محكمة مدبري انقلاب ١٩٨٩: عرض جانبي (Side Show)  .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم 


نحن في اليوم العاقب لسقوط دولة الفترة الانتقالية التي عقدنا عليها آمال أجيال خيرة كان حداؤها أن خلاص البلد بها من غيرها. واليوم العاقب يوم للتذكرة لا للتغابن في مثل الزعم بأنني أنا دون غيري الفئة الناجية، أو التفتيش عن كباش الفداء. وشاع فينا الآن بين قوى قحت هذا الهروب من ذكاء اليوم العاقب ومباحثه ونفسه اللوامة.
لا أعرف بوابة للفترة الانتقالية بقيت بلا ديدبان عليها مثل الترتيبات الحقوقية للثورة التي كانت ذروة سنام التغيير، وهي بالاسم لجنة إزالة التمكين، ومحاكمات نظام الإنقاذ، ولجان التحقيق وتلك التي تكلفت بالكشف عن مذبحة القيادة العامة بالذات. فهذه الترتيبات الحقوقية مما ينفذ إلى جوهر الديمقراطية، مطلب الثورة، وهو المساءلة (accountability). فلا أعرف كلمة لها مثل المساءلة رنيناً في خطاب الديمقراطية. وعندي هذه الكلمة القديمة أعيد نشرها في اليوم العاقب لنعلم من أين أوتينا وانكسرنا.
قرأ أحدهم من الثورة المضادة إعلان النائب العام الذي طلب فيه شهادة من علم شيئاً عن مذبحة العيلفون وعلق:
-قنعتو من فض الاعتصام.
وهذا شاهد قوي على انفلات زمام المحاسبة من يد الثورة.
ويقع كِبر هذا الانفلات على المهنة القانونية الثورية التي تكاد تركت القانون بما حمل لرجاله في الدولة. وفعلت ذلك مبكراً في خصومة أطرافها حول الوثيقة الدستورية. وكانت خصومة لعلعت فيها ال ego (النِفَيسة) على حساب الزمالة بإزاء ثورة في منعطف. ولم نعد نرى من مهنيينا القانونيين، وسير العدالة الثورية تنتاشه رماح الثورة المضادة، سوى عضاضهم المتبادل.
شكا لي شاب من المحامين يوماً من حسهم بالعزلة من مجريات الثورة. وقال إنه ولفيف من جيله القانوني اجتمعوا للتفاكر حول ما ينبغي لهم عمله لخدمة الثورة. وتدارست معه تجربة محكمة المخلوع الأولى لتصرفه غير الشرعي في المال العام التي ضرب الهرج ساحتها، وبدا فيها الدفاع وكأنه سيد الموقف وسادن العدالة. وقلت لهم إن هرجهم سيتعاظم في محاكمة المتهمين بانقلاب ١٩٨٩ التي تنعقد في شرط جففت المصاعب المعيشية كثيراً من فطرة الثورة، بل وأفرزت بؤراً للثورة المضادة عليها. وهي بيئة مثلى ليفرخ مكر دفاع المتهمين للنيل من المحكمة بالجرجرة وسوء الأدب. واقترحت عليه، لكسر أنفة محاميّ الدفاع، أن يديروا حملة تطلب من القضائية ألا تسمح لأبى بكر عبد الرازق وشيعته بالمثول أمام المحكمة القادمة قبل أن يعتذروا عن ضعتهم، وهم القضاء الواقف، يسيرون مظاهرة في قاعة المحكمة بما ينزع الدماثة المنتظرة منه. ولم أسمع من الرجل ولا من رهطه.
حز في نفسي صمت رفاقنا القانونيين واعتزالهم محكمة مدبري انقلاب ١٩٨٩ والدفاع يثير الغبار حول المحكمة ليجعلها غير ذات موضوع. فأسرف الدفاع في الاعتراضات التي استحقت إفحاماً منا برغم غوغائيتها. واعتقد أنه نجح إلى حد كبير في جعل المحكمة عرضاً جانبياً (سايد شو). بل نجحوا في إسقام القاضي الأول فتنحى.
لا أعرف لماذا لا يمكر قانونيو الثورة مكرهم. فاعترض الدفاع على ظهور النائب العام ليقدم خطبة الادعاء بسبب أنه سبق له تقديم عريضة ضدهم في أول الثورة. ولم يكن صعباً قتل الدش في يدهم بتنحيه (recuse) النائب العام تنحية تذكر بما فعله من قريب جيف سيشن، النائب العام الأمريكي، حين كلف غيره من مكتبه للوقوف على التحقيق حول تداخل الرئيس السابق ترمب مع الروس لسابق علاقة بالموضوع.
 كما طعن الدفاع في قاضٍ بالمحكمة لمساهمته في الثورة. وقلت لمن أثار هذه المسألة معي إن التعيين في المحكمة العليا الأمريكية سياسي في المقام الأول كما شاهد الناس ذلك على الملأ خلال مناقشات مجلس الشيوخ حول ترشيح برت كافنول. فانقسم فيه الشيوخ هلال مريخ. ولم يمنع هذا من أن تحكم المحكمة، وأغلبيتها جمهورية، على ترمب بتسليم أرانيك ضريبته لنائب عام جنوب مدينة نيويورك. ناهيك عن قرارها بالابتعاد عن النظر في قضايا طعن ترمب في نتيجة الانتخابات الأخيرة. (بل حكمت بالأمس عليه أن يسلم أوراقه في البيت الأبيض للجنة التحقيق في شغب السادس من يناير ٢٠٢١. وبلاش زمزغة وتحجج بالمزة السيادية لرئاسة).
فحزبية القاضي ليست مانعة له أن يرى الحق. بل لربما كانت فانوسه ليراه كما فعل كل من عثمان خالد وعلي محمود حسنين، الأخوين المسلمين، بتمسكهما التحقيق في فجور وقع بدولة عبود حتى فصلهما مولانا أبو رنات من القضائية.
أما حجة الدفاع بإسقاط تهمة الانقلاب بالتقادم فباطلة من وجهين. فقد سبقت محاكمة مدبري انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩ بعد ١٦ عاماً من وقوعه. وحكموا عليهم بالسجن سوى من الهاربين جعفر نميري وبابكر عوض الله. وجاءت الإنقاذ لتلغي العقوبة قبل تمامها. ومن الجهة الأخرى فالوثيقة الدستورية صريحة في ٥، ٣ ألا تسقط جرائم عددتها منها جرائم الحرب. والانقلاب تعريفاً في قانون القوات المسلحة هو شن الحرب على الحكومة.
كنت أريد لهذه المحاكمة أن تكون مدرسة شعبية في فقه القانون. فنشأنا في الستينات نصغي من الراديو لمحاكمات محمد خير شنان ومحي الدين أحمد عبد الله المتهمين بالانقلاب (مرتين) على نظام عبود في ١٩٥٩. وكان نجوم الدفاع عنهما أحمد جمعة والمحجوب. وطرق أذننا منهما لأول مرة اسم راتنلال العلامة القانوني الهندي. وعرفنا ما “البينة الظرفية”. وغير منتظر من عبد الرازق وشيعته أن يرقوا مراقي جمعة والمحجوب في فقه القانون، ولكن لربما جرعناهم هذه المراقي لو حرس قانونيونا هذه المحاكمة وقعدوا لها كل مقعد. ولكنهم هملوها.
انزعجت في ١٩٨٨ حين رأيت سيطرة المحامين على المناقشات الشعواء حول القانون الجنائي البديل لقوانين سبتمبر ١٩٨٣. وقلت لماذا لا يستعين أهل الندوات بالأطباء مثلاً من أهل المعرفة بسر صنع الله في اليد التي يقطعها ذلك القانون البديل جزافاً. وختمت كلمتي بالتأمين على كلمة لأحدهم قال فيها إن القانون أهم من أن يترك للقانونيين.
IbrahimA@missouri.edu

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات