دموع لقمان و حل قضية شرق السودان (2) .. بقلم: د. عمر بادي


عمود : محور اللقيا
كتبت في المقالة رقم (1) الماضية كيف أن الأستاذ لقمان أحمد مدير عام الهيئة القومية للإذاعة و التليفزيون قد ذرف دموعه في برنامجه الإسبوعي قبل الأخير ” حوار البناء الوطني ” لسببين : الأول عندما ذكّره مضيفه بمعلمه في المرحلة الإبتدائية الذي ينتمي لقبيلة البجا و الذي كان يتوسم في لقمان أن يكون له شأنا في الصحافة و أهداه مجلدا ليقرأه فكان ذلك دافعا للقمان ليصدر صحيفته الحائطية منذ أن كان في الصف الرابع حينذاك و إلي أن تخرج من الجامعة ليعمل صحفيا . السبب الثاني هو ما ورد في الحلقة من ظلم لأهل و لإقليم شرق السودان فأدى ذلك إلي أن يلتزم لقمان بفتح إستديوهات تليفزيون السودان القومي للناظر سيد محمد محمدالأمين ترك ليطرح من خلاله كل قضايا شرق السودان و ما يراه من حلول لها . لقد كانت دموع لقمان غالية و هي تدل علي حسه الوطني و علي العمل من أجل السودان الواحد الموحد . الآن سوف أكتب عن قضايا شرق السودان كما كنت عايشتها و تابعتها , و سوف أكتب في مقالة ثالثة بإذن الله عما حدث في الأيام السابقة من مواكب للقانونيين , و لمجموعة قوى الحرية و التغيير ( قاعة الصداقة ) , و عن خطاب الدكتور عبد الله حمدوك الذي أبان فيه موقفه مما يدور في الساحة السياسية , و عن الحلقة الأخيرة لبرنامج السيد لقمان أحمد التي إستضاف فيها الناظر سيد محمد محمدالأمين ترك من مدينة أركويت , و عن موكب قوى الحرية و التغيير ( المجلس المركزي ) القادم في 21 أكتوبر .
لكل ولاية من ولايات شرق السودان الثلاث قضايا خاصة بها و تجمعهم معا قضايا عامة مشتركة تخص شرق السودان , و عندما كنت أعمل في الهيئة القومية للكهرباء عملت لثلاث سنوات في محطة توليد كهرباء خزان خشم القربة و عملت بعدها في رئاسة الهيئة في قسم التصميم و التشييد فقمت بتركيب ماكينات ديزل للكهرباء في المحطة الشمالية ببورتسودان و في كسلا و في ” أبو النجا ” في القضارف و في خشم القربة , و جبت كل مناطق شرق السودان و أنا في ريعان الشباب , و لذلك فلي مقالات عدة كنت قد كتبتها عن مكان و إنسان شرق السودان .
ولاية البحر الأحمر هي ولاية السودان الوحيدة التي تطل علي البحر الأحمر و بها موانئ بورتسودان و سواكن و بشاير و تجري خلالها كل تجارة الصادر و الوارد للسودان و بها النقل البحري للمسافرين ما بين السودان و المملكة العربية السعودية و مصر . شبكة المواصلات ما بين الموانئ و داخل السودان تشمل خط السكة الحديدية و الطريق المسفلت و كانت هنالك خطط قديمة لإزدواجية و تثنية خطوط شبكة المواصلات حتى ترفع من كفاءة حركة سير القطارات و الشاحنات و لا أظن ذلك قد تم إنما بالعكس قد إضمحل عمل قاطرات السكك الحديدية حتى توقفت في زمان الإنقاذ ثم إستأنفت حركتها أخيرا , و الولاية تحتاج إلي محطات خدمة حديثة للسيارات و للركاب في الطرق القارية السريعة بها خاصة و أنه توجد إتفاقات لإستغلال ميناء بورتسودان لتمرير تجارة كل من دولة جنوب السودان و إثيوبيا و تشاد . قضية الكهرباء و المياه من القضايا الكبرى الملحة في ولاية البحر الأحمر التي أدت إلي تحجيم المدينة في عقود مضت , فكان أولا الإعتماد علي الآبار في الشرب و الزراعة ثم تكونت محطات تحلية مياه البحر و لكن في نطا ق ضيق أظن قد بدأت به مصفاة البترول كما هو الحال في الساحل الشرقي من البحر الأحمر في السعودية ففي مدينة جدة حي قديم بها يسمى الكنداسة و كان يسكنه العاملون في محطة تحلية مياه البحر التي تعمل بنظام التبخير و التقطير Evaporation & Condensation فصار التعريب لعملية التحلية هي الكندسة و صار من يعملون بها كنداسة ! ظلت أزمة المياه في بورتسودان مستفحلة طيلة عقود مضت حتى بعد أن تم بناء سد خور أربعات و أضيفت مياهه عن طريق خط الأنابيب الناقل إلي بورتسودان لتُضاف إلي مياه الآبار و تُخلط معها لتقليل ملوحتها , و قد كان خط الأنابيب الناقل يتعرض أحيانا إلي الكسر من الرعاة عندما يشتد العطش علي أنعامهم و عليهم لكي يشربوا منه , و كان الحل من هيئة المياه أن بنت أحواض و صنابير في أماكن محددة حتى يفتحها الرعاة متى إضطروا إلي ذلك ثم يعيدوا قفلها .
لقد توسعت مدينة بورتسودان و صار من الخطورة أن تعتمد علي مصدر واحد للمياه رغم شحه , و لذلك وجب تنويع مصادر المياه للمدينة . كان هنالك مشروع في زمان الإنقاذ البائد لجلب المياه من نهر النيل بالقرب من مدينة عطبرة إلي مدينة بورتسودان عن طريق خط أنابيب ناقل للمياه التي يتم ضغطها بمضخات تكون موزعة علي طول الخط الناقل , فالمحطة الأولى للمضخات تكون في عطبرة علي شاطئ نهر النيل و المحطة الثانية في مسمار و الثالثة في هيا و الرابعة في سنكات و الخامسة في جبيت و عندما يصل خط الأنابيب إلي صمد و العقبة في أعلا جبال البحر الأحمر يتم بناء خزانات أرضية للمياه و منها يهبط خط الأنابيب منجرفا للمياه للأدنى بدون أي ضخ بالمضخات إلي مدينة بورتسودان . هذا العرض للمشروع كانت تقدمت به شركة إستشارات هندسية محلية بالشراكة مع شركة إستشارات هندسية سعودية عالمية و لقي العرض قبولا و لكن حدثت تغييرات حتمت أن يكون المقاول من الصين و أن يكون الإستشاري من الصين أيضا ! ثم حدثت تغييرات أخرى أطاحت بالمشروع .
أيضا و في عهد حكومة ثورة ديسمبر الأولى كان هنالك عرض من ألمانيا لمحطة توليد كهرباء بقدرة 250 ميغاوات مكونة من أربع توربينات غازية ماركة براون بوفاري و هي عبارة عن محطة إحتياطية لمحطة طاقة ذرية و لذلك كانت كالجديدة و تم عمل صيانة كاملة لها و كان العرض للبيع بمبلغ 45 مليون يورو فقط و عرض آخر لتركيبها و تشغيلها من الألمان عن طريق البوت BOT و بيع كهربتها للسودان لمدة 15 عاما يتم بعدها تحويل ملكيتها كاملة للسودان , و يمكن عمل تسخين للمياه عن طريق غازات المدخنة لتتحول إلي بخار يتم إستعماله في محطات تحلية مياه البحر لتضيف مياه صالحة للشرب للمدينة عن طريق مصدر جديد , و تكفي كهرباء المحطة مدينة بورتسودان و تغنيها عن البارجة التركية المكلفة .
كنت قد سمعت بهذا العرض الرائع و ذهبت و قابلت السيد وزير الطاقة و التعدين آنذاك و تحدثت معه عن العرض الألماني مع أنني كنت مرشحا مثله من قوى الحرية و التغيير لمنصب وزير الطاقة و التعدين ثم منصب وزير الدولة للكهرباء , و سألني الوزير عن رأيي فأبنته له فطلب مني أن أرسله له كتابة بواسطة واتساب السيد مدير مكتبه. لقد قمت بدراسة خطابات الشركة الألمانية و الوصف الفني و تقرير تفتيش المحطة و أعددت خطاب بتوصيات للسيد الوزير أرسلته للسيد مدير مكتبه و خطاب آخر للسيد الوزير عن تفضيل نظام البوت أرسلته أيضا للسيد مدير مكتبه. لقد أبنت للسيد الوزير أن السعر رخيص و لكن لتفادي أية مشاكل من الأفضل الموافقة علي نظام البوت الذي لا يضع أعباء علي الوزارة و أن الموقع المقترح للمحطة في حالة عملها بالغاز الطبيعي أن تكون بقرب المصفاة في قرّي لتوفر الغاز من المصفاة و في حالة عملها بالوقود الخفيف أن تكون في بورتسودان لقربها من تناكر الوقود القادمة . لقد ظللت أتصل علي السيد مدير مكتب الوزير هاتفيا و لا يرد و طلبت منه مرارا أن يحدد لي إجتماع مع السيد الوزير فيوعدني و لكن بدون تنفيذ . حين تبقت ثلاثة أيام من إنتهاء عرض الشركة الألمانية إتصلت بالمستشار الخاص للسيد الوزير و إستأذنته أن أحضر لمقابلته نسبة لوجود السيد الوزير في إجتماع مجلس الوزراء فقابلته و تحدثت معه لمدة ساعتين عن العرض و فوائده و أرسلت له في الواتساب الخاص به كل الخطابات و التقارير التي كنت أرسلتها للسيد مدير مكتب الوزير و وعدني ان يقابل السيد الوزير لعمل خطاب موافقة مبدئية علي المحطة . في اليوم الذي يليه ذهب وكيل الشركة الألمانية للسيد الوزير لمقابلته و الحصول علي الموافقة المبدئية فقال لهم السيد الوزير أن مدير مكتبه لم يعطه أي رسائل مني كما أن مستشاره الخاص لم يعطه ايضا اي رسائل مني و أن العرض تتطلب الموافقة عليه وقتا , و هكذا ضاعت فرصة ال 250 ميغاوات علي السودان و فرصة تحلية مياه البحر علي بورتسودان !!
توجد الآن دراسة لخط أنابيب ناقل للمياه من بحيرة سد نهري أعالي عطبرة و ستيت إلي بورتسودان فالمسافة من الرميلة علي بحيرة سد نهري أعالي عطبرة و ستيت إلي بورتسودان أقرب من المسافة من مدينة عطبرة علي نهر النيل إلي بورتسودان , و علي كل فالمهم تنفيذ الخط الناقل للمياه . في شهر يوليو المنصرم دعا السيد رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك إلي تكوين لجنة لدراسة أزمة مياه مدينة بورتسودان و وضع الحلول لها , و ليس لي علم بمخرجات تلك اللجنة . في نهاية شهر سبتمبر المنصرم و أنا خارج السودان و متابع للأخبار علمت أن الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء سوف يكون متابعا بنفسه لتركيب محطة التوربينتين الغازيتين ماركة سيمنزبقدرة ٣٠٠ ميغاواط في بورتسودان مع إستعمال حرارة المدخنتين لتسخين البخار لتحلية مياه البحر في ما يعرف بالتوليد المشارك Co-Generation و كنت إقترحت هذا النظام قبلا لبورتسودان و قد عملت فيه في دولة الأمارات و السعودية. هاتان التوربينتان الغازيتان هما تكملة للتوربينات الغازيات الثلاث في محطة قري 3 و كان التعاقد بهم منذ أواخر أيام الإنقاذ لكن كانت تكلفتهم التشغيلية بنظام الدورة البسيطة Simple cycle عالية و لذلك مع إستعمال حرارة غازات المدخنة لتحلية مياه البحر بالتوليد المشارك تقل التكلفة التشغيلية و سوف تقل التكلفة التشغيلية للتوربياتالغازية الثلاث في قري بإضافة نظىم الدورة المركبة Combined cycle. بجانب كل هذا يوجد خط ناقل للكهرباء بجهد 500 كيلوفولت من سد مروي مرورا بعطبرة و منها شرقا حتى بورتسودان و لكن لم أجد خبرا عن هذا الخط الذي كان يكفي و يزيد من إستهلاك بورتسودان للكهرباء الذي لا يزيد عن 250 إلي 300 ميقاواط . من المؤكد عند إنتعاش ولاية البحر الأحمر إقتصاديا سوف ينتعش التعليم و كذا الصحة . هذه هي الحلول لقضايا الكهرباء و المياه في ولاية البحر الأحمر .
ولاية كسلا ليست بها مشكلة مياه إلا في الأطراف الشمالية الشرقية منها في المناطق المتاخمة لهاموشكوريب و الحدود الأريترية فبها أنهر القاش و بركة و ستيت و خيران أخرى و بها مناطق زراعية في غرب القاش و أروما , و في كسلا محطة لتوليد الكهرباء و يمر بها خط ناقل للكهرباء بجهد 220 كيلوفولت من سنجة و القضارف و خشم القربة و سوف يتم في الولاية إنشاء خط للسكة الحديدية و طريق مسفلت يمر عبر الحدود الشرقية من بورتسودان إلي القلابات , و تبقى قضية الرحل من قبائل البجا و البني عامر و الحباب لإستقرارهم و لإنشاء المدارس و المستشفيات .
ولاية القضارف بحكم وقوعها في الجزء الجنوبي من شرق السودان و علي طرف الهضبة الإثيوبية صارت متاثرة بالأمطار التي تهطل لنصف العام أحيانا و بالخيران الكثيرة فتصير معزولة عن بقية السودان نسبة لعدم توفر البنية التحتية من طرق مسفلتة و جسور بها و هذا ما تسبب في إحتلال الإثيوبيين للفشقة علي حدودها . ولاية القضارف بها أخصب الأراضي الزراعية و توجد نظريات دينية بأنها الوادي المقدس طوى و مشاريع السمسم و الذرة و القطن بها أكثر إنتاجا من كل المناطق الأخرى و كان العمال الزراعيون ( الجنقو ) يمكثون منقطعين عن العالم الخارجي لعدة أشهر في مشاريعهم الزراعية التي يعملون بها و لذلك بدأت الحكومة الآن في سفلتة الطرق و بناء الجسور علي نهري أعالي عطبرة و ستيت و علي الخيران العديدة و يوجد مشروع الطريق القاري قرب الحدود الشرقية حتى القلابات . مياه الشرب لمدينة القضارف كان يتم ضخها بمضخات تم تركيبها في مدينة الشواك ليتم نقلها في خط أنابيب إلي القضارف و لكن سعة خط المياه الناقل لم تعد كافية مع توسع مدينة القضارف و تقادم المضخات الناقلة , و الآن يوجد مشروع تحت التنفيذ لمد خط أنابيب لمياه الشرب من بحيرة سد نهري أعالي عطبرة و ستيت إلي القضارف و العمل جارٍ و سوف ينتهي كما متوقع في شهر مايو من العام القادم 2022 . أما الكهرباء فقد صارت موصلة بخط ناقل للكهرباء بجهد 220 كيلوفولت من سنجة من سد الروصيرص و من القضارف يتوصل الخط مع خزان خشم القربة و مدينة كسلا , و بجانب ذلك يوجد الخط الناقل للكهرباء من سد نهري أعالي عطبرة و ستيت , و سوف تقام مشاريع زراعية إستثمارية تتم سقايتها في ولاية القضارب بالمضخات و تتم سقايتها في ولاية كسلا بالري الإنسيابي من ود الحليو , و سوف تنتعش منطقة شرق السودان و تنتعش فيها الصحة و التعليم , و إن مع العسر يسرا يا أهلي في شرق السودان.

badayomar@yahoo.com
///////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات