مفارقة البشرية للفقر و الجهل و المرض بعد مفارقة وحل الفكر الديني .. بقلم: طاهر عمر

الثورات الكبرى كثورة ديسمبر العظيمة في السودان تعقبها تشريعات تؤسس لقيم جديدة تقضي على الانساق الثقافية المضمرة التي تتعارض مع جديد القيم و من الأنساق الثقافية المضمرة في السودان سيطرة وحل الفكر الديني حيث نجد كساده يتجسد في عدم تحقيق أي نوع من الازدهار المادي مثلا من أنساق الثقافة المضمرة في السودان و انعكاسها على أداء العمل السياسي نجد أن السياسي السوداني مشحون بفكرة الخلاص الأخروي و هي ما تبقى من أفكار و ثقافة القرون الوسطى و هذا يجعل السياسي السوداني في اللا شعور لا يحس بمعنى عدم المساواة و لا يدرك بأن المساواة بين أفراد المجتمع هي مفتاح للطريق السالك على التقدم و الازدهار المادي.
و لا تكون مسألة المساواة بين أفراد المجتمع بغير فصل الدين عن الدولة و قد تأكد للفلاسفة و علماء الاجتماع بأن الحديث عن التسامح في ظل خطاب ديني و فكر ديني مسيطر على مجتمع تقليدي ضرب من الجنون مهما تحدث المتحدثون عن خصوصية الآداب الاسلامية فلا يمكننا الحديث عن التسامح و ما زالت أحزابنا السياسية نوافذ بسعة حلم رجال دين يلبسون قناع السياسة كما يفعل امام الطائفية و مولانا الختمية و مرشد الكيزان فلا يمكننا الحديث عن التسامح و فكرة المساواة بغير كشف أنساق ثقافتنا المضمرة التي تنام في تلافيف ايماننا التقليدي الذي يتوشح بفكر و ثقافة القرون الوسطى.
هناك أسباب كثيرة تؤخر مسألة إنتباه النخب لكيفية مفارقة أنساقنا الثقافية المضمرة التي تقيّد المفكر السوداني و تجعله أسير وحل الفكر الديني حيث نجد أن المثقف السوداني لا يستطيع التفكير خارج أطر الفكر الديني الذي يشده لفكر القرون الوسطى و لهذا ما زال السودان و مجتمعه تسوده ثقافة و حال القرون الوسطى حيث ثقافة اللا مساواة و الفقر و الجهل و المرض و عدم القدرة على إدراك كيف يظل المجتمع تتطوقه حلقات مفرغة و محكمة الاغلاق و لا يستطيع الفكاك من طوقها مثل دائرة النخب السودانية الشريرة و كيف يبدو إزاءها عقلهم المنغلق في عدم القدرة على تقديم تفسير لحدوثها المتكرر و هنا ينام سر الأنساق الثقافية المضمرة و منها أن النخب السودانية تعتقد و هي واهمة أنها سوف تحقق عبر الأحزاب الدينية من أحزاب مولانا و المرشد و الامام ديمقراطية و يتأكد لك كيف أن المثقف التقليدي بايمانه التقليدي و فكره التقليدي يسكن في الحاضر إلا أن عقله يجوب آفاق القرون الوسطى.
فكر المثقف السوداني الواهم في مسالة أمكانية تحقيق الديمقراطية عبر أحزاب دينية مؤشر واضح على ضعف مناهجهم و ضعف مكتبتنا السودانية و لهذا لا تستغرب أن تمتلئ الساحة السودانية بكتّاب من الدبلوماسيين و رجال الدين و العسكر و هذا ما جعل المثقف التقليدي في السودان يكون سيد الموقف و بسببه غاب عن الأفق أن ثورة الديمقراطية نتاج تغيير هائل يرتقي لمستوى الثورة و في نفس الوقت يحجبنا عن عذابات الثورة لأنه يفضي الى تحقيق الديمقراطية بلا دم و لا عرق و لا دموع كما شرح توكفيل كيف كانت الديمقراطية ناجحة في أمريكا في زمن لم تتحقق في اوروبا و كيف كانت نتاج التحول الهائل في عقل الارستقراطية و أرباب العمل فيما يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية كنتيجة من نتائج الثورة الصناعية.
و كله بسبب أن فلسفة جون لوك قد استوعبها الشعب الامريكي و خاصة فكره في رسالة في التسامح الذي لا يكون في ظل الفكر الديني و هو مشهود له بأنه يمقت الإلحاد مثل مقته لعدم فصل الدين عن الدولة. و هدفنا من الحديث عن فلسفة جون لوك و حديثه في رسالة في التسامح لأنه يعتبر الأب الشرعي للفكر الليبرالي بشقيه السياسي و الاقتصادي و في عصرنا أن أقصر الطرق لتحقيق التقدم و الازدهار و إنجاز تنمية اقتصادية لا يكون بغير طريق الفكر الليبرالي و لا تكون هناك ديمقراطية في السودان و أحزابنا تبغض الفكر الليبرالي بسبب غوصها في وحل الفكر الديني و أغلب أتباعها تسيطر على أفقهم فكرة الخلاص الأخروي.
رأينا كيف كان الصادق المهدي أقرب لرجل الدين من السياسي و كيف كان الكيزان تجسيد لظلم القرون الوسطى في خلال الثلاثة عقود التي دمروا فيها ما تركه الاستعمار من هياكل لمجتمعات حديثة و تأسيس لمفهوم الدولة الحديثة و كيف تتحول المفاهيم في ظل علاقة الفرد بالدولة الحديثة و بعد خروجهم فاذا بالامام و المرشد و مولانا يرجعون بالشعب السوداني الى الهويات القاتلة بدل من الحريات. و كيف نتحدث عن حرية في ظل فكري ديني مخيم على أفق أمة قد أعياها الفقر و الجهل و المرض؟
أيقنت الشعوب المتقدمة أن مسألة علاقة الفرد مع ربه علاقة فردية لا دخل لرجال الدين بها و يجب أن يعرف كل فرد من الشعب السوداني بأن علاقته بينه و ربه علاقة فردية و الشأن فيها شأن فردي أما علاقته مع مجتمعه تضبطها معادلة الحرية و العدالة و هي التي تؤسس لضبط الصراع ما بين الفرد و المجتمع وفقا للمسؤولية الاجتماعية و هي التي تؤمّن للفرد مساواته مع الآخرين و تؤسس لفكرة الضمان الاجتماعي في حالات المرض و العجز عن العمل و لا يمكننا تحقيق مجتمع حديث في ظل ثقافة الفكر الديني لهذا ينبغي أن ننمي ثقافة تنتج فكر علماني ينتصر للفرد و العقل و الحرية بعيدا عن سيطرة رجال الدين أمثال أتباع الامام و المرشد و مولانا.
بالمناسبة حال السودان الآن و كل السياسيين أتباع لوحل الفكر الديني يماثل حال فرنسا قبل قرنيين من الزمان و قد لاحظ توكفيل بأن الكاثوليكية في فرنسا كانت و أتباعها يظنون بأنها قادرة على تحقيق التحول الديمقراطي في فرنسا بفكرها الديني مثل حال الامام الصادق المهدي و مولانا الميرغني و الترابي و لكن كان توكفيل فيلسوف و عالم اجتماع و مؤرخ و اقتصادي و قد وقف ووضح بأنه يستحيل تحقيق الديمقراطية في ظل وحل الفكر الديني و قد كان محق و هنا نسأل النخب السودانية لماذا التعنت و الاصرار البليد على تحقيق ديمقراطية بأحزاب وحل الفكر الديني؟ لماذا الاصرار المقيت على المصالحة ما بين العلمانية و الدين و هذا مستحيل؟ و لماذا الحديث عن مصالحة مابين الحداثة و الأصالة و هذا مستحيل وفقا لتجربة الانسان و ضمير الوجود؟
و هنا يتضح بأننا في مفترق طرق أو في لحظة موت القديم من فكر و في انتظار ميلاد الجديد من الفكر الذي يبعد المفكر التقليدي و الكاتب التقليدي و المثقف التقليدي الذي يسير خلف الامام و مولانا و المرشد خانع أو كما الميت بين يدي غاسله. نحن في وقت نحتاج لمفكر منتصر للحياة و مدرك أن البشرية لم تفارق الجهل و الفقر و المرض إلا بعد مفارقتها للفكر الديني و لا يقول لك قائل بأن ذلك قد حدث في اوروبا لأن الكنيسة كانت مسيطرة فأي فكر ديني أي دين لا يمكن تحقيق تسامح أو عدالة أو مساواة في ظله و أعلم أن لا خصوصية لأي دين فاننا في زمن الحداثة كما يقول بودلير و قد قضت على جلالة السلطة و قداسة المقدس و هذا هو الأفق الغائب عن أفق المثقف السوداني العاجز عن إنتاج فكر يؤمن بالعلمانية بلا لجلجة.
و هنا و من حديث بودلير يتضح لنا كيف تتحول المفاهيم فيما يتعلق بالدولة كمفهوم حديث و السلطة كمفهوم حديث لم تستوعبه النخب السودانية الفاشلة و قد رأينا فكرهم في حوار حول الدولة المدنية و كيف يفضي لعلمانية محابية للأديان أو مساومة تاريخية ما بين يسار سوداني رث و يمين غارق في وحل الفكر الديني أو مصالحة مابين العلمانية و الدين و كله فكر ترقيعي يقف على ساقة واحدة و هي مسالة التوفيق الكاذب و كله بسبب أن المثقف السوداني التقليدي غير مواكب لتطور الفكر في العالم و غير مستعد لاستلاف تراث و موروث الانسانية حيث انتصرت للحريات بعيد أن الهويات القاتلة.
و اخيرا يمكننا أن نقول بأن مهمة مفارقة الفكر التقليدي و عوالم القرون الوسطى مهمة صعبة تنتظر العظماء الذين يسطرون كتاب التحولات الكبرى و يكتبون سجل المغامرات الكبرى للانسانية و هنا تنتظرنا مهمة و أهمية تاريخ الذهنيات و كيف يوضح لنا أن في لحظة إنقلاب الزمان يجب انتظار الفلاسفة و الحكماء و الانبياء لأنها لحظة ميلاد من يفارق طريق العقل الجمعي القديم و يؤسس لفكر جديد بالكلية مثلما فعل مارتن لوثر و فكرة الاصلاح الديني و مثلما فعل جون كالفن متحديا التراث اليهودي المسيحي فيما يتعلق بالرباء و قد أسس جون كالفن لفكرة سعر الفائدة و حطم فكرة أن التجارة عمل غير أخلاقي كما كان يعتقد التراث اليهودي المسيحي.
و عليه يمكننا أن نقول لكم قد حانت اللحظة التي يجب أن يعلم فيها الشعب السوداني بأن زمن أحزاب المرشد و مولانا و الامام قد انطوى مع ماضي الشعب السوداني و أن الشعب السوداني ينتظر الجديد الذي يجعله منتصر للحياة.
فكونوا أبناء الحياة كما يقول جبران و ليس أبناء الطرق الصوفية و لا أبناء للادارة الاهلية و لا أبناء للأحزاب الدينية و أيقنوا بأن سحر الحياة خالدا لا يزول و حينها سوف لا يطل على أفقنا ظالم و يجب أن نوسّع ماعون الحرية و لا يكون بغير انتصارنا للفرد و العقل و الحرية و حينها سوف تجد أن معادلاتك السلوكية قد تغيرت و الى الأبد و لو تطلب منك الامر بأن تعيش في خطر من أجل الحرية كما يقول فردريك نيتشة.
و عليه يمكنك أن ترفض أخلاق و فلسفة العبيد التي تجعلك تابع للمرشد و الامام و مولانا و تابع لثقافة من انتاج المثقف الهووي الصاخب فاننا في زمن ينتصر للحريات و ليس للهويات كما يعتقد عقلنا القديم و تجربتنا القديمة التي لا تسعفنا في استيعاب الفكر الجديد فأننا امام حقبة ليست مسبوقة بعهد قديم و لا تجاربنا القديمة قادرة على رفع مستوى إدراكنا لفهم العالم القادم الذي يحطم حكم العسكر و حقب أحزاب المرشد و الامام و مولانا و يحطم فكر المثقف التقليدي و المفكر التقليدي و المؤرخ التقليدي فاننا في زمن تحول المفاهيم و أن العالم القديم قد ولى زمانه و العالم الجديد لا يمكن مجابهته بغير تجربة الانسان و ضمير الوجود التي تؤسس لنزعتنا الانسانية التي تفتح على مجد العقلانية و إبداع العقل البشري و لا يكون ذلك باليسير على من لم يزل يسترشد بأفكار الامام و مولانا و المرشد و هذا حال أغلب نخب الشعب السوداني و بسببهم قد طالت اقامة الشعب السوداني في حقول الفقر و الجهل و المرض بسبب أدمان النخب للفكر الديني.

taheromer86@yahoo.com

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

الشخصية التاريخية ووعيها المفارق للعقل الجمعي الكاسد الدكتور منصور خالد وغريمه الدكتور عبد الله علي ابراهيم

تاريخ الذهنيات.. الشخصية التاريخية ووعيها المفارق للعقل الجمعي الكاسد الدكتور منصور خالد وغريمه الدكتور عبد …

اترك تعليقاً