(الطوطم) كتاب جديد لمؤلفه فتحي الضو

 


 

فتحي الضو
19 October, 2022

 

صدر في القاهرة اليوم الثلاثاء كتاب جديد لمؤلفه فتحي الضو عن دار نشر الروضة للدراسات الانسانية بعنوان (الطوطم) واخر فرعي بعنوان (صعود وسقوط دولة الاسلامويين في السودان/ قصة ثورة) وقد طرح الكتاب في مكتبات القاهرة ومن المتوقع ان يطرح لاحقا في موقع امازون.
وفي ما يلي تنشر (سودانيل) مقدمة الكتاب ،

تَوطِئَة
على إثر عودتي للسُّودان بعد طول غياب، استضافتني نقابة المُحامين المُكلَّفة في يوم 15/9/2021م في ندوة بعنوان: “جدليَّة الثورة والدَّولة”، احتشد لها حُضُورٌ كبير. عندما تأمَّلته وكرَرْتُ البصر مرَّتين نحوهم، رأيتُ وجوهاً مستبشرة، يكاد الرَّائي يُقسم صادقاً أنَّ دقَّات قلوبهم تهفو بذكر هذا الوطن العظيم. كان المشهد بجلاله يُعبِّرُ عن توق الشَّعب السُّوداني لمناخات الحُريَّة والديمقراطيَّة، أو إن شئت فقُل المنظومة الثنائيَّة التي شكَّلت تحدياً عصياً للأنظمة الديكتاتوريَّة، وفشلت جميعها في إخماد جذوتها. تقدَّم ذلك الحضور الأساتيذ كمال الجزولي مُعقباً، ومحمود الشيخ مُقدِّماً، وبمعيَّة علي قيلوب رئيس النقابة والطيِّب العبَّاسي الأمين العام المُكلَّفين، إلى جانب ممثلين لكافة ألوان الطيف السِّياسي. حُضُورٌ يُثلج صدر المرء في العهد الجديد، الذي شقَّت له ثورة ديسمبر الباسلة طريقاً لا عِوج فيه. كُنتُ جذِلاً على المُستوى الشخصي، تغمُرُني سعادة افتقدتُ طعمها لسنين عددا.

كانت الأجواء خريفيَّة صافية كما القلوب. ذكَّرني المشهد برُمَّته ما نظمه، ت. إس. إيليوت T. S. Eliot الشاعر الإنجليزي الشهير، في رائعته التي حملت عنوان: “الأرض اليباب”، وأحياناً “الأرض الخراب” The Waste Land والتي اعتبرها النُقَّاد أروع أعماله الشعريَّة على الإطلاق، وقد أكسبته تلك الشُّهرة العالميَّة بلا جدال. وقالوا عنها في مقاربة تُذكرك واقعاً اصطلينا بنيرانه في أزمنة الديكتاتوريات: «إنَّ الأرض اليباب تُعبِّر عن خيبة أمل جيل ما بعد الحرب العالميَّة الأولى، وتُصوِّر عالماً مُثقلاً بالمخاوف والقلق والشهوات العقيمة. عالمٌ كان ينتظر إشارة ما تُؤذِن له بالخلاص أو تعِدُ به»، لهذا فإنَّ القصيدة تراوحت بين النبوءة والسُّخرية، كما اقتبست ثقافات متعدِّدة، وتضمَّنت إشارات أدبيَّة ملتبسة. ومن عباراتها الشهيرة “أبريل يا أقسى الشهور”، ولكننا في السُّودان كان لدينا على “الأرض اليباب” سنين عُدة لا تقل قسوةً، ألهبت ظُهورنا بالجلد ووضعت بصماتها على الوجوه التي أرهقها طَوْطَمُ الحركة الإسلامويَّة، قبل أن تستعيد بالثورة عافيتها ورونقها وجمالها.

قلتُ في تلك الندوة إنَّ مآثر ثورة ديسمبر كثيرة، وصيتُها الذي ذاع في كل العالم كبير. غير أنَّ أهمها – في تقديري – ثلاث قضايا جوهريَّة، كان لها تأثيرٌ واضح في تنكُّب الدَّولة السُّودانيَّة منذ أمدٍ بعيد، ووصمها البعض بالفشل وعدم الاستقرار، وتلك هي:

أولاً: قلتُ إنَّ الثورة وضعت حداً فاصلاً للانقلابات العسكريَّة التي رُزءَ بها السُّودان وبلغت رقماً قياسياً. (نحو 20 انقلاباً تراوحت بين الفشل والنجاح، وأخرى لم يتم حصرها منذ الاستقلال)، بل من فرط شهوة السُّلطة عند بعض النَهِمِين، نجد أنَّ معظمها كان انقلاباً على الانقلاب، حتى نافس السُّودان دولة مالي (غرب أفريقيا) صاحبة أكبر رقم في مضمار الانقلابات العسكريَّة في القارة.
ثانياً: قلتُ إنَّ الثورة سوف تُنهي ظاهرة الطائفيَّة السياسيَّة، أمَّا الطائفيَّة الاجتماعيَّة فما يزال أمامها جيلٌ كامل حتى تختفي من أرض الواقع، ومِن المأمول أن يحدُث ذلك بفضل تنامي الوعي وانتشار المعرفة والتطوُّر الحضاري الإنساني وما يصاحبه من عولمة طاغية. ومن المُفارقات وُصِفت ثورة ديسمبر بأنها “ثورة وعي”، وهو توصيفٌ تلقائي يمكن أن يُؤكد ما ذهبنا إليه من احتمالات.
ثالثاً: قلتُ أيضاً إنَّ الثورة قَبَرَت الإسلام السِّياسي أو الدولة الدِّينيَّة إلى غير رجعة، واضعين في الاعتبار مُمارسات العقود الثلاثة للجبهة الإسلامويَّة في السُّلطة. وهي الحقبة الكالحة في تاريخ السُّودان الحديث، وسوف تستمر إفرازاتها السَّالبة لسنواتٍ عديدة، وعلى الرغم من أنَّ ما ظهر منها أقل ممَّا بطن حتى الآن، إلا أنه كفيلٌ بقطيعة أبديَّة مع الطواغيت إلى يوم يُبعث الخلق أجمعين.

بَيْدَ أنه عندما قام الجنرال عبدالفتاح البُرهان بحركته البهلوانيَّة في 25 أكتوبر 2021م، وجدتُ من الناس من سعى لتخطئتي في المالآت الثلاثة المذكورة لنتائج ما بعد الثورة، وخاصَّة النقطة الأولى التي تحدَّثتُ فيها عن نهاية ظاهرة الانقلابات العسكريَّة في السُّودان. وحُجَّتهم في ذلك أنَّ ما قام به الجنرال البُرهان يُعَدُّ انقلاباً عسكرياً مكتمل الأركان. قلتُ لهُم – على سبيل الفذلكة: «تلك يُقالُ عنها “لَعَمْ”، أي لا ونعم، وكلاهُما لا يدحضان قولي ولا قولكم. إذ أن “لا” افتراضٌ صحيح من زاوية أنَّ الفعل الإجرامي خلا من مظاهر الانقلابات العسكريَّة المألوفة ببيانها “رقم واحد”، وجيء بما يُشابهه. بل المُضحك أنَّ المذكور صانعه وكذا صحبُهُ، تنكروا للتسمية نفسها “انقلاب” باعتبارها جُرماً لم يقترفوه، وحرَّموها على ألسِنَتِهِم وما زالوا يُكابرون حولها حتى ملَّ الناس الكَذِب. أمَّا “نعم” لأن ما حدث يُعتبر الأسوأ في تاريخ الانقلابات العسكريَّة في العالم. ممَّا حدا بنا أن نُطلق عليه مصطلح “الغباء العسكري”، ولا يعني ذلك أنَّ هناك انقلاباً حميداً وآخر خبيث، فكلاهما في الشر شرقٌ».. ومع ذلك سنمضي في توصيفه بمصطلح الفعل الظاهر حتى لا يحدث تشويش في أذهان القراء الكرام.

بذلك نكشف عن خطيئتين للجنرال البُرهان: أولاً، درجة الغباء العسكري التي يتمتع بها، وسعادته بالمتاهة التي حشر نفسه فيها. وثانياً، أنه بهذا المسعى في درب الخطيئة قد وضع نفسه في المكان الصحيح الذي قصده نابليون بونابرت في مقولته الواقعيَّة: «في الثورة هناك نوعان من الناس، من يقومون بها ومن يستفيدون منها» وبلا شكٍ، فإن هذه الانتهازيَّة البغيضة كانت هدف الجنرال في تخبُّطه.

قطعاً للجدل، رأينا أن نُسمي تلك الحركة الغبيَّة بمُسمَّاها الصحيح “الانقلاب الثاني للحركة الإسلامويَّة” في السُّودان. باعتبار أنَّ ما قامت به من جريمة نكراء في يونيو من العام 1989م كان بمثابة الانقلاب الأوَّل. ولم يكن ذلك اتهاماً جُزافياً عليلاً من قِبلنا، وإنما عملنا على محاصرتهم بأفعالهم وأقوالهم وممارساتهم في هذا الكتاب، لتأكيد أنَّ الجُرم جُرمهم، رغم محاولات التنصُّل كدأبهم دوماً. وفي كلٍ اقتفينا درب التماثُل الذي حدث بين الانقلابين: الأوَّل، عرَّابه الدكتور حسن الترابي بدهائه ومُكره، والذي مضى به إلى رحاب ربه وهو به كفيل.. والثاني، تزعَّمه الجنرال البُرهان بغبائه ومحاولاته التذاكي على الشَّعب السُّوداني، مُفترضاً فيه ذات الغباء. وإن كان الانقلاب الأوَّل قد مكث آجلاً في دست الحُكم لثلاثة عقود زمنيَّة، فإنَّ الثاني ببداياته المُتعسِّرة تلك سيسقُط عاجلاً، وإن طالت سلامته.

إذا قُدِّر لمُحلِّلٍ سياسي أن يختصر في تعريف النظام الديكتاتوري الذي حكم السُّودان لمدة ثلاثين عاماً بالقوَّة والجبروت، فلن يجد ما هو أبلغ تطابُقاً وأوقع تطبيقاً للمأثرة القائلة: “إنَّ السُّلطة المُطلقة مَفسَدَة مُطلقة”، فقد أسكرت السُّلطة جلاوزة الإسلامويين حتى ظنوا إنهم خالدون فيها أبداً. وتمكَّنت منهم النشوى فنسوا أنَّ لكُلِّ أجلٍ كتاب، ودخلوا في غيبوبة لم يُراودهم فيها خاطر أنهم ميِّتون. وذلك ليس بُهتاناً، لأنَّ وقائع ما حدث بين ميلودراما الصُّعود وتراجيديا السُّقوط طيلة ثلاثين عاماً، شرحت كل ذلك ببساطة ووضوح.

كذلك بعد تلك التجربة المريرة والمُؤلمة والقاسية، لن تجد من هو أقدر من الشَّعب السُّوداني في الشهادة على انحطاط من سمَّوا أنفسهم “الحركة الإسلاميَّة” وتقلَّبوا في الأسماء رياءً وتملقاً وخداعاً، بغية مداراة سوءات ما تُخفي صُدُورهم. وتلك تجربة تركت بصماتها المُوجعة في النفوس، وأكدت بما لا يدع مجالاً للشك، أنهم أسوأ ظاهرة مرَّت على السُّودان وأهله، بما احتوشته من استغلالٍ بشعٍ للدِّين، وانتهاكٌ فاضح للحُرُمات، وإهدارٌ شنيع للقيم التي نهل منها الشَّعب السُّوداني ثقافته وأخلاقه. فما مِن أسرة صغيرة أو ممتدَّة لم تفقد عزيزاً لديها، سواءً بالموت غيلةً أو بالحروب التي أخذ بعضها برقاب بعض. ومن لم ينل جُرعاتٍ من التعذيب البدني، لاحقته إهانات العذاب المعنوي. وكم من عائلة تشتت شملها بقطع رزق عائلها. وما أكثر الملايين الذين تبعثروا في فجاج الأرض طعامهم خشاشها. وما أبشع سياط “قانون النظام العام” وهي تُلهب ظهور المغلوب على أمرهم. وما أجشعهُم حيث لم يتركوا مالاً إلا ونهبوه، ولا فساداً إلا وعاثوه. بفضلهم صار الوطن دولة منبوذة، ووداعة مواطنيه تحوَّلت لإرهابٍ هُم منه براء!

علاوة على ذلك، لو قيل لك أنت – عزيزي القارئ – كيف تصف هؤلاء الأبالسة اختصاراً؟ فلا مناص من أنك لن تستثني خصلة نفرت منها البشريَّة ضربة لازب. ثلاثون عاماً كفيلة بأن يعرفهم الناس كما يعرفون “جوع بطونهم” فهُم المُنافقون والمُخادعون والمُحتالون والفاسقون والكذَّابون والدجَّالون والمُرابون والمُجرمون والمُنحطون والمُتاجرون بقيم السَّماء والعابثون بالمُثُل الإنسانيَّة والآمرون بالمُنكر والناهُون عن المعروف، وعلى الرَّغم من أنَّ كل ذلك بات معروفاً لا يختلف عليه اثنان ولا تنتطح فيه عنزان، إلا أنه حريٌ بنا – من باب الذكرى التي تنفع الغافلين – أن نُعيد تأكيده كلما جاءت ذكراهم تحمل سوء أخلاقهم التي أسَّسوا بها دولة الفُسُوق والضَّلال والإجرام. وفي هذا الكتاب نكشف مُجدَّداً عن معلوماتٍ ظنوا أنها قُبرت.

فالأوطان لا تسوى في عُرفهم شروى نقير، لهذا لم يضعوا اعتباراً للتنوُّع الثقافي، الذي كان يمكن أن يكون سنداً لهذا الوطن وعوناً له في تأسيس دولة قويَّة اجتماعياً ومزدهرة اقتصادياً ومتميِّزة سياسياً. شاءوا إرجاع عقارب السَّاعة إلى الوراء، وهُم غير عابئين بما آل إليه حال الدَّولة الدِّينيَّة في عصر الخلافة الأمويَّة، فمضوا في طريقها يتمثلون خُطاها وقع الحافر على الحافر، زاعمين أنَّ العالم يرزحُ بين فُسطاطين: دار الكُفر ودار الإسلام. وللنظر لهذا التماثل الذي يقرِّب بين الشتيتين في فساد الفكرة، نُوردُ النماذج التالية لمن ظنَّ كل الظن ألا تلاقيا:

في دولة الخلافة الأمويَّة، وتحديداً في عهد الخليفة هشام بن عبدالملك، تحدَّث الجعد بن درهم عن قائلته بخلق القرآن، فأرسل الخليفة إلى خالد القسري والي العراق يأمره بقتله، ولكن خالداً حبسه ولم يقتله. فبلغ ذلك الخليفة، فكتب إليه معاتباً وشدَّد عليه بقتله حال ما يصله مكتوبه. عندئذٍ أخرجه من الحبس في يوم عيد الأضحية. وبعد الصلاة، خطب وقال في آخر خطبته: انصرفوا يا أيها الناس وضحُّوا، يقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحِّي اليوم بالجعد بن درهم، ثمَّ نزل من المنبر وذبحه ذبح الشاة!
أمَّا في دولة الإسلامويين في السُّودان، وتحديداً في أواخر شهر رمضان عام 1990م، وبينما كان السُّودانيون يتأهَّبون لاستقبال عيد الفطر، قام أبالسة الحركة الإسلامويَّة بقتل 28 ضابطاً رمياً بالرُصاص.. قبروهم وبعضُهُم أحياء، كانت حشرجة الموت الصَّادرة من بعضهم تحت الثرى تُقطِّع نياط القلوب.
وأيضاً في أبريل عام 1998م، وقُبَيل عيد الأضحيَّة بأيامٍ معدودات، قام جلاوزة الحركة الإسلامويَّة بقتل أكثر من مائة يافع من منسوبي “الخدمة الإلزاميَّة” فيما سُمِّي “مذبحة معسكر العَيْلَفُون”، وما يزال حامل لوائها (كمال حسن علي) حراً طليقاً يتمتع بالدُّنيا ونعيمها في القاهرة، مُمثلاً للسُّودان في الجامعة العربيَّة، حتى بعد زوال النظام الذي كان يمثله، ورويداً رويداً توارى عن الأنظار.
لأن القتل في المناسبات الدينيَّة كان دَيْدَن الإسلامويون، قام أزلامهم كذلك في أواخر شهر رمضان لعام 2019م بفضِّ الاعتصام الذي انتظم في ميدان القيادة العامَّة، وحصدوا أرواح شبابٍ لم يُعرف عددُهُم حتى اليوم، ولم ينظر “نبيل أديب” ولجنته في أمرهم بالرَّغم من مرور أكثر من ثلاثُ سنوات على الجريمة، بينما وجدنا الجُناة المعروفين بسيمائهم في وجوههم يجلسون القُرفُصاء أعلى هرم السُّلطة. ولا غرابة لو أصبح القتل فيما بعد هوايتهم ولم تكل أيديهم.
في سنة 60هـ، خلع أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية، (لما عُرف عنه من فسقٍ)، فأرسل جيشاً بقيادة مُسلم بن عقبة، فقاتل أهل المدينة وهزمهم في موقعة الحرَّة. ثمَّ أصدر أوامره باستباحة مدينة النبي لثلاثة أيام كما أمره الخليفة. وقيل إنه قتل في الأيام الثلاثة تلك، أربعة آلاف وخمسمائة مسلماً، وفضَّ جُندُه بُكارة ألف فتاة بكر، وجعلوا من مسجد الرسول مكاناً لخيولهم وروثها وبولها.
في العام 2003م، قام الخليفة المشير عُمر بن حسن أحمد البشير بغزو دارفور أرض المحمل والقرآن كما تُكنَّى، واعترف بقتل عشر آلاف (فقط لا غير – بمصطلحات القومسيونجيَّة) وبعدئذٍ ظلَّ عدد الضحايا يتراكم لسنواتٍ حتى كاد يبلغ عدد الحصى والرمل والتراب.
ولنا في نموذج آخر قُدوة. ففي العام 1999م انقسم البدريون بين القصر والمنشيَّة، يومذاك كان يوم السقيفة حاضراً في المُخيِّلة بكل تفاصيله التي كادت أن تخرج السيوف من أغمادها. وكانت السُّلطة والتنازُع حولها سيِّدة الموقف. وبعد أن آلت إلى القصر مُضرَّجة بالخِزي والعار، تحوَّلت بعدئذٍ إلى مُلكٍ عضوض قوامه الجاه. وبينما جلس العرَّاب في ضاحية المنشيَّة يعُضُّ أصابع الندم، ومضى الخليفة المُشير يتحرَّى رؤية هلال الدم. فهرع إليه زبانية القصر بعد أن طووا المُصحف وراء ظهورهم وردَّدوا ما قاله عبدالملك بن مروان بالأمس: “هذا آخر العهد بِكِ”!

وعلى هذا المنوال، تأسَّست دولة الأمويين الجُدُد. ثلاثون عاماً ظنَّ من عايش ويلاتها أنها تمثل قرناً كاملاً، فقد حَوَت كل ألوان البشاعات، ومن فرط إدمان الطغمة الحاكمة ممارسة تلك الانتهاكات، ظنوا ألا أحد يستطيع أن يقف في طريقهم كما كانوا يزعمون. وتبارى سُفهاؤُهم في الفُجُور وفاحش القول، وظلوا يُخادعون الناس الصَّابرين وهُم لا يخدعون إلا أنفسهم. وإزاء تلك الصورة المأسويَّة، وتحت وطأة سنابك خيول التتار، لم يجد اليأس طريقاً ولا صار القنوط ديناً لأولئك المُتعبين في الأرض. وبعد كل ذلك يأتيك “جهلول” منادياً بطي تلك الصفحة السَّوداء. مع أنه بعد ثورة ديسمبر المجيدة، بات جلياً لهُم أنَّ تلك جنَّة لن يدخُلوها حتى يلج الجمل في سُمِّ الخِيَّاط.

يظن بعض الذين لم يُدركوا كل تلك المآلات، أنَّ الانقلاب الغبي – كما وصفناه – هو نهاية المطاف وخاتمة تلك الدائرة الشريرة، وأنَّ الأمور استتبَّت للفاعلين المُجرمين الجالسين في القصر، ولكن في حقيقة الأمر، ذلك ظنٌ آثم، إذ يعلم المُطلعون على مجريات الواقع، أنَّ تلك مغامرة معروفة العواقب. وقد بيَّنا كل ذلك وتناولناه في فصول هذا الكتاب. ونحن لا نَمَلُّ الحديث عنه حتى تُطوى صُحُف هذه المغامرة الغبيَّة ويُحاكم كل الجُناة. ولسوف تخرُج المُؤسَّسة العسكريَّة من دائرة الشراكة التي فرضتها دون مسوغ يُذكر، وسوف تُقبَرُ ظاهرة الإسلام السِّياسي إلى غير رجعة، وسوف يعود الحُكم المدني بكامل بهائه وجماله، وسوف تستمر ثورة ديسمبر العظيمة متهاديةً بكل زخمها، لمواصلة المسيرة نحو تحقيق ثلاثيَّة شِعاراتها الخالدة.

في الفصل الأوَّل من هذا الكتاب، أثرنا مسألة صناعة الديكتاتوريات ونقلناها للواجهة، باعتبار أنها القضيَّة الأزليَّة في الصِّراع السِّياسي والمُجتمعي في السُّودان، لا سيَّما وأنَّ الديكتاتوريات المتعاقبة استهلكت أكثر من ثلثي حقبة ما بعد الاستقلال، وكانت سبباً في التدهوُر السِّياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي حاق بالبلاد، وأوقعها في براثن التخلف. وقد حاولنا قدر الإمكان، الخروج بها من نمطيَّة النظرة الكلاسيكيَّة في تناول الأزمة إلى رحاب الواقعيَّة Pragmatism، خلُصنا فيها إلى ثلاثة مشاهد بغية استجلاء الغموض الذي يكتنفها:

الأول: أزحنا النقاب بخطواتٍ استقصائيَّة عن الجنرال عبدالفتَّاح البُرهان ماضياً وحاضراً، لمعرفة ما ظلَّ يدور خلف الكواليس حول شخصيَّته، والدور الغريب الذي قام به لإرجاع عجلة التاريخ للوراء بالحركة الانقلابيَّة الغبيَّة التي قام بها في 25 أكتوبر 2021م وقد قادنا ذلك الاستقصاء – وفق مصادر عليمة – إلى جُذور علاقته بإسرائيل، والعميل الذي ظلَّ يقف من ورائها، والدَّورُ الذي قامت به إسرائيل – وما تزال – في السُّودان، وما ترتجيه من الجنرال وآخرين.
الثاني: على نفس النمط، تتبعنا خطى الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تابع البُرهان في الجريمة، والذي استحوذ على المشهد السِّياسي في السُّودان عُنوةً، ونزعُمُ أننا تحصَّلنا على ما يمكن أن يضع النقاط فوق الحُرُوف حول طموحاته، وإماطة اللثام عمَّا يقف ورائها، وإلى أين هي ماضية. ولا شكَّ أنه أصبح لغزاً في أجندة المشكل السُّوداني، وقد صار مسار جدل تخطى الحُدُود الجُغرافيَّة بتساؤلاتٍ تائهة يطرحها الناس ولا يُخفون دهشتهم في الكيفيَّة التي انتقل بها من أدنى درجات السلم المُجتمعي إلى التربُّع على قمَّته، بل والتحكُّم في مفاصل دولة معقدة بقدراتٍ متواضعة.
الثالث: الغُموض والتساؤُلات أعلاه دفعتنا إلى طرح السُّؤال المهيب في هذا الفصل، والذي يخشى بعض الناس مجرَّد التفكير فيه، ناهيك عن مُواجهته، ألا وهو: هل هناك ثمَّة احتمال لاندلاع حرب أهليَّة مستجدَّة في السُّودان على نمط آخر؟ خُضنا في هذا المبحث بما توافر لدينا من مُعطيات، ووضعنا بين أيادي القُرَّاء ما يمكن أن يُعين على التفكير، أي بما يُعضِّد أو يستبعد الافتراض المذكور.

أما الفصل الثاني، فقد خصَّصناه لاستجلاء الوقائع حول ما سُمي “انقلاب البُرهان”، أو كما سمَّيناه “الانقلاب الثاني” للحركة الإسلامويَّة، وذلك بتتبُّع خُطاه منذ أن كان نطفة في رحم حاضنته. وأوردنا نحو عشر نقاط تؤكد أنَّ الانقلاب من صنعها للتوثيق. وعلى هامش ذلك، سلَّطنا الأضواء حول شخصيَّة الدكتور عبدالله حمدوك رئيس الوزراء، وما صاحبها من “شغبٌ حِوَارِي” اختلط فيه حابل الواقع بنابل الخيال. كذلك قادتنا تلك الخُطى إلى توسيع دائرة المشهد والنظر خلف كواليس المرحلة الانتقاليَّة من قبل إجهاضها. أوصلنا ذلك بالضَّرورة إلى ملابسات ما اصطلح بتسميته “الشراكة”، أو “الشرباكة” بدارجيَّة أهل السُّودان، والتي نشأت بين المُكوِّنين المدني والعسكري مُبكراً. وتتبَّعنا تأريخانيَّة المُصطلح في الواقع السُّوداني.

أمَّا في الفصل الثالث، فلسوف نقرأ كيف أنَّ المُكوِّن العسكري “الشريك” عمل على احتواء الفترة الانتقاليَّة لإجهاض الثورة. حيال ذلك، أضطررنا إلى العودة لتاريخ قريب ما يزال ماثلاً بفتح ملفات الانقلاب الأوَّل، وفق معلومات جديدة تبحث في عدَّة أسئلة ما تزال شاخصة أبصارها تبحث عن مُجيب. وفي الفصل نفسه تناولنا جدل الأيديولوجيات في الواقع السِّياسي السُّوداني أي صراع اليمين واليسار. وذلك بالنظر للتجاذُبات التي حدثت في فترة الحكومة الانتقاليَّة، وخاصة الحقبة الثانية والتي ساهمت في عدم الاستقرار، ونتج عنها “الانقلاب الغبي” للجنرال البُرهان، كما وصفنا. تساءلنا في هذا الفصل حول تمدُّد أو انكماش الأيديولوجيا بتفاوُت الأدوار التي حاول بها حَمَلَتُها الوصول للحُكم، ويعد ذلك هو القاسم المُشترك الأكبر بينهم. لكن كان لابُدَّ من تخصيص الجزء الأكبر لأيديولوجيا الحركة الإسلامويَّة لأنها الأطول فترة زمنيَّة، بل والوحيدة التي تسنى لها الإمساك بزمام السُّلطة، وسجَّلت رقماً قياسياً في الاستئثار بأضابيرها لفترة طويلة، وكذا تطبيق أيدولوجيتها.

أما الفصل التالي فقد استدعى زيارة أخرى للتاريخ، بإعادة قراءة ملابسات ما حدث. ذلك ما جاء على لسان شهودٍ خدعتهم الحركة الإسلامويَّة بالمُشاركة في تنفيذ الانقلاب الأوَّل، وبعد أن قضت منهم وطراً، قذفت بهم إلى قارعة الطريق. كان ذلك مدعاة لأن يتحَّدثوا بشفافيَّة في أدق التفاصيل، منها ما جاء أمام محاكمة سدنة الانقلاب الأوَّل أنفُسهم ويحتاج لتوثيق، وأخرى شهادات أدلوا بها لنا بُغية استصواب وقائع ذلك التاريخ. ولرُبَّما ساهم سردها في إعادة قراءة ما حدث على الوجه الصحيح.

لكن توثيق هذا الحدث لن يستقيم إلا بالوقوف مُطوَّلاً أمام الاعترافات التي لم تجد الاهتمام الكافي إلا لدى قلَّة من الناس، في حين أنها تُعَدُّ أهمَّ حدثٍ في تاريخ الحركة الإسلامويَّة. بل الأهم في السَّاحة السياسيَّة السُّودانيَّة منذ تكوين وتأسيس الدَّولة. تلك هي اعترافات الدكتور حسن عبدالله الترابي، عرَّاب انقلاب الحركة الإسلامويَّة الأوَّل كما ذكرنا، والتي أدلى بها في حلقاتٍ مُطوَّلة بثتها ‘قناة الجزيرة’ بعد ملابسات حظرٍ حاولنا استجلاء أسبابه.

لا بُدَّ أنَّ من سيتابع تدفُّقها سيتساءل بمثلما تساءلنا: لماذا لم يقف الناس حول هذه الحلقات طويلاً، رغم أنَّ ما جاء فيها يستوجب محاكمة سياسيَّة وأخلاقيَّة في محاصرة ظاهرة الإسلام السياسي من جميع أوجهها؟ رُبَّ قائلٍ أنَّ الناس وقتذاك كانوا في قمَّة رهقهم النفسي، جرَّاء الصراع الصامت مع الطغمة التي تطاولت سنواتها. لكن الذي نعلمه، أنَّ بيادق الحركة الإسلامويَّة قاموا بشتى الطُرُق والوسائل والوسائط، على عدم تسليط الضَّوء عليها، بل عملوا على وأدها في مهدِها. أمَّا نحن، فبعد أن وقفنا على ملابسات تعطيل نشرها آنذاك، اقتبسنا من كل حلقة أهمَّ ما قيل فيها من اعترافاتٍ بحذفارها، وهو ما ينبغي على المُراقبين والمُحللين السياسيين قراءته مراراً بذهنٍ مفتوح، حتى لا تتكرَّر مأساة هذه الفئة المارقة في الوطن المُرهق بأفعالها.
بينما يتواصل في الفصل الخامس اعترافات من نمطٍ آخر، قامت بها الحركة الإسلامويَّة في “كورالٍ جماعي” سمَّته قناة ‘العربيَّة’ “الأسرار الكُبرى – حركة الإخوان”، وبالفعل انطوت على أسرار فاضحة، لم يستطيعوا التواري منها. قُمنا باقتباس مُقتطفاتٍ منها من باب التوثيق، الذي أثبت لنا آنذاك بداية سُقوط النظام. ذلك ما دعانا للغوص في وحلها لمعرفة: لماذا وكيف تمَّ التسريب؟ نسبة لأنه يُسلِّط الأضواء على تبعيَّة القناة لدولة الإمارات العربيَّة المُتحدة. ذلك وضعنا أمام ضرورة تقصِّي دور الإمارة في الواقع السِّياسي السُّوداني، الذي تعاظمت مظاهره وباتت أوضح من الشمس في رابعة السماء.

أما الفصل السَّادس فيقف أمام الحَدَث الذي قمعه النظام البائد دموياً وإعلامياً، نظراً لما مثَّله من انعطافة جماهيريَّة حادَّة ضدَّ سُلطة الحركة الإسلامويَّة التي أدمنت الجُلوس على الكراسي. جاء ذلك فيما أصبحنا نُطلق عليه في الأدبيات السياسيَّة السُّودانيَّة “هبَّة سبتمبر”، أي تلك الانتفاضة الباسلة التي انتظمت في العام 2013م، وفاجأت النظام من حيث لم يحتسب، فاستخدم فيها أقسى أنواع العُنف، وقتل ما يُقارب مائتي شابَّة وشاب بصور تعدَّدت مأساويتها. وأوضحنا العلاقة الروحيَّة التي نشأت بين هبَّة سبتمبر وثورة ديسمبر، بينما كانت الأخيرة هذه في طيَّات الغيب. وقد جاء كل ذلك بتفاصيل نزعُم جِدَّتها وفائدتها.

أمَّا الفصل السابع فقد خصَّصناه للنظر في رحم الثورة، بحثاً عن “طفلها الذي جرَّحه العِدا”، أو باسمه الجاذب “تجمُّع المهنيين”، حيث شرعنا في تتبُّع مسيرته منذ أن كان نطفة وإلى أن خرج للدُّنيا بشراً سوياً. سيندهش البعض في الكيفيَّة التي صنعت هذا الكيان وكيف أن “الحبَّة مُمكن أن تصنع قُبَّة” كما يقول المثل السُّوداني الدَّارج. من يتأمَّل تلك البدايات، ستأخذه الدَّهشة أكثر إلى عوالم بعيدة، وقد لا يُصدِّق أنَّ الثورة وُلدت من ذاك الحاضن ببداياتٍ متواضعة تستحي أمامها تراكُم الثلاثين العجاف. إذ تواصلت وتجلجلت سيرتها في شتى أنحاء العالم إلى أن أدهشت دُولاً وشُعوباً وحُكومات. مع ذلك، لم تكن الصورة كلها ورديَّة كما يتراءى لغير المُتابعين، فقد اعتورتها عراقيل واعترضتها عقابيل بعد أن قضى البعض منها مآربه الشخصيَّة والحزبيَّة. وراج ما سُمِّي “الهُبُوط الناعم” دون أن يكون للثورة التي ارتأت الهُبُوط الناعم نفسه من “السِّلميَّة” نصيب. فاختلطت المفاهيم وأدلهمَّ الطريق على الثائرين، ونزعُمُ أنَّ في ذلك ملمحٌ جاء في الفصل الثامن.

بَيْدَ أنَّ وقائع انهيار الطَوْطَم نفسه خصَّصنا لها الفصل التاسع، بمعالجة حاولنا فيها أن تكون شاملة نسبة لتعدُّد المسارات. حينذاك، أصبحت الأحداث عبارة عن أنهار صغيرة تجري طوراً متسارعة، وتتجمَّع طوراً آخراً لتصُبَّ في بحر الاعتصام التاريخي أمام ساحة القيادة العامَّة. استلزم كل مسار وجود بحثٍ مُكثَّف لإزالة الطَّمي، وتنقية الشوائب. فما الذي كان يجري داخل القيادة العامَّة؟ وما الذي كان يمور في أروقة جهاز الأمن؟ وما الذي كان يُحاكُ في الكواليس لإجهاض الثورة؟ وكيف تمَّت صناعة الوثيقة الدُّستوريَّة؟ وأين كانت القُوى السياسيَّة الحزبيَّة يومئذٍ؟ وهل هناك من كان يخطط لوأد الثورة؟ بل من الذي كان على استعداد لأن يُرِق كل الدِّماء مثلما تقول أهزوجة أزمنة الإفك والضَّلال؟ كلها أسئلة كان لا بُدَّ لها من إجابات وافية وشافية.

وصولاً لسؤال المليون، كما يقولون: من الذي فضَّ الاعتصام؟ هذه القضيَّة التي أدمت قُلوب ملايين السُّودانيين وهُم يشهدون السنين تتطاول أمامهم بلا طائل؟ وممَّا يزيد المأساة غوراً، تراكُم دماءٍ جديدة لاقت نفس المصير. حتى الأسئلة البسيطة لا تجد نصيبها في إجاباتٍ أبسط. هل الأمر عَصِيٌ لدرجة تجعل منه “لجنة نبيل أديب” – كما أصبحت تُسمَّى – لغزاً تتأرَّق له العيون؟ وهل الفاعل فرد أم جماعة؟ وهل الجماعة على قلب رجُلٍ واحد أم قُلُوبُهُم شتَّى؟ وما الذي يهدف إليه خفافيش الظلام بتطويل القضيَّة؟ وهل للقضيَّة صلة بالانقلاب الخديج، الذي أخرجه الجنرال البُرهان وصحبُهُ؟ وهل ثمَّة أصابع آثمة امتدَّت من وراء الحُدُود؟ وما بال وضع الشُّهداء الآخرين؟ وهل يعلم الجُّناة أنه لن يستقيم حال الشَّعب السُّوداني ما لم تظهر الحقيقة عارية في كبد السماء؟ كل تلك محاور تناولناها في الفصل العاشر.

وفي الكتاب محاور أخرى لمساراتٍ بأحداثٍ مُتفرِّقة استوجبها التحليل. منها العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكيَّة، بوقفة ابتدائية في أعقاب خُرُوج السُّودان من نفق الدُّول الرَّاعية للإرهاب. كذلك تسنَّى لنا قراءات مستقبليَّة نطمحُ أن تكون مشروع خارطة طريق للخُروج من المأزق. ذلك بأمل أن يكون كل ذلك ترياقاً لكثيرٍ من الأسئلة والاستفهامات التائهة في لُجج الواقع السُّوداني، قبل وبعد الثورة. ولكن ما ينبغي الإشارة إليه، هو أنَّ هذا الكتاب لا يُؤرِّخ للثورة، وما تضمَّنه من توثيق للوقائع المذكورة، هُو عبارة عن جهدٌ ذاتي يتحمَّل المُؤلف تبعاته، وهو يُعبِّر عن رُؤيته الشخصيَّة، ويأتمن مصادره ويتحمَّل نيابة عنهم مسئوليَّة ما أدلوا به. كما لا يسعنا إلَّا أن نُزجي العُتبى لكل الذين سقطت أسمائهم سهواً حتى يرضوا، والمعذرة لأي خلطٍ أصاب آخرين. ولا يظنَّن أحدٌ بأننا تناولنا كل القضايا، فهُناك الكثير ممَّا لم يتناوله الكتاب من القصايا ذات الصلة، لأنها تحتاج لمجهودٍ في مُؤلف آخر، على سبيل المثال: الجُثث التي تكدَّست ثمَّ تحلَّلت في أعقاب فضِّ الاعتصام، ظاهرة لجان المقاومة وما صاحبها من تغيير مُثير في الشخصيَّة الشبابيَّة، وهُناك توثيق قضايا الشُّهداء، والمواثيق والتحالُفات، وكذلك الإحاطة بكل تفاصيل الدَّولة المنهوبة ومواردها المُهدرة، وهي الأغنى بين الدَّول.. إلخ..

وفي الختام، إن كان لي ثمَّة نُصحٍ أُسديه لبعض المُراوغين من شُذَّاذ الآفاق، فسوف أطلُبُ من بغاث الحركة الإسلامويَّة وفُلول النظام البائد التي استنسرت بأرض السُّودان، عدم قراءة هذا الكتاب، حفاظاً على صحَّتهم. فإن لم تكُن اعتلَّت بما أوغلوا فيه من فساد، وما نهبوه من البلاد، وماعذَّبوا فيه من عباد، وما تمرَّسوا عليه في أكل السُّحت وسفك الدم الحرام طيلة سنوات الإفك والضَّلال، فعليهم مراجعة أطبَّاء نفسانيين، لا خُبراء سياسيين!

آخر الكلام:

لابُدَّ مِنَ المُحَاسَبَة والدِّيمُقراطيَّة وإن طَالَ السَّفَر!

فتحي الضَّو

شيكاغو، الولايات المتحدة الأمريكيَّة

صيف العام 2022م

 

آراء