ذهب مع الريح “كن ويز ذي ويند” مأزِق الخطايا التاريخية

 


 

 

حاولت ان اتحرى عن ماهية النص التحذيري الذي صدَّرَت به "بان ماكميلان" الطبعة الحديثة لرواية "ذهب مع الريح". . كعمل روائي رومانتيكي تعلق بأحداث واكبت الحرب الأهلية في أمريكا في خواتيم القرن التاسع عشر الميلادي.، إنطوى على مشاهدَ ذات دلالاتٍ عنصرية.
كان يدفعني شرهّ في أن أرى كيف ستبرر الدار للسرديات ذات الطبيعة العنصرية بل والغارقة في ثقافة الإستعباد في أحداث الرواية.. كنت قد توقعتُ ان تتخذ الدارُ مخارجَ ذرائعية، كالتي يستخدمها كثير من المؤرخين والنقاد اليوم، لتحصين أبطال سردياتهم التاريخية، من قادة الحملات الإستعمارية والفتوحات، في مواجهة المأزق الأخلاقي الذي تورطوا فيه، من خلال انغماسهم في عمليات نهب الموارد والترويج لتجارة الرقيق، عمليات الإختطاف، الإخفاء القسري.. والقتل على الهويّة للسكان الأصليين، اللتان صاحبت تلك العمليات. ذلك على الرغم من أنهم كانوا قد روَّجُوا في بلادهم ووسط أنصارهم، كمنطلقات مقدسة لتلك الحملات لِدَعَاوَى كنشر الإسلام وتبليغه من جانب الفاتحين العرب، او خدمة السيد المسيح وتوسيع مملكة الرب من جانب الغزاة الآنجلوساكسون.
لكن يبدو أن القائمين على الدار قد تحلوا بذكاء وشجاعة كافيتين، بحيث أنهم تحاشوا التحصُّن بتلك الحيل الفاسدة، من شاكلة "ليس من المنطقي محاكمة ما حدث في الماضي وفق معايير تنتمي للعصر الحديث".. وكأنما هم يتغافلون عمدا حقيقة أن الكتب السماوية التي اتى يحملها الكهنة المرافقون لجحافل الغزاة، كانت منذ زمن بعيد تُحَـرِّمُ، ما تُحرّمُهُ اليوم، من الآثام المتمثلة في الظلم والإعتداء على الأعراض وسفك الدماء، وإخراج الناس من ديارهم بغير الحق.. "يُقَتِّلون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاءٌ من ربكم عظيم".. وفي ذلك دلالة كافية لا تخطئها العين، على المفارقة الأخلاقية لتلك الممارسات التي ربما فرضتها دوافع واقعية ومادية بحتة، ربما كانت ستكون مفهومة إذا ما تم التعاطي معها وفق ذلك الإطار، الذي ينصاع لما تُمليه غرائزُ بدائية كسنن الإنتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى .. لكن أولئك الكهنة المرافقون قد اساءوا للدين كمنبع سماويّ للفضيلة، حينما اتخذوه دثارا بائساً لتمرير تلك الفظائع الفادحة.. ومحاولة الإغتسال به من دَنَسِـها وآثامِها.
تركزت إفتتاحية دار ماكميلان بتحذير.. عنونته لقرائها والمشاهدين .. من ان بعض السرديات في الرواية ربما انطوت على مشاهدَ مؤذيةٍ لبعض القراء، لما تحتويه من عبارات ذات دلالات عنصرية كانت متداولة بين الناس، في الوقت الذي يفترض فيه وقوع أحداث الرواية أو كتابتها.. لكن ماكميلان قد أحسنت فعلا حينما لم تلجأ لصكوك غفران كتلك التي ظل يُلوّح بها مؤرخونا ونقادنا في التبرير لتجاوزات وفظائع ارتكبها اناسٌ في أوقات سابقة ارادت قراءاتهم الإنتقائية للتاريخ ان تجعل منهم، رغما عن كل شئ، ابطالا أُسطوريين ونبلاء..
يحدوني هنا أن أحيي البادرة الشجاعة المتأخرة والمُجتزأة لحدٍ ما، التي تمثلت في إصدار المجلس الرسولي بالفاتيكان في الخميس الثلاثين من مارس هذا العام، إعلانا يتبرأ فيه مما أقدمت عليه الكنيسة في القرن السابع والثامن عشر الميلاديين من التبرير والمباركة للفظائع التي ارتكبها غزاة أوروبيون في حق الشعوب الأصلية حول العالم، إبان الحملات الإستعمارية.. إعلان من الشجاعة بمكان حيث يفتح الباب واسعا للإعتذار والشروع في جبر الضرر تجاه الشعوب التي عانى أجدادها وأُرهقت مواردها من قمع واستعباد، فظائع لم تتورع من مباركتها الكنائس ودور الفتوى التي رافقتها..
إنتهى..

nagibabiker@hotmail.com

 

آراء