عندما تزاحمُ الأشياءُ الأشخاصَ  .. بقلم: أحمد كمال الدين


“إنترنت الأشياء”، أو Internet of Things و تُكتب اختصاراً (IoT) هو تعبيرٌ عن الأجسام المادية الملموسة المزودة بالمجسات (sensors)والبرمجيات والتقنيات الأخرى التي تمكّن من إجراء عمليات والتواصل بإرسال واستقبال البيانات بين هذه الأشياء أو الأجسام وأشياء و نظم أخرى مشابهة عبر الانترنت أو عبر شبكات مماثلة أخرى.
وما تقدم هو الوصف البسيط المتاح لغير المتخصص، بينما يتعين للتطوير والتشغيل أن يقوم به متخصصون في مجالات متعددة، بعضها في الانترنت، وبعضها في الالكترونيات، وبعضها في التخصصات الأخرى ذات الصلة بالأشياء المستخدمة سواء كانت طبية أو هندسية (في مجالات الهندسة المختلفة) أو غيرها.
وبرزت عبارة “إنترنت الأشياء” لأول مرة ضمن كلمة ألقاها بيتر تي. لويس أمام المحتفين بعطلة نهاية الأسبوع السنوية الخامسة عشرة لكتلة الكونغرس السوداء في واشنطن العاصمة خلال شهر سبتمبر عام 1985م، حيث قال بيتر لويس: “إنترنت الأشياء ، أو IoT ، هو تكامل الأشخاص والعمليات والتكنولوجيا مع الأجهزة ونظم الاستشعار القابلة للتوصيل لتمكين مراقبة هذه الأجهزة وحالتها عن بُعد، ومعالجتها وتقييم اتجاهاتها.”
“The Internet of Things, or IoT, is the integration of people, processes and technology with connectable devices and sensors to enable remote monitoring, status, manipulation and evaluation of trends of such devices.”
ودونما تنسيق أو تواصل مع بيتر لويس قام كيفين آشتون بنحت عبارة “إنترنت الأشياء” في عام 1999م، وكان كيفن يعمل في شركة بروكتر آند غامبل ولاحقاً في مركز معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا للهوية الذاتية (MIT’s Auto-ID Center) المرتبط مع سبع جامعات بحثية تقع في خمس قارات حول العالم، وكان يفضل عبارة “إنترنت للأشياء” بدلاً من “إنترنت الأشياء”، واعتبر أن التعرف من خلال الترددات الرادوية ضروري لإنترنت الأشياء، ولتمكين الكمبيوتر من إدارة جميع الأشياء الفردية.
وكان ميلاد مفهوم إنترنت الأشياء في عام 1982م أثناء تطوير جهاز بيع منتجات كوكاكولا في جامعة كيمبريدج ميلون الأمريكية بمدينة بيتسبيرغ في ولاية بنسلفانيا، والذي يعد أول جهاز متصل بشبكة وكالة المشاريع البحثية المتقدمة (ARPANET) التي أسهمت في تطوير الانترنت نفسه. وكان الجهاز يقدم تقارير بمحتوياته من مشروب كوكاكولا وتحديد ما إذا كانت وحدات الكوكاكولا المضافة للجهاز مبردة أو غير مبردة.
وتوالت مراحل التطوير في إنترنت الإشياء بالتركيز على ربط الأجهزة بعضها بالبعض (device-to-device communication)، كما جاء في الورقة العلمية التي قدمها مهندس الحاسوب الأمريكي وليام نيلسون جوي (بيل جوي) أمام مرتادي منبر دافوس الاقتصادي العالمي في عام 1999م.
وبفضل هذه التداخلات أمكن لعلوم الكمبيوتر مغادرة سطح المكتب (desktop) إلى كل أرجاء الفضاء الواسع من حولنا، وإلى “الحوسبة في كل مكان” (ubiquitous computing)، ومجسّات السلع الاقتصادية، و شبكات المجسات اللاسلكية، التي ترصد أحوال البيئة مثل درجات الحرارة والضوضاء والتلوث، والتعلّم الآلي (machine learning) الذي تستخدم فيه اللوغريثمات، أو بالأحرى “الخوارزميات”، لرصد المدخلات المتنوعة و “التعلم” منها لتطوير قدرة الآلة أو النظام على استقراء المزيد من البيانات ذات الصلة، ونظم التحكم، ونظم الأتمتة (automation) المعنية بتقليل التدخل البشري في سيرورة العمليات المختلفة من خلال استقراء الحاجة لهذا التدخل والاستغناء عنه بزراعته في الآلة لتقوم به نيابة عن الإنسان، وبذلك تقل الحاجة إلى القوة العاملة البشرية بمقدار انتشار الأتمتة في مواقع العمل، خاصة العمليات الروتينية الرتيبة.
إن السياق الرئيس لإنترنت الأشياء هو زراعة أجهزة استقبال وإرسال متحركة قصيرة المدى (short-range mobile transceivers) في مختلف المعدات والضرورات اليومية للتمكين من أشكال جديدة للاتصالات بين الأشخاص والأشياء وبين الأشياء والأشياء فيما بينها.
تقول شركة سيسكو (CISCO) العملاقة متعددة الجنسيات ومقرها بمدينة سان خوسيه بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أن تعريف إنترنت الأشياء “هو ببساطة الوقت الذي يكون فيه عدد الأشياء المتصلة بالانترنت أكثر من عدد الأشخاص المتصلين به”، وقدرت الشركة أن ميلاد “إنترنت الأشياء” تحقق ما بين عامي 2008 و 2009 عندما زادت نسبة الأشياء إلى الأشخاص المتصلين بالانترنت من 0.08 في عام 2003م إلى 1.84 في عام 2010م عندما بدأت الزيادة في عدد الأشياء المتصلة بالإنترنت، مقارنة بالأشخاص المتصلين به.
ولعل أسواق المواد الاستهلاكية المنزلية من أفضل المجالات حتى الآن لانتشار إنترنت الأشياء، من خلال تجهيز المعدات والأجهزة المنزلية بالمجسّات والنظم التي تمكنها من “التواصل” مع أجهزة الهاتف وأجهزة ضبط الحرارة وغير ذلك مما يعين على السيطرة على المتطلبات المنزلية مثل التدفئة والتبريد و الأمن المنزلي واكتشاف الأعطال، وفي مراقبة استهلاك الكهرباء والماء، وفي رعاية كبار السن والعجزة، وغير ذلك.
معلوم أن التقدم التقني يساير رغبات الإنسان وحاجاته، سواء كانت الضرورية أو الترفيهية، وهي المسايرة الضرورية لتحقيق الربح الاقتصادي لمنتجي هذه التقنيات، إلا أن الزيادة المضطردة في مجال التكنولوجيا قد تزيد من وجود الأشياء من حولنا مما يستقل منها بحركته الذاتية، وقدرته على التأثير فيما حولنا، بالقدر الذي قد يشعر فيه الإنسان يوماً بالغيرة لوجود نوع جديد من الكائنات الآلية التي قد تسهم في تناقص قدراته البشرية في الشعور والتدبر واتخاذ القرارات المتعلقة بترشيد شئون حياته اليومية، نوع جديد من الأشياء يشعر ويفهم ويؤثر علينا نحن معشر البشر، وعلى الأشياء الأخرى. ولعمري هل كان الشاعر السوداني الفحل محمد مفتاح الفيتوري يقرأ المستقبل وهو ينشد:

غافلً من ظنَّ الأشياءَ هي الأشياءْ
دنيا لا يملكُها من يملكها
أغنى أهليها سادتها الفقراء
الخاسرُ من لم يأخذْ منها
ما تعطيه على استحياء
والغافل من ظن الأشياء
هي الأشياء !!

***

kingobeidah@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2 shares

0 تعليقات