لا امام سوي العقل (١-٩)

 


 

 

مشروع (تحرير المواطن السوداني.. من عقلية القطيع الي العقلية النقدية)؟!
++ لا امام سوي العقل ..مقولة الشاعر والفيلسوف/ ابوالعلاء المعري :

++ في ذكرى استشهاد د جون غرانق (٣٠ يوليو ٢٠٠٥) .. تدشين مشروع تحرير المواطن السوداني.. من عقلية القطيع.. اليالعقلية النقدية) :
++ ماهية العقلية النقدية ؟!
++ الوطن.. المواطنة.. الوطنية.. كلمات ليست متجذرة في ثقافتنا الاسلاموية القبلية!!

(١) لا إمام سوي العقل - مقولة الشاعر والفيلسوف ابوالعلاء المعري -

استعرت عنوان سلسلة مقالاتي (لا إمام سوي العقل ) من حكمة وفلسفة (الشاعر ابو العلاء المعري ) .. وقد تعرفنا عليه من خلال المنهج الدراسي السوداني من خلال قصيدته (التشاؤمية) التي مطلعها:
غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شادي
وشبيه صوت النعي اذا قيس بصوت البشير في كل نادي
وربطا بعنوان سلسلة مقالاتنا التي تمجد (العقل والعقلانية ندلي هنا ببعض حكم ومقومات الفيلسوف المعري ذات الصلة بتمجيد العقل:

** يرتجي الناس ان يقوم إمام ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الظن (لا امام سوي العقل ) مشيرًا في صبحه والمساء

ومن اقوال المعري ايضا:

** إثنان أهل الارض: ذو عقل بلا دين .. وآخر دين لا عقل له

ومن مقولات المعري أيضا:

** فئ اللاذقية ضجة ما بين احمد والمسيح .. هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح .. كل يعظم دينه يا ليت شعري ما الصحيح ؟
قطعا .. ان أصحاب العقول الصغيرة الدوقمائية التي لا تعرف (العقلية الشكوكية) علي طريقة ديكارت وعميد الأدب العربي الدكتورطه حسين.. لا تحتمل عبارة (يا ليت شعري ما الصحيح ؟أصحاب الناقوس ام المئذنة ؟ ) !!

هذا ما كان من شأن شاعرنا العظيم الفيلسوف (ابوالعلاء المعري ) صاحب مقولة: (لا إمام سوي العقل ) . والآن نعود الي مشاكلنا السودانية:

(٢) في ذكرى استشهاد د جون غرانق : ندشن : (مشروع تحرير المواطن السوداني من عقلية القطيع الي العقلية النقدية ) ؟!
في عام ١٩٨٣م عندما نقض جعفر نميري ميثاق إتفاقية اديس ابابا دشن د جون غرانق ديمبيور (مشروع تحرير شعوب السودان) .. وقد اهتدي بنور هذا المشروع كل ابناء الزرقة في الهامش السوداني.. فقد إنضم أبناء جبال النوبة بقيادة القائد /الراحل يوسف كوة مكي انذاك .. وابناء جنوب النيل الأزرق.. ثم الشهيد داود يحي بولاد..ثم حركات المقاومة الدارفورية.. مشروع التحرير الذي دشنه د جون غرانق يهدف الى تحرير شعوب السودان في الاتجاهات الأربعة من (المشروع الاسلامو عروبي لدولة ١٩٥٦) . أما مشروعنا الذي ندشنه اليوم فهو يستهدف تحرير المواطن السوداني من عقلية القطيع الي العقلية النقدية. . وهو مستلهم من معلمنا دجون غرانق.. ونحييه في عليائه.. في ذكرى استشهاده في ال ٣٠ من يوليو ٢٠٠٥ .. والذين اغتالوه كان هدفهم اغتيال الوحدة بين الشمال والجنوب.. وبكل اسف نجحوا في تحقيق هدفهم!!

(٣) الوطن.. الوطنية.. المواطنة.. كلمات ليست متجذر في ثقافتنا الاسلاموية والقبلية!!

(أ) نشأت الدولة السودانية ١٨٢١ بواسطة المستعمر المصري لاهداف مصرية بحتة (الذهب والعبيد) .. وهي اهداف لا علاقة لها بمصالح الوطن السودان ولا بالمواطن السوداني!! وكذلك نشأت قوة دفاع السودان (الجيش السوداني) بعقلية تستند الى مرجعية الدولة المهدية ومعركة كرري التي اسقطت الدولة المهدية.. وبالتالي فان قوة دفاع السودان معادية غريزيًا لإنسان دارفور وكردفان .. صحيح.. محمد احمد المهدي دنقلاوي من جزيرة لبب .. ولكن المهدية كثورة وتحرير لم تجد القبول من اهل شمال السودان.. كما لمتجد القبول من اهل الوسط (السمانية والعركيين ) . لذلك كانت الثورة المهدية ثورة دارفور وكردفان الكبري (العرب والنوبة علي قدم المساواة). لذلك فان فئة الضباط في قوة دفاع السودان كانت من ابناء الشمال (من الجيلي الي حلفا بنسبة حوالي ٧٥٪؜) .

بعد (حريق الدولة السودانية بواسطة الجيش السوداني.. بالقطاعي .. حريق جنوب السودان .. ثم جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وأخيرا حريق ولاية الخرطوم وخراب سوبا) .. الآن الدولة السودانية صارت عند نقطة الصفر.. (نقطة النهاية والبداية معا) ..الآن لدينا فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السودانية علي اسس جديدة.. في الاتجاه المعاكس تمامآ لبناء دولة ١٩٥٦ التي نشاتبرعاية مصرية من خلال الحزب الاتحادي الديموقراطي (مصري الهوي ) .. باهداف وطنية سودانية.. ولمصلحة السودانيين جميعًا.. لإعادة تأسيس دولة سودانية فيدرالية واسعة الصلاحيات للأقاليم والولايات تمكن السودانيين من حكم انفسهم بانفسهم.. وإعادةهيكلة الجيش السوداني.. لخلق جيش وطني لا يقتل او يبيد السودانيين..وذلك بدمج قوات الدعم السريع وقوات حركات المقاومةالمسلحة التي وقعت سلام جوبا.. وإكمال السلام العادل مع الحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو وحركة التحرير بقيادةعبدالواحد محمد نور ..

(ب) دعونا ناخذ العبر من تجربة الدولة السودانية الفاشلة المحترقة تحت أقدامنا الآن.. ونقول: (كانت لنا دولة كبيرة.. نحكمها بعقلية(القبيلة ودولة العقيدة الاسلامية) .. مع تغييب لمفهوم الوطن والمواطنة!!

لقد شهد ألعالم كله علي واقعة (حريق وخراب وتدمير ولاية الخرطوم ) .. وقد تم هذا العمل القبيح النتن بواسطة (إقتتال جناحين منالجيش السوداني) .. هما (مليشيا الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع) .. وهما جيش واحد هدفه في الأساس قمع تمرد اهلالهامش السوداني (حركات مقاومة الزرقة المنضوية تحت الجبهة الثورية ) بآي ثمن .. ولو ادي ذلك الى (حريق الهامش السودانيكله ) !! نعم بكل اسف جري هذا الدمار الهائل للعاصمة المثلثة السودانية (الخرطوم/ الخرطوم بحري/أمدرمان) بايدي سودانية كلهامن صنع النخبة النيلية الاسلاموية.. تتقاضى مرتبات شهرية من خزينة ألدولة السودانية!!

هذه الحرب.. لم تبدأ يوم ١٥ ابريل ٢٠٢٣ م .. وإنما هي إمتداد مباشر لتمرد الجنوبيين في توريت عام ١٩٥٥ .. وقد كان مطلبالمتمردين الجنوبيين في ذلك الوقت بسيطا جدا: (الفيدرالية ) التي تمكن الجنوبيين من الحكم الذاتي .. ومطلب الفيدرالية سببههيمنة النخبة النيلية من ابناء الولايات الشمالية على وظائف السودنة.. وهي الوظائف التي كان يشغلها المستعمرون من دولتي الحكمالثنائي (إنجلترا ومصر) .. حيث نال الجنوبيون عدد (4) وظائف فقط من جملة (800) وظيفة.. وقد انتهي تمرد الجنوبيينبالانفصال طبقًا لأحكام إتفاقية نيفاشا ٢٠٠٥ ..ثم امتدت مظالم اهل الهامش.. وتوسعت دائرة الحرب لتشمل منطقة جبال النوبة فيجنوب كردفان ثم اقليم النيل الازرق واخيرا دارفور ! التدمير الذي مارسه الجيش السوداني (بجناحيه - مليشيا البرهان ومليشياحميدتي) .. في ولاية الخرطوم هو إمتداد مباشر للإبادة الجماعية والتطهير العرقي في دارفور. هذا التدمير وممارسة سياسةالأرض المحروقة سببه (غياب الوعي بمفهوم- الوطن والوطنية كقيمة عليا - لأن المواطن السوداني في دولة ١٩٥٦ كان ولازال فيمرحلة ما قبل ألدولة.. وهي مرحلة (القبيلة والطائفة ) فيها مقدمتان على الوطن!!
تجدر الاشارة الى ان ألدولة الاسلامية في صدر الاسلام لم تكن تعرف مفهوم (دولة المواطنة) .. فقد كان الفقه الاسلامي يقول: (الدار داران : دار الإسلام ودار الحرب) .. إني لا الوم الفقه الاسلامي في زمانه .. ولكني الوم (الكيزان عديمي الفقه والفكر ) لفشلهم في تشغيل عقولهم .. وانتاج فكر (وطني يعالج قضايا- إدارة التنوع السوداني.. التنوع الديني (اسلام / مسيحية) .. لقدفشلت دولة الأخوان المسلمين في التعايش مع الجنوبيين المسيحيين.. لذلك تم طرد المسيحيين من الدولة السودانية الانقاذية لقلة الفقهوغياب مفهوم الوطن والمواطنة ) .. و التنوع الثقافي واللغوي والعرقي والتنوع الجندري من ذكر وانثي. شاهدنا.. اننا في دولة ما بعدحريق ولاية الخرطوم بحاجة الي مناهج تربوية (تركز على التربية الوطنية أكثر من التربية الاسلامية) .

في هذه الورقة الأولى سنركز على بيان (عقلية القطيع) الممقوتة التي نريد ان نتحرر منها ، وفي بقية مقالاتنا المترابطة مع بعضهاالبعض سوف نركز على (العقلية النقدية) التي تشكل الهدف من سلسة المقالات.. ولكن لا بآس من منح القارئ نبذة عن هذا الهدفالنبيل (العقلية النقدية) ليتم الربط الموضوعي بين الوضع الممقوت (عقلية القطيع) وبين الهدف المنشود (العقلية النقدية) .

(٤) ماهية العقلية النقدية؟
سوف نتناول في وقت لاحق التأصيل اللازم للعقلانية النقدية كما طورها الفيلسوف كارل بوبر وغيره من فلاسفة الغرب من امثالديكارت وهيغل .. ولكننا في هذه المقدمة نكتفي بالتعريف باهمية (العقلانية النقدية) من منظور الكاتب السنوسي محمد السنوسيفي مقاله بعنوان :(لماذا تغيب العقلية النقدية؟) المنشور بموقع إسلام اون لاين .. وقد جاء فيه ما يلي:

(وقبل أن نفصِّل القول في هذا الأمر، نلفت النظر إلى أن وجود العقلية النقدية ليس ترفًا، وإنما يمثل ضرورة فكرية وعملية توجِبهاعدةُ أمور، منها: – أن العقلية النقدية هي المؤهَّلة والمؤهِّلة لممارسة الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد كما قلنا يستبطن نقدًا للنص وللواقع؛ وهماالأساسان اللذان تقوم عليهما عملية الاجتهاد. – أن العقلية النقدية ضرورة لتصحيح الأفكار وتقويمها؛ لأن الإنسان إذا كان منطبعه الخطأ وعدم الكمال، فإن ما ينتجه من أفكار وتصورات وأعمال يتصف بهذا الوصف. ومن ثم، كانت الحاجة مستمرة للتصحيحوالتقويم، أي للنقد؛ حتى تتكامل الرؤى، وتتصوَّب الأخطاء. – أن تسارُعَ الحياة وامتلاءَها بالنوازل والمستجدات، يكشف عن الحاجةللنقد؛ إذ النقد مرتبط بوجه ما بالجديد والطارئ؛ لأنهما يستلزمان عينًا فاحصة، وتقليبًا على الوجوه كافة؛ أي للنقد. – أن العقليةالنقدية لازمة لاستكشاف مَلَكات الإنسان الإبداعية واستخراج طاقاته المخبوءة؛ لأن العقلية الساكنة الجامدة تتعامل مع الناس- علىاختلافهم وتنوعهم- كأنهم كتلة واحدة صماء؛ دون أن تضع في اعتبارها أن كل إنسان بصمةٌ بذاتها، وأن الإنسان ممتلئ بالطاقةوالإبداع اللذين يحتاجان لعقلية نقدية تنفض عنهما الغبار، وتكشف عن أصالة معدنهما وتَميزهما.. انتهي – ) المصدر : السنوسيمحمد السنوسي/مقالة بعنوان:لماذا تغيب العقلية النقدية ؟/اسلام اون لاين .

الوطن والمواطنة.. والتربية الوطنية: من اجل انتاج المواطن صاحب العقلية النقدية:

التجربة الفاشلة لدولة ٥٦ والتي استمرت حقيقة منذ عام ١٩٥٤ وحتى ١٥/ ابريل ٢٠٢٣ .. والتي انتهت بحريق السودان وإبادةشعوبه بدءًا بالجنوبيين ثم ابناء جبال النوبة والنيل الازرق ودارفور واخيرا ولاية الخرطوم .. تم كل هذا الحريق بواسطة الجيشالسوداني!! لان هذا الجيش هو عبارة عن مليشيا قبلية لأبناء شمال السودان لا تربطهم اي (رابطة وطنية او تاريخ مشترك مع اقاليمالسودان التي تعرضت للإبادة على يدي الجيش ، ، هذه التجربة الفاشلة تقودنا الى ان نضع أصبعنا علي (النقطة الصحيحة ) للانطلاق لإعادة بناءً ألدولة السودانية المدمرة وهي في تقدير الكاتب هي (المواطن السوداني والمواطنة السودانية.. والتربية الوطنية ) .. لقد علمتنا الحياة الأسرية البسيطة ان الاستثمار الحقيقي يجب ان يكون في الانسان اي الاطفال.. وذلك بحسن تربيتهم وتوفيرالتعليم الجيد لهم .. وان الاستثمار في الأطفال اهم من تشييد العمارات.. لان الطفل الفاشل ممكن يدمر العمارات والعقارات التيشيدها والده في لحظة زمان .. نعم الانسان (الوطني ) لان الانسان بدون تربية وطنية (ليست لديه قدسية للوطن.. لذلك يمكن انيدمر الوطن .. ويمكن ان يقتل المواطن ويبيد إقليما كاملا.. او سلسلة أقاليم كمًا حدث في السودان!

عقلية القطيع (الطائفة / التنظيم العقائدي / القبيلة والادارة الأهلية..الخ ) هي المشكلة الجوهرية:

من واجبنا ، نحن الجيل الذي عاصر انفصال الجنوب .. وعاصر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في دارفور ، وشاهد بام عينيه(حريق وخراب ولاية الخرطوم) ان نشخص ونحلل المشكلة السودانية ، ونحدد (من اين يبدأ الاصلاح والتغيير وإعادة التعمير ؟والإجابة هي ان قاعدة إعادة بناءً ألدولة السودانية هي (المواطن السوداني نفسه) .. المواطن السوداني هو (الضحية) في دولة ٥٦ ،فهو الذي شردته حروب الإبادة الجماعية فتحول الى (نازح ولاجئ) .. واذا كنا نقول: ليس من الحكمة ان نلوم الضحية.. ولكن هذا لايعني ان نعفي (المواطن من مسؤوليته في التغيير.. والتغيير الذي ننشده يبدا (بالمواطن نفسه) .. فما هي مشكلة المواطن ؟
مشكلة المواطن (الطائفي ) انه (مفقود لذاته ، موجود لسيده الذي (يحركه بالإشارة) .. وأعني هنا زعيم الطائفة السياسية (الختميةوالانصار ) .. دولة ١٩٥٦ كانت تعرف (بدولة السيدين) .. وهما (السيد علي الميرغني والسيد عبدالرحمن المهدي) .. وقد ظل ابناءواحفاد السيدين يتحكمون في السياسة السودانية سواء اكانوا في الحكم او في المعارضة. ومعلوم ان الطائفية السياسية معادية(للوعي) بحكم طبيعتها .. لان الوعي يعني النهاية الحتمية للطائفية السياسية. ففي ظل (المؤسسة الطائفية) يفقد المواطن ذاته .. لانه في مثل هذه المؤسسة يكون (التفكير فرض كفاية اذا قام به زعيم الطائفة سقط عن المريدين الاتباع / المقلدين/ القرود ) !! ماالمطلوب اذن في هذه الحالة ؟
عندما يكون زعيم الطائفة وحده الذي يفكر وينفذ تحدث الكوارث.. لأن زعيم الطائفة يفكر دائما في مصلحته الشخصية ، والمصلحةالضيقة لحزبه المفصْل على مقاس زعيم الطائفة واولاده وبناته فقط .. وأكبر مثال او دليل على ذلك هو رفض السيد الصادق المهديلتنفيذ إتفاقية (الميرغني/غرنق ١٩٨٨) .. متجاهلا المصلحة الوطنية كلها.. مركزًا فقط على مصلحته الحزبية الطائفية الضيقة.. لأننفاذ إتفاقية السلام السودانية المعروفة بإتفاقية الميرغني/غرنق كان سيعطي زخمًا كبيرا للحزب الاتحادي الديموقراطي باعتبارهالحزب الذي جلب السلام.. وهذا ما كان يخشاه الإمام الصادق المهدي رحمه الله.. وشاهدنا ان مصلحته الطائفية كانت مقدمة علىالمصلحة الوطنية!!

** التنظيم العقائدي (الأخوان المسلمون/ الجبهة القومية الاسلامية) :

حركة الاسلام السياسي ممثلة في حركة الأخوان المسلمين /جبهة الميثاق الاسلامي / الجبهة القومية الاسلامية/المؤتمر الوطني/الشعبي .. تجسد حالة سيئة من اشكال (عقلية القطيع ) .. حركة الاسلام السياسي السوداني تعرف بحركة (الشيخ الواحد) .. هود حسن الترابي عليه الرحمة .. هو (المفكر الأوحد) للإسلام السياسي السوداني.. وبالرغم من ان هذا التنظيم مكتظ بالمتعلمينوالخريجين الا انهم (كوادر حماسية تجيد التصفيق والهتافات.. ليس لها نصيب من الانتاح الفكري .. جلهم علي شاكلة الجهلالنشط .. السيد علي عثمان محمد طه.. كان نائبًا للشيخ الترابي ولكنه لم يؤلف كتابًا واحدًا في الفكر السياسي السوداني/ الإسلامي! ومعلوم ان هذا الخلل الفكري موروث جينيًا من حركة الاخوان المسلمين الام في مصر .. فقد كانت ومازالت (حركة هتافوحماس وتعبئة) وليست حركة فكر وعقل !! هذه المصابة (بالاعاقة الفكرية) هي تسببت في انفصال الجنوب لان (شيخ علي عثمانمحمد طه) الذي كإن يفاوض في نيفاشا نيابة عن حكومة السودان ليست لديه (رؤية عن الوطن والمواطن) .. انه يعرف (دولة العقيدة) بمفهومها التاريخي قبل ١٤٠٠ سنة .. ليست لديه رؤية فقهية ان (الحفاظ علي الوحدة الوطنية اهم من الشريعة) .. فالشريعة ليهاحافظ .. لكن اذا انفصل الجنوب فقد خسر الوطن وخسر الإسلام اضعافا مضاعفة!

** القبلية.. والحواكير القبلية اكبر مهدد لهوية الدولة السودانية ؟! ثقافة القبيلة هي ثفافة (المجتمعات ما قبل مرحلة الدولة) .. القبليةنموذج سيء لعقلية القطيع !!

عقب ثورة ١٩٢٤ السودانية التي نظمها المتعلمون من ابناء الشعب السوداني عمد المستعمر الإنجليزي علي الإعتماد على الإدارةالاهلية وزعماء العشائر.. وذلك عقابًا للمتعلمين.. وذلك بخلق قيادات اهلية بديلًا للمتعلمين.. في ممارسة صريحة لسياسة فرق تسدالاستعمارية المعروفة. بعد إستقلال السودان توجهت الدولة السودانية الى (الاعلاء من قيم المواطنة السودانية والتقليل من شأنالقبيلة والقبائلية ، واستبدلت ذلك بالحزبية ) .. علي إعتبار ان (الحزب هو بوتقة الانصهار المناسبة بين السودانيين جميعًا) .. وبمجيء دولة الانقاذ الاسلاموية.. عمد الكيزان وهم أقلية الي تفتيت الدولة السودانية الي (قبائل) في ممارسة صريحة لسياسة فرقتسد ليسهل عليهم السيطرة على الشعب السوداني ، واضعاف احزاب التجمع الوطني الديموقراطي المكون من احزاب سياسيةوحركات مسلحة .
القبيلة كوحدة اجتماعية تقوم على رابطة الدم لا بآس عليها .. لكن المشكلة في (القبائلية) خاصةً حين تسعي الى جعل القبيلةمؤسسة سياسية للوصول للحكم وبديل عن الأحزاب السياسية.. اذكر ان الاستاذ عوض الكريم موسي عبداللطيف رحمه الله عندماامين الفكر بالمؤتمر الوطني قد كتب كتابا بعنوان (ديمقراطية بلا احزاب) .. وذلك بناءًا على رغبة المؤتمر الوطني.. ومن ثم عمدتسلطة الإنقاذ الى (تعزيز القبائلية كبديل للحزبية) .
في الدولة الوطنية معلوم ان (الأرض وما فوقها من اجواء وسماء ، وما تحتها من ركاز وموارد طبيعية ملك للدولة وليس للقبيلة. والدولةحينما تشجع علي القبائلية.. فانها تدعم سياسة الحواكير التي تجعل (الدار /الحاكورة) ملكًا للقبيلة. ومن جهة مقابلة فان حركاتالمقاومة المسلحة (الجهوية القبائلية) التي تستحي ان تطالب بحق تقرير المصير خوفًا من اتهامها بانها (حركات انفصالية ممايجعلها تفقد تعاطف الشعب وتعاطف الأحزاب السياسية في المركز.. ان هذه الحركات تتمسك بالحواكير القبلية كنواة لمشروع ألدولةالانفصالية تحت التاسيس) .
معلوم ان (الطائفة والقبيلة) ليست مؤسسات مجتمع مدني لان قياداتها ليست منتخبة ديمقراطيًا.. فالبديل الديموقراطي المناسبللقبيلة والادارة الأهلية هو (الحكم الشعبي المحلي) .. الذي يلغي من الذاكرة الشعبية شيء اسمه (شيخ /عمدة/ناظر /شرتاي/ملك..الخ ) .. واستبدال هذه المسميات بمؤسسات شعبية محلية منتخبة ديموقراطيا تكون مهمتها توفير الخدمات الصحية والتعليميةوالبيئية للمواطنين.. بحيث يتم الترشيح لقيادة مؤسسات الحكم المحلي على اساس الكفاءة والقدرة على العطاء ، من مرجعية حزبيةوليست قبلية.. بحيث يكون الحكم الشعبي المحلي فلسفة حكم ليبرالي ديمقراطي. يجب ان يكون مفهومًا (ان القبائلية والطائفية) هذه مؤسسات بطبيعتها اقصائية ، رافضة للآخر ، ومنتجة للكراهية.. ورافضة للتعايش السلمي ، ومنتجة للحروب .
ويجب ان يكون مفهوما ايضا انه لا يوجد اي ربط مصيري بين حقوق (الشعوب الأصلية وبين الحواكير القبلية) . يحق للشعوبالأصلية ان تتمتع بحقوقها الثقافية وتنمية لغاتها المحلية وتراثها الفلكلوري.. بل من حقها ممارسة الحكم الذاتي المحلي وفقا لؤسسانتخابية ديموقراطية حرة.. دون الاستعلاء على اي مجموعات بشرية تساكنهم وتعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية لمجرد انهم لاينتمون عرقيا الي المجموعة التي تعتبر نفسها من الشعوب الاصلية. شاهدنا هو ان حقوق الشعوب الأصلية لا تسمو ولا تسود علىحقوق (المساواة بغض النظر عن العنصر او الدين او الجنس (من ذكر او انثى) او الموقع الجغرافي ) سواء (المساواة الواردةبالدستور) او الواردة في الميثاق العالمي لحقوق الانسان.

القبائلية والطائفية مؤسسات استبدادية لا تحتمل النقد .. وهي (ثقافة مجتمعات ما قبل مرحلة ألدولة) !

القاعدة في التعامل بين زعيم القبيلة وافراد القبيلة هي (الطاعة المطلقة لزعيم القبيلة مقابل النصرة المطلقة لعضو القبيلة بدون نقاشاو مطاولات.. كيف ؟
الخليجيون القبائليون يقولون: (الشيخ لا ينقال له لا ) .. ويقولون ( نقدر نعصي الله .. ومع ذلك نستطيع العيش بامان في بيوتناوالكل يعلم ان الله غفور رحيم .. ولا يقنط الانسان من رحمة الله مهما اسرف علي نفسه من الخطايا .. ويقولون اذا عصينا شيخالقبيلة لا نستطيع ان نساكن القبيلة لآن القبيلة لا ترحم ولا تسامح من يعصيها.
بالمقابل.. فان القبيلة ملزمة عرفا ان تناصر ابن القبيلة الذي يستصرخ القبيلة اذا حلت به اي مصيبة.. وتجسد قصيدة قريط بن أنيفالتي درسناها في المناهج الدراسية حالة (واجب القبيلة في مناصرة عضو القبيلة (بدون نقاش آو تحقيق.. او محاكمة لعضوالقبيلة) .. القصيدة التي مطلعها :

لو كنت من مازن لم تستبح ابلي بنو اللقيطة من ذْهل بن شيبانا
وبيت القصيد هو قول الشاعر في البيت التالي:

ولأ يسألون اخاهم حين يندبهم في النائبات علي ما قال برهانا

الدولة الحديثة تجاوزت (ثقافة القبيلة) .. وخلقت دولة القانون مؤسسات حديثة ذات كفاءة عالية بديلة عن وظيفة القبيلة:

** لقد تجاوزت اوروبا مثلًا ثقافة القبيلة وذلك لان القبيلة قد (فقدت وظائفها تماما) .. وآلت وظائف القبيلة لأجهزة الدولة المختلفةالأكثر كفاءة واليق بروح العصر.. ففي زماننا هذا فإن الطفل حين يولد يصنف بآنه كائن بشري مستقل وقائم ذاته .. بمعنى انه ليسمملوكا لوالديه .. صحيح ان هذا الطفل لايستطيع الإعتماد على نفسه في السنين المبكرة من حياته ، والحقيقة انه يعتمد علي الغيرفي كل احتياجاته الضرورية من ماكل ومشرب ووقاية من البرد والحر وتنظيف..الخ . الدولة شريك أصيل مع الوالدين في تحملنفقات ومصاريف الطفل واذا فشل الأبوان لاي سبب من الأسباب في رعاية الطفل فان الدولة تحل محل الابوين اختياريًا او قضاءاوجبرا .
ينتقل الطفل إجباريًا الى المراحل الدراسية المختلفة بدءًا بالتعليم قبل المدرسي حتي نهاية التعليم العام ما دون الجامعي.. بيئةالمدارس المختلفة تخلق علاقات اجتماعية قوية بديلة لعلاقات القبيلة. البيئة الجامعية تخلق علاقات أنسانية متآلفة. بيئة العمل تخلقعلاقات تقوم على المصالح المشتركة وتوجد نقابات محمية بالقانون ترعى هذه المصالح.. وبالتجربة حلت النقابة محل شيخ القبيلةوشيخ الطريقة الصوفية.. ففي الدولة الديمقراطية (كل الأنهار والمجاري تصب في محيط الحزب السياسي) .. صحيح ان النقابةمصممة لخدمة العضوية فقط وليست محلا للعمل السياسي الصارخ .. ولكنا نعلم ان السياسة تدخل في العمل النقابي بطريقةناعمة.. وكذلك نعلم ان الانتخابات البلدية المحلية ليست انتخابات حزبية مثل الانتخابات البرلمانية التشريعية مثلا ، ولكن نعلم أيضاان الانتخابات البلدية حزبية بشكل ناعم.. بل تعطي مؤشرات لنتائج الانتخابات البرلمانية القادمة.. شاهدنا انه في الدولة الحديثةحلت مؤسسات المجتمع المدني المنتخبة ديموقراطيا محل القبيلة تماما.. معلوم ان المؤسسات الديموقراطية تتكامل.. فتتعاون الأحزابوالنقابات.. واحيانا تحل محل بعضها.. يحدث هذا عندنا حتى في السودان ، ففي انتفاضة أبريل ١٩٨٥ .. ونسبة لان دستور نظاممايو يمنع الأحزاب السياسية.. (الإتحاد الاشتراكي هو التنظيم الفرد الاوحد) .. لذلك ضعفت الأحزاب.. فحلت النقابات محلالأحزاب.. ونجحت النقابات في اسقاط نظام مايو. شاهدنا ان ألدولة الحديثة بمؤسساتها المختلفة ليس فيها مكان للقبيلة.. بل انهاتخلق مؤسسات ديمقراطية تغني المواطن تمامًا عن مؤسسة القبيلة. الطريف انه مثلا في لندن توجد وظيفة اسمها (عمدة لندن) لاعلاقة لها بتاتًا بوظيفة (العمدة ) في الإدارة الاهلية القبلية في السودان .. عادي يمكن يكون عمدة لندن مسلم من أصول باكستانيةمثلا.. فوظيفة عمدة لندن تقوم على الكفاءة وعلى المرجعية الحزبية. فكرة هذا المقال تقوم على (مشروع تحرير المواطن من عقليةالقطيع.. الي العقلية النقدية) .. ومعلوم ان العقلية النقدية هي الأرضية والبيئة الصحية للتحول الديمقراطي الذي سيقوم على تكريسمؤسسات المجتمع المدني.. وينبذ المؤسسات التقليدية غير المنتخبة والتي بطبيعة تكوينها (منغلقة) تقوم علي الإقصاء وعدم قبولالآخر .
ابوبكر القاضي
ويلز / UK
٣٠ يوليو ٢٠٢٣

aboubakrelgadi@hotmail.com

 

آراء