رحيل عمتينا كريمتا إبراهيم الشقليني .. بقلم: عبدالله الشقليني


لا تعْدُل المُشتاقَ في أشْواقِهِ
حتى يكون حَشاكَ في أحْشائِهِ
إنّ القتيلَ مُضَرجاً بدموعه
مثلُ القتيلِ مضرّجاً بدمائه
المتنبي
(1)
تلاحقت روحيهما تتسابقان إلى الرحيل.
ليستا بعزيزتين على خالقهما ،صاحبتا الأرواح المُتبتلة بذكره كما نحسبُ أنهما كانتا.
ظلت الشجرتان واقفتين .مرّ الزمان الاستعماري عليهما وقد استقر له المقام ،
وتشكّل عالمه الجديد في وطننا بعد كرري .بظلالهما كانتا بئرين لا ينضبا من دفء المُعاشرة والحنين المنسكِب كبئر زمزم ،لم يكسر نبعها زمان . حكايات التاريخ اللتان شهدتا ،وسمعناه منهما جزء من تاريخنا الاجتماعي والثقافي،الذي أسس لأخلاقنا في الصدق والوفاء والتعاطف الإنساني،الذي ورثنا ودماثة الأخلاق التي لوّنت دمنا الذي يسري في شراييننا .ولن ينقطع الإرث.
(2)
انقضى العُمر، وهي سُنة الأولين والآخرين .بدونهما أضحت الأرض عارية من الحنين القديم ،والمحبة التي لا تبحث عن ثمن، موهوبة للسلالة ،وللقيّم الإنسانية . وهي تركة ثقيلة أن نحمل الإرث ونمده بأسباب التطور ،لا أن ننزوي في ضمير الأنا ، بل نمتد مسلكاً نبيلاً ،ولكن يتعين علينا أن نكون أفضل،وأن نقتلع النباتات العشوائية التي سادت في مزرعة السودان .
(3)
تلاحقت الأرواح  :
“عائشة” الكُبرى سكت قلبها ظهيرة الأربعاء 13 مايو ،ولحقتها ” الشام ” التي رحلت صباح الخميس 14 مايو 2015 ، في ذات البيت .
الآن بحزن نفتقدهما ، لقد آن لهذه السلالة أن تتخذ منحى آخر .من المحزن أن نفتقد الريح الطيبة ، والأنس النبيل ،ودفء العشيرة التي تخلت عن القبيلة منذ زمن بعيد ،
وصارت السلالة ، تتبّع من خلالها أنت كيف كان الماضي في تخوم أم درمان في الثلاثينات والعشرينات تنطق بواقع بعيد عنا ، وقريب منهما .
(4)
أنبكِ طفولتنا التي ترملت برحيلهما؟ ،فقد كنت ولم أزل أحس طفولتي تتجدد حين أجلس بينهما .فرحيق العُمر انتماء لوطن نراه في المُقل ،ونلمحه في الأجساد التي قاومت الكثير من العنت الذي ظل عليه أهلنا الأقربين والأبعدين على امتداد رقعة البلاد التي كانت واحدة .لا أعرف كم ستظل في واقع اختلّت فيه كل المقدمات التي تقود إلى نتائج.
(5)
من وعثاء السفر، من دنيانا إلى العالم الآخر الذي نجهل  . غروب شمسٍ وإشراق مولدٍ جديد . دوماً نحن نُلاحق مصائرنا التي لا تتأخر ، ونفوسنا تضج بآلام فراق الأحبة ، ويشاركنا الذين يحسون بألمنا  من أركان الكون وأطرافه القصيّة . تيسرت لنا السماء وورقها أن يجتمع إلينا من يخففون المُصاب ، بفضلهم جميعاً يمسحون أدمُعنا ، ونعلم علم اليقين أنا أيضاً راحلون ، ولن تنقطع السيرة الطيبة بالرحيل ، ولن تنقطع الدعوات إلى صاحب الوقت ليذيق الجميع شراب رحمته وفيحاءه التي لا عين رأت نعيمها  ولا أذن سمِعت بنفائسها .
اللهم أمدُد عليهما بسطة رحمتك ، ونور رضاك ،وأدخلهما فيحاء جنانك مع الصدِّيقين الذين أحببت ،عطّر اللهم قبريهما بطيب الشذى وأجرِ تحت مرقديهما روافد من مياه جنانك السلسبيل .وأنعُم علينا جميعاً بنعماء الصبر الجميل .
إنا لله وإنا إليه راجعون
(6)
شكر وعرفان :
موصول لجميع الذين مسهم مصابنا ، بحضورهم مراسم التشييع أو بقدومهم للتعزية ، وبرسائلهم المكتوبة والمقروءة ، ولترحمهم في السرّ والعلن .
وبترحاب بخيار مولانا ، وبقلوب مطمئنة بقضاء صاحب الوقت، وسيرة مشيئته ناتئة الوشي  فينا،  مُعطرة بإيمان حقيق بجلاله  ومسير الكون الذي صوره ، فليتقبل الجميع شكر الأسرة من أدناها إلى أقصاها ، ونسأل المولى ألا يريكم مكروهاً في دنياكم ، وأن يديم عزكم  بالخير فأنتم أهله ، ومقسوم عليكم فضله   .
عبدالله الشقليني
16 مايو 2015

abdallashiglini@hotmail.com
///////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات