على خلفيّة مفاوضات جنيف: “الثعلب الفِضّي” وروسيا.. الأوربيّون والمظلّة الأمريكيّة والحَرْب المُحْتَملة

 


 

 

تُعْرَف ويندي شيرمان، وهي من أمْهَرِ الدبلوماسيين في العالم، باسم "الثعلب الفِضّي" لشّعْرِها الأبيض الثلجي بلونِ الحديدِ الصلب، وأسلوب عملها في عَقْدِ التسويات - لِتُقْرأ الصفقات - السياسيّة والدبلوماسيّة.
كانت ويندي شيرمان - نائبة وزير خارجيّة الولايات المُتَّحِدَة، حاضرة ومشاركة في أوروبا في أسبوع الدبلوماسيّة المُكَثَّفة للتباحث مع روسيا حول أوكرانيا. وبعد أنْ قادت وفد بلادها لمحادثات استمرّت ثماني ساعات في جنيف يوم 10 يناير الجاري مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف، شاركت أيضاً ببروكسيل في اجتماع مجلس الناتو وروسيا يوم الأربعاء 12 يناير الجاري.
وحول التطورات في الحدود الروسية الأوكرانية تقول (بي بي سي) التي بثّت تقريراً عن "الثعلب الفِضّي"، استعرضته صحيفة (اديفارول) الرومانيّة، "إنّ المخاطر كبيرة" بعد نشر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نحو 100 ألف جندي بالقُرب من الحدود مع أوكرانيا مِمّا أثار مخاوف توغّل جديد وتحذيرات من الغرب. وتأمل إدارة بايدن في نزع فتيل الوضع المتوتِّر بالمفاوضات مع الكرملين، وفوّضت شيرمان لترأس الوفد الأمريكي.
لا تهاب ويندي شيرمان، 72 عاماً، المعروفة في واشنطن بأسلوبها المؤثر، من تناول الموضوعات الصعبة بشكل مباشر. في عهد الرئيس بيل كلينتون، حاولت التوصل إلى اتفاق مع الكوريين الشماليين لوقف جهودهم لبناء أسلحة نووية. وعام 2011، في عهد الرئيس باراك أوباما، تولّت المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، فانتهت المفاوضات إلى اتفاق تاريخي بين إيران ومجموعة 5 + 1 - الولايات المُتَّحِدَة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا وألمانيا - في عام 2015.
في ذلك الوقت، أوضحت ويندي شيرمان أنّ "كونِك امرأة ليس عائقاً في غُرفِ التفاوض"، على الرغم من أنّ جمهوريّة إيران الإسلاميّة لديها قواعد صارِمة بشأن التعامل بين الرجال والنساء. وقالت "عندما جلست أمام الإيرانيين، كنت الولايات المُتَّحِدَة. على الأرجح، بصفتي امرأة، يمكنني أنْ أقول بعض الأشياء التي لا تبدو قاسية جداً بالنسبة لي، ولكن عندما تصبح قاسية (...) يحدث انطباع رائع، لأنه شيء غير متوقع".
أطْلَق عليها الإيرانيون لقب "الثعلب الفِضّي"، معترفين بصُعوبة التفاوض معها. وتبنّى زملاؤها في وزارة الخارجيّة اللقب، وأثناء المفاوضات ارتدوا قمصاناً كُتب عليها "سيلفر فوكس". ويعترِف بعض زملائها بأنّهم يتابعونها بإعجاب وأحياناً مع بعض الخوف عندما تنْخرِط في مناقشات حول قضايا دوليّة حسّاسة. وقال عنها جيمس جيفري، سفير الولايات المُتَّحِدَة السابق في تركيا "إنّها في حالة تأهُب وحذر للغاية".
طوّرت ويندي شيرمان مهاراتها الدبلوماسيّة بطريقة غير عادية. فبعد دراستها الرعاية الاجتماعيّة في جامعة ماريلاند، ساعدت أطفال بالتيمور المحتاجين لرعاية الأمومة. وبصفِتها عامِلة اجتماعيّة في الثمانينيات، أصيبت بالإحباط بسبب جهودها لإنقاذ الأطفال الذين تعرّضوا لسوء المُعاملة، لذلك عملت كمُشرفة اجتماعيّة لتساهم في تغيير النظام. أصبحت مديرة مكتب الدولة لرعاية الأطفال واكتسبت شهرة كناشِطة سياسيّة. بعد سنوات قليلة، انضمّت إلى إدارة الرئيس كلينتون، لتصبح أوّل امرأة تعمل كوكيل وزارة للشئون السياسيّة. وعندما أثار بوتين أزمة على الحدود مع أوكرانيا، أتيحت الفُرصة لشيرمان مرة أخرى لإظهار المهارات التفاوضيّة.
عادة ما يكون التحدُّث إلى الروس مُرْهِقاً، لذلك يحتاج المُفاوِض إلى كل الحيل الدبلوماسيّة لتحقيق هدف تجنب حرب كبرى في أوروبا، كما يقول المحللون. تحدّثت ويندي شيرمان، أو الثعلب الفِضّي، في جنيف يوم الاثنين 10 يناير الجاري قرابة ثماني ساعات مع الوفد الروسي بقيادة سيرجي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي. وفي اليوم التالي، الثلاثاء، أبلغت شركاءها في الناتو عن المشاورات مع الروس، ثُمّ شاركت في اليوم الذي بعده، الأربعاء، في اجتماع مجلس الناتو وروسيا، ويوم الخميس في الحوار داخل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، فكان بالفعل أسبوعاً دبلوماسيّاً حتماً سيكون له ما بعده.
قدَّم الروس قائمة بما يُسَمّى بالمطالِب الأمنيّة، بما في ذلك وقف توسُّع الناتو. استبعدت شيرمان هذا الأمر باعتِباره غير مقبول، فوصلت المفاوضات بين الأمريكيين والروس إلى طريق مسدود. لمْ تترهل المسؤولة رقم 2 في الدبلوماسيّة الأمريكيّة في حديثها أمام الصحفيين الذين أخذوا منها عبارة "كُنّا حازمين"، وبدوره قال ريابكوف عن المشاورات مع شيرمان "إنّ المحادثات كانت صعبة وطويلة ومهنيّة للغاية وعميقة وملموسة دون أيّ مُحاولة للتغلُّب على الحوافِ الحادةِ".

* بانيتا ومهاجمة روسيا بكل قوة:
يَنْظُر الكثيرون إلى المحادثات التي جرت في جنيف على أنّها الخطوة الأولى المُهِمَّة في تهدئةِ الوَضْعِ على الحدودِ الروسيّةِ الأوكرانيّةِ. ويقول محللون إنّ الخوف من نِزاعٍ مُسلّحٍ يتحوّل إلى مواجهةٍ تشارِك فيها قوات الناتو قد تلاشى، على الأقل في الوقت الحالي. ومع ذلك، وراء كواليس المفاوضات الأمريكيّة الروسيّة، نعلم أنّ الخطر لم ينته بعد، وأن ضغط الصِناعة العسكريّة لحرب مع الجيش الأحمر الروسي يتزايد يوماً بعد يوم. فهل تجري اسْتِعدادات لحرب عالمية ثالثة (WWIII)؟ تساءل نيكولاس شيزار في صحيفة (ناتسيونال) الرومانيّة وكتب: لا نعرف هذا، لكننا نرى أنّ الأمور تسير في اتجاه خاطئ تماماً، وأصبح إدخال العصا عبر السياج هواية مُفضّلة للدبلوماسيين والسياسيين بشكل عام والأشخاص المسؤولين بطريقة ما عن ضمان السلام والتوازُن في العالم.
ومن بين هؤلاء ليون بانيتا، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزيّة ورئيس موظفي البيت الأبيض الأسبق الذي أصبح يتحدّث باسم مصالح عمالقة الصناعة العسكريّة. فالرجل الذي قاد التجسس الأمريكي، وتوفّرت له فُرص الوصول إلى المعلومات الأكثر حساسيّة، تحوّل ليتحدث عن هجومٍ شامل ضد روسيا.
تحدَّث بانيتا في برنامج "عالمك" الذي تَمّ بثه قبل ساعات فقط من بدء محادثات جنيف بين الولايات المُتّحِدَة وروسيا حول أوكرانيا، عمّا سيناقشه الوفدان. وكانت رسالته، التي فاجأت الجميع، عدوانيّة، وحثّت على محاربة روسيا التي وصفها بالعدو.
على وجه التحديد، اقترح مدير وكالة المخابرات المركزيّة السابق أنْ تنْتقِم بلاده من "العدوان الروسي" باستخدام الأسلِحة الإلكترونيّة "بكل القوة"، كما فهم الذين حللوا كلماته.
وردّاً على سؤال من مُقَدِّم البرنامج نيل كافوتو في قناة (فوكس نيوز) عمّا إذا كان بإمكان واشنطن اتخاذ أي إجراء آخر ضد موسكو، بالنظر إلى أنّ روسيا واحدة من أكثر الدول التي تخضع للعقوبات في العالم، أجاب ليون بانيتا "أعتقد أنّ الولايات المُتّحِدَة وحلفاءها يمكنهم اتخاذ إجراء قوي جداً ضد روسيا". وعندما سُئل عن التفاصيل، أوضح رؤيته "لحل المشكلة"، وقال "إحدى العقوبات هي قطع وصول الروس إلى النظام المصرفي الدولي، وقد يعني هذا الاسْتِبْعاد من SWIFT بمنْعِ وصول البنوك الروسيّة إلى رموز (السوفيت) المُسْتخدمة في المُعاملات الدوليّة. ولم يتوقّف بانيتا عند هذا الحد، وأضاف "أعتقِد أنّ على أمريكا مُلاحقة البنية التحتيّة الروسيّة باسْتِخدام الهجمات الإلكترونية، وبعد التأثير على شبكة الكهرباء الخاصة بهم، يأتي الدور لخطوط الأنابيب لإضعاف اقتصادهم"!

* قوات الناتو إلى الحدود الروسيّة:
وواصل الرئيس السابق لـ سي أي ايه "بالإضافة إلى ذلك، أعتقِد أنّه من المُهِم التحرُّك بسرعة والتقدُّم نحو روسيا بقوات إضافيّة من الناتو والإشارة إلى أنّنا سنتّخِذ موقِفاً قويّاً من أي عدوان روسي آخر. وأخيراً، يجب تزويد أوكرانيا بالسلاح. لقد قدّمنا لهم بالفعل صواريخ (جافلين) وقاذفات قنابل يدوية، لكن آمل أنْ نمنحهم أيضاً صواريخ مُضادة للطائرات". وخلُص بانيتا إلى أنّ كل هذا سيعني بالنسبة للروس أنّهم لن يتمكّنوا من دخول أوكرانيا دون قتال".
ولدعم موقِفه ورؤيته، اسْتخدم رئيس موظفي البيت الأبيض السابق لعبة فلاديمير بوتين السياسيّة كحجّةٍ. ويرى بانيتا أنّ زعيم الكرملين لن يجرؤ أبداً على اسْتِخدام الأسلِحة النوويّة ضد الغرب، ولن يسْتخدمها إلا كعُنْصُر ضغط، وقال "عُدّة سنوات تابعت بوتين وأعماله. يزيد الضغط وينشُر قواته. يقدِّم طلبات غير واقِعيّة بشأن الناتو ويهدِّد بعملٍ عسكريٍ. هذه هي الطريقة التي يحاول بها الترهيب والحصول على ما يريد. وأعتقِد أنّه من المُهِم بشكلٍ خاص للولايات المُتّحِدَة وحلفائنا التفاوض معه من موقِع قوة، والتوضيح لروسيا بأنّ هناك ثمناً يجب دفعه إذا هاجموا (...) بوتين يخْتَبِر، يخْتَبِر الرئيس بايدن، يخْتَبِر الولايات المُتّحِدَة، يخْتَبِر حلفاؤنا، وأعتقِد أنّ بوتين قرأ مُنْذ فترة ضُعْف الولايات المُتّحِدَة، فاقتحم القرم، ودخل سوريا، وذهب إلى ليبيا، ونفذ هجمات إلكترونيّة على أمريكا ولم يدْفَع ثمناً".

* الأوروبيون وضمان أمن قارتهم:
على خلفيّة المُباحثات الدبلوماسيّة المُكثّفة التي جرت في جنيف وبروكسيل وفينا، عقد وزراء خارجيّة دول الاتحاد الأوربي اجتماعات يومي الخميس والجمعة الماضيين في مدينة بريست غرب فرنسا، فكتبت صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية واسعة الانتشار في صفحتها الأولى يوم السبت الماضي "أنّ دول الاتحاد الأوربي والولايات المُتّحِدَة تخشى تحرّكاً مُفاجئاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صوب أوكرانيا إذا أخْفق المسار الدبلوماسي". فلماذا تأخّرت دول الاتحاد الأوربي في التعامل مع التطورات عند الحدود الروسيّة الأوكرانيّة؟
الشاهد أنّه في يونيو من العام 2021، وقبل أنْ تنهي أنجيلا ميركيل مُهِمّتها كمستشارة لألمانيا، رفضت معظم دول الاتحاد الأوربي الفِكْرة الفرنسيّة الألمانيّة لعقد قِمّة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. ويُشتبه في أنْ ألمانيا وفرنسا تواصلتا مع الكرملين، فاضطر إيمانويل ماكرون وأنجيلا ميركل إلى إعادة صياغة المشروع، تاركين الرئيس الأمريكي جو بايدن في حوار مباشر مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. فما هي النتيجة؟
بعد سبعة أشهر، جلس الأمريكيون والروس يتحدثون مع بعض حول أمن أوروبا، وبالطبع أولاً وقبل كل شيء حول أوكرانيا، ولكن أيضاً حول هندسة البنية الأمنيّة لما بعد الحرب الباردة، فيما بقي الأوربيّون يتابعون.
بعد ثلاثين عاماً من تفكُّك الاتحاد السوفيتي السابق، لا يزال الأوروبيون غير قادرين على السيطرة على استقرار قارتهم. إنّهم بحاجة إلى مُناشدة الولايات المُتَّحِدَة، التي لا يبدو أنها تطلُب الكثير وتفضِّل التركيز على الصين.
يمكن لزعماء الاتحاد الأوروبي التباهي بإطلاق أول "بوصلة استراتيجيّة" في مارس القادم، وهي نوع من "كتاب أبيض" حول الأمن.
وبدفع من الفرنسيين، خاطر الأوربيّون باستخدام كلمة "سيادة"، ولكن بمجرد ظهور عاصفة في الأفق، ركضوا للاحتماء تحت المظلة الأمريكيّة.
من ناحية أخرى، يعتبر الروس أنفسهم جديرين بالتحدُّث فقط مع واشنطن والنظر إلى الأوروبيين بازدراء. ويبتلع الاتحاد الأوروبي الإذلال، لأنّهم يبتلعون أيضاً الغاز الطبيعي من شركة غازبروم الروسيّة، أحد أسلحة بوتين الجيوستراتيجيّة - وربما الأكثر فاعلية.
وإذا ضاعف الأمريكيّون، الطيّبون، "جهودهم المُنَسّقَة" مع حلفائهم في القارة القديمة، فسيصلون لوحدهم في النهاية لاتِّفاقيّة عدم التصعيد مع موسكو.

* الاتحاد الأوروبي والمظلّة الأمريكيّة:
وبينما قد يشعر بعض الأوروبيين بالاطمئنان إلى أن إعادة توجيه الولايات المُتَّحِدَة نحو الصين لا تعني التخلي عن القارة، هناك بعض القلق العميق من أنّ مشكلة في قلب الأمن الأوروبي تتِمّ مُعالجتها حصريّاً في الجانبِ الآخر من المحيط الأطلسي. فلماذا؟
يكْمِن جزء من الإجابة في حروب السياسة الخارجيّة والضُعْف المؤسّسي في بروكسل، كما يلاحظ موقِع (بوليتيكو). كما أنّ الأمر الذي لا يساعد هو أنّ الكُتلة الأوربيّة تعيش في فترة انتقاليّة فيما يتعلق بقيادتها، مع تنصيب حكومة ألمانيّة جديدة، والانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة المُقْبِلة، والتشكيك مرة أخرى في مِصداقيّة جديدة لإيطاليا بينما يختلف ويتشاجر أعضاء برلمانها حول من يخلف رئيس الدولة.
وبرغم أنّ كل ذلك أسباب، إلّا أنّها ليست أعذاراً، فالاتحاد الأوروبي لا يستطيع تحمُّل مِثْل هذا الغياب في مِثْلِ هذا الوقت من الأزمة. يجب أنْ يبدأ تنشيط - وتوسيع - شكل الوساطة الذي تعامل بها مع الصراع في أوكرانيا حتى وقت قريب، وتُعرف بتنسيق نورماندي. وهو شكل محادثات جرت في نورماندي عام 2014 بين ألمانيا، روسيا، أوكرانيا وفرنسا، وهدفت إلى حل ازمه الحرب في دونباس.
قطعاً لا يختلِف الأوربيّون بأنّ لمُسْتَقْبل أوكرانيا أهمِّيّة تتجاوز مصير ذلك البلد أو المواجهة بين موسكو وواشنطن، فهي من صميم الأمن الأوروبي.
قد لا يتمكن الأوروبيون، حالياً، من إدارة أمنهم بأنفسهم، لكن هذا لا يعني أنّهم يستطيعون تركه ليجري التباحُث حوله بعيداً منهم. فعندما يتعلّق الأمر بالقوة الصارِمة، ليس بإمكان الاتحاد الأوروبي القيام بدوره - لتُقْرأ اللعب - تحت مظلّة الولايات المُتَّحِدَة.
بوخارست - 17 يناير 2022
isammahgoub@gmail.com
/////////////////////////

 

آراء