أي صراع في العالم. أما في الكونغو في العام 2006، فقد أصدرت اليونسيف تقريرا بأن 1200 شخص يموتون يوميا بسبب الصراع نصفهم من الأطفال وأن نحو 3.9 ملايين شخصا قد توفوا نتيجة للصراع بين عامي 1998 و2004.
لقد تمت المتاجرة بقضية دارفور في الولايات المتحدة وصارت جزء من الاهتمامات المحلية في محاولة من العقل الغربي – يمثله الأمريكي هنا – لغسل عاره في العالم والخروج بمظهر الإنسانية متجاوزا ذكريات الاستعمار وفظاعات الغزوات الحديثة في العراق والعجز في سربنيستا وليس بعيدا عن ذلك الفشل في التدخل لمنع مجازر رواندا أو على الأقل إيقافها. إنه لمن المثير للتأمل الآن النظر في النجاحات التي حققها ائتلاف إنقاذ دارفور الأمريكي، بل والطرق الملتوية التي اتبعها في الكثير من الأحايين للوصول إلى غاياته، سهّل عليه ذلك بالطبع موقف الحكومة السودانية الضعيف وقتها. يذكر المؤلف أن أول إجراء رئيسي قام به الائتلاف كان اقناع الكونغرس الأمريكي بتسمية 15-17 يوليو في العام 2005 " عطلة نهاية أسبوع وطنية للصلاة والتأمل من أجل دارفور". فتأمل! وفي العام 2006 أطلق الائتلاف ما سماه " الأيام العالمية من أجل دارفور"، وغير ذلك من الأنشطة التي استمرت في السنوات التالية وشملت إعلانات وملصقات في حافلات نيويورك تشير إلى أن عدد القتلى قد تجاوز ال 400 ألف! كانت الحكومة في السودان في غضون ذلك لا تدرك حجم ما بلغته الحملة، أو أنها أساءت التقدير كما هو ديدنها في الكثير من المواقف. وبالنسبة للسودانيين أنفسهم الذين كانوا قد جربوا مرارات حرب الجنوب فقد كانت دارفور فصلا جديدا في مآسي البلاد المستمرة، ولكن الدارفوريين وقادة الحركات المسلحة وناشطي الإقليم كان لهم رأي آخر، ففي الولايات المتحدة ودول غربية أخرى خرجت تظاهرات أبناء دارفور تحمل اللافتات وتشرح للمجتمع الغربي ما يحدث في الإقليم من فظائع وإبادة عرقية تحدث للسكان العزل بحسب وصفهم، رُفعت اللافتات وكتب على بعضها ما يمكن ترجمته بما يلي: تحركوا الآن - وإلا فان السودانيين السود سوف لن يكونوا موجودين إلا في كتب التاريخ عن العبودية. وفي الشروحات وصفت التغطيات الإعلامية بعض الناشطين بالشهود على الإبادة الجماعية، وتضامن مع هذه الحملات سودانيون من جنوب السودان مثل مانوت بول لاعب السلة الأمريكي من أصل سوداني (من جنوب السودان)، الذي كان أطول لاعب لعب في الرابطة الوطنية لكرة السلة، والذي كان ضغط على الكونغرس والتقى مع البنتاغون في التسعينات أيام حرب الجنوب قائلا لهم أن شعبه كان يهلك من قبل العرب المسلمين من الشمال وسوف يختفي إذا لم تساعدهم الولايات المتحدة، ولمزيد من التفصيل حول هذه النشاطات يمكن الرجوع إلى أرشيف موقع سودانيز أونلاين على الشبكة العنكبوتية. دخلت دارفور بالصورة التي رُسمت في المخيلة الأمريكية والغربية كأسوأ كارثة إنسانية في العالم في تفاصيل الحياة السياسية بل العادية للعالم المتحضر، وكما هو متوقع فقد تبارى المشاهير هناك في إظهار إنسانيتهم التي ستزيد من أرباحهم في آخر الأمر بطريقة أو بأخرى. من ذلك ما أورده ممداني من إعلان الفائز الأمريكي بالميدالية الذهبية للألعاب الأولمبية الشتوية وقتها التبرع بجائزته المالية للاجئين في دارفور. كذلك قدّمت الممثلة الأمريكية المرموقة ميريل ستريب فيديو عن دارفور بكلمات مؤثرة قالت فيها إن دارفور لا يسعها الانتظار! أما الممثلة الأمريكية انجلينا جولي وزوجها الممثل براد بت فقد تبرعا بمليون دولار لثلاث منظمات خيرية تعمل في السودان. وأنشأت مجموعة من الممثلين المشاهير من أمثال جورج كلوني وبراد بيت وآخرون جمعية غير ربحية تحت اسم " ليس تحت أنظارنا". ولا ننسى بالطبع سفر الممثل جورج كلوني ووالده إلى دارفور على نفقتهما الخاصة والتغطية التي صاحبت تلك الرحلة، وعندما دعتهما أوبرا وينفري لبرنامجها عالي المشاهدة، عرضا صورا لأطفال لاجئين من دارفور وهم يصيحون " مرحبا يا أوبرا، مرحبا يا أوبرا"، يا للطافة! لم تتوقف المسألة عند هذا الحد، فطلبت سفيرة النوايا الحسنة التي زارت دارفور أن تسمى الألعاب الأولمبية في بكين باسم "الألعاب الأولمبية للإبادة الجماعية"، أما المخرج المعروف ستيفن سبيلبيرغ فقد استقال من منصبه كأحد المستشارين الفنيين للألعاب الأولمبية اعتراضا على سياسة الصين في السودان!
يحدث كل ذلك يقول ممداني بينما كانت أرقام الوفيات في دارفور وفقا لموظفي الأمم المتحدة قد تراجعت إلى ما دون المستوى الذي يعد حالة طارئة وتغيرت طبيعة الحرب هناك ونتائجها.
ولكن ذلك لم يكن كافيا لائتلاف إنقاذ دارفور وحلفائه، ففي العام 2007 ناشد توني بلير (رئيس وزراء المملكة المتحدة)، زملاءه من القادة الأوروبيين دعم عقوبات الأمم المتحدة على السودان، بينما طالبت أسماء ثقافية مرموقة من وزن أمبرتو إيكو وغونتر غراس ويورغن هابرماس وفاكلاف هافل وهارولد بنتر وآخرون، طالبوا القادة الأوروبيين بأن يتحركوا على الفور باسم أوروبا! وجب عليّ هنا الاعتراف بأنني قد ذُهلت عند قراءة هذا الفصل من الكتاب من دخول أسماء ثقافية وفكرية ذات عيار ثقيل في هذه المسألة، يمكن قبول أن يفعل ذلك الممثلون والرياضيون الساعون إلى الشهرة والأضواء، ولكن انخراط المفكرين والكتاب المرموقين في ذلك يشير بطريقة أو بأخرى إلى أن لا قيمية ثابتة لأي كان، وإلى الدور الخطير والمتعاظم الذي يلعبه الإعلام المدفوع والمنحاز في تشكيل المفاهيم وقيادة الرأي العام. ولكن التقارير الإخبارية عن إفريقيا، يرى ممداني، تتسم بالسطحية لا العمق، وتقدم الحرب وكأنها منافسة بين وحشين، وتصور الأفارقة بأنهم يميلون إلى القتال على قضايا غير واضحة، وأن العلاج القياسي للصراعات الداخلية في إفريقيا لا يتركز على المشاكل، وإنما على إجراء مصالحة بين المتخاصمين بصرف النظر عن المشاكل المعنية.
يرى المؤلف على سبيل المقارنة أن الأمريكيين يتصورون العراق مكان تسوده الفوضى والسياسة الفوضوية، أما دارفور فهي بالنسبة إليهم مكان بلا تاريخ ودون سياسة، بل هو مكان يواجه فيه الجناة العرب بشكل سافر الضحايا الأفارقة. ربما جاز لنا هنا ربط هذا التصور المبسط عن الأزمة في دارفور بتصور العقل الغربي للعالم على وجه العموم، وربما ربطه بتاريخ العبودية والرق في الولايات المتحدة تجاه الأمريكان من أصل إفريقي، وقبل ذلك تاريخ الأمريكان تجاه الشعوب الأصيلة في القارة الأمريكية من الهنود الحمر. وليس بعيدا عن ذلك ما ذكره المؤلف من أن معرضا عن دارفور في الكيب تاون نظمه فرع من شبكة إنقاذ دارفور كان واسطة العقد فيه اقتباس منسوب إلى عضو في مليشيا الجنجويد منطوقه: "لدينا حلم ... قتل كل الأفارقة". وبالطبع يحيل الجزء الأول من المقولة "لدينا حلم"، إلى الخطبة الشهيرة لداعية الحقوق المدنية الأسود الأشهر والأكثر تأثيرا من ضمن الأمريكان السود مارتن لوثر كنق صاحب المقولة المشهورة: لديّ حلم.
وفيما خص تأثير الاستعمار على القارة الإفريقية عموما يرى ممداني في ميل الكتابات الغربية عن الاستعمار بالتشديد على الجانب الاقتصادي، والتشديد على أن الغرض من الاستعمار كان إعادة تنظيم الإنتاج في المستعمرات لخدمة احتياجات الإمبراطورية، يرى ممداني في ذلك دهاء وخداعا يحاول التقليل من التأثير السياسي لتلك الامبراطوريات، فهو يرى أن الغاية السياسية كانت إعادة تنظيم السكان المستعمرين، حتى وإن استدعى ذلك إعادة تحديد شاملة لهويات الشعوب، وهو ما قام به الاستعمار البريطاني في دارفور بتصنيف السكان المحليين في فئتين رئيسيتين: العرق والقبيلة. وعلى ذلك فقد حددت سلطات الإحصاء السكاني الاستعمارية عرق كل قبيلة، وحسمت أن العرب والزنوج عرقان حتى إذا كانا يتحدثان اللغة نفسها. وفي سبيل إزالة كل أثر للمهدية في دارفور، يقول ممداني، إن الإدارة الاستعمارية قامت بتقسيم المجتمع إلى إثنيات مختلفة وأضفت القبلية على كل إثنية وقامت بتأليب القبائل على بعضها ضمن ما عرف بسياسة الإدارة المحلية أو الحكم غير المباشر. وبذلك، يرى ممداني أن دارفور أصبحت البؤرة الأساسية للحكم غير المباشر، وأن الإطار الجديد للحكم والإدارة القبلية وضع ضمن أجندة واسعة سعت إلى فصل الشمال عن الجنوب والمركز عن الغرب. وفيما خص دارفور بالتحديد يرى ممداني أن هناك تأثيران أساسيان نتجا عن تلك السياسة: تهميش دارفور إزاء البلد ككل، وإعادة إضفاء القبلية عليها. أجدني أتفق مع المؤلف هنا، وربما أمكنني تفسير قوله بإعادة إضفاء القبلية بتوفير الغطاء الرسمي أو الحكومي لمؤسسة القبلية وليس إعادة إحيائها، إذ هي كانت حاضرة على الدوام. وفي ملاحظة ثاقبة يرى ممداني أن عملية إعادة تحديد الهوية لم تكن اعتباطية تماما، فقد انطوت في بعض الأحيان على إقرار مستحب بالهويات القائمة، وفي أحيان أخرى على إعادة تحديد شاملة لهويات الشعوب، وغالبا ما شملت رفع مكانة هويات قديمة وضيقة باعتبارها ذات شرعية تاريخية مقابل الاعتراف بشرعية الوصاية الاستعمارية. بدا لي أنه من الغريب أن السودانيين في تفسيرهم لمشكلة الجنوب ردّوا ذلك لدور الاستعمار الإنجليزي بينما لم يفعلوا ذلك في تفسير حروب دارفور التي يشير ممداني هنا بوضوح إلى أن واحدا من أهداف نظام الحكم الاستعماري كان فصلها عن المركز (على الرغم من أنهم هم من ضموها لهذا المركز)، وأن التأثيران المهمان في فهم أزمة دارفور في أواخر الثمانينات كانا نتيجة للفترة الاستعمارية، وهما تهميش دارفور إزاء البلد ككل والثاني هو إعادة إضفاء القبلية الداخلية. ولكن السياسة البريطانية برفع هويات وخفض أخرى لم تنته بذهابهم، ففي سنوات حكم الإسلاميين، يرى ممداني، أنهم لم يقوموا فقط بإحياء السلطات المحلية على الطريقة الاستعمارية وحسب، بل وعسكروها بتوسيع واجباتها لتشمل إعداد الشباب للجهاد.
وعطفا على ذلك يرى ممداني أن التهميش في دارفور جاء نتيجة عدة أوجه للسياسة الاستعمارية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وكان الهدف الإجمالي بحسبه هو تهميش المناطق التي تشكل مركز تحرك المهدية. وعليه فقد ركزت السياسة الاقتصادية جهودها التنموية في منطقة مثلثة تقع بين الخرطوم ووادي النيل في الشمال، والأرض الممتدة بين النيل الأزرق والنيل الأبيض (على حدود كردفان والأجزاء الجنوبية من ولاية كسلا) في الجنوب، المنطقة التي استفادت من انتشار التعليم والخدمات الصحية في الفترة الاستعمارية، بينما رفضت الدولة الاستعمارية توسيع نظام المدارس العلمانية في دارفور وترك الأمر للمدارس الدينية أي الخلاوي. يستدعي ذكر المنطقة المثلثة التي ركزت عليها السياسة الاقتصادية الاستعمارية إلى الذاكرة الطرح الذي تقدم به وزير المالية في بعض حكومات فترة الإنقاذ في العام 2005 السيد عبد الرحيم حمدي بطرحه تركيز التنمية في مناطق معينة سماها وعرفت بعد ذلك بمثلث حمدي، واعتبرت من الكثيرين في حينه دعوة لتقسيم السودان دون النظر إلى ما استند عليه السيد حمدي.
لقد كانت السياسة الاستعمارية واعية بمتطلبات بقائها هناك، فقد قال فيليب انغلستون حاكم دارفور في وقت ما إنهم تمكنوا من حصر التعليم بأبناء الزعماء والموظفين المحليين في الإدارة، وعليه يمكن لهم التطلع بثقة إلى الإبقاء على الطبقات الحاكمة في أعلى الشجرة لعدة سنوات قادمة.

wmelamin@hotmail.com

 

آراء