الانتقال المتعثر!! .. بقلم: عبدالله مكاوي


abdullahaliabdullah1424@gmail.com

بسم الله الرحمن الرحيم
ظلت النخبة السياسية تعاني متلازمة افتقار الرشد السياسي، وهو ما جعل تاريخنا السياسي محض صراع رغبات واطماع. وهذا ما اصاب العملية السياسية بحالة من الانقطاعات المتواترة واعتقلها في البدايات المتعثرة، بعد اغلاق المجال امام تراكم الخبرات ونضوج التجربة من خلال تعاقب الاجيال. ولذلك ليس مصادفة ان يترسخ نموذج سياسي قائم علي ارتباط السياسة بالقيادة وليس البرامج، وبالفصاحة وليس الوقائع، وبالاحلام وليس القدرات، وبالانتصار للذات وليس المصلحة العامة.
ويصح ان غياب التفكير النقدي حرم السياسة اطار للتنظيم والمؤسسية والانضباط، ومن ثمَّ جعلها نهب لاستثارة العواطف وتجييش الجموع، لخدمة اجندة القادة السياسيين. والحال هذه، اصبحت المرجعية التي توجه السياسة وتتحكم بالسياسيين هي اقتناص الفرص للوصول الي السلطة وتحصيل الامتيازات، بل الارجح انها تحولت لمهنة يتم احتكارها للبعض دون الآخر! المهم، غياب السياسة عن السياسيين او تسلط السلطة علي السياسة، افضي لعدم بذل الجهد لقراءة معطيات الواقع وحاجات المجتمع وفق مرحلة تطوره، للوصول لمقاربة تراعي تعقيد اجتماعه وتنافر توجهاته وترتيب اولوياته، ليستظل بمظلة جامعة، عمادها المساواة او حق المواطنة، في دولة مؤسسات قادرة علي الايفاء بواجباتها الخدمية. اي باختصار اتسم تاريخنا السياسي بالعك عوض الحكمة، وهذا ما تمظهر في الضعف والتشرذم نتيجة للصراعات الضيقة علي المكاسب، وليس علي النهوض بالبلاد، التي تحتاج لجميع ابناءها وبكل تخصصاتهم ومواهبهم ، ومن ثمَّ توجيه جهودهم نحو اهداف عليا وقيم مشتركة.
ومؤكد دخول العسكر الي ساحة السياسة اصابها بالعقم، وسيطرتهم علي السلطة مكنت للاستبداد واشاعة الفساد، وبصورة مختصرة حلت الاوامر والمراسيم والقمع والاقصاء، محل النقاش والمشاركة، والاخذ والعطاء، اي سادة حالة من العنف والاكراه وفرض الامر الواقع. وبمجئ الانقاذ وصل الاستبداد والفساد والخراب مراحل غير مسبوقة ويصعب مجرد وصفها، ليتم خسران حتي القليل من المكتسبات سواء علي مستوي بناء مؤسسات الدولة او التطور السياسي او السلم والتعايش الاجتماعي، وهذا ما انعكس بدوره علي صعوبات جمة لازمت فترة الانتقال التي اعقبت ازاحة البشير من المشهد. وبالطبع اكبر هذه الصعوبات او العقبات، هي بقاء المنظومة التي صنعها البشير برموزها ومصالحها وهياكلها وعدتها وعتادها، وعلي الاخص منظومته الامنية والاقتصادية والادارية. وذلك بحسبان نظام الانقاذ شكل اندغامي من السلطات، تنبهم فيه الفواصل بين الاختصاصات، ولو ان التحكم يؤول لمجموعة صغيرة تتحلق حول الفرد (البشير) تقوم علي خدمتها شبكة واسعة من المنتفعين. وهذا ما جعل لجنة التمكين تظهر بمظهرين، فهي من ناحية تجسد شعارات الثورة، لانها تعي اهمية تفكيك هذه الشبكات والمصالح التي تعرقل عملية الانتقال، ومن ناحية ضخامة المهمة وتعقيدها والمتاريس الموضوعة في طريقها، تظهر اللجنة بمظهر الضعف والعبء اضافة الي وقوعها في الاخطاء.
والاهم ان التعاطي الاسلاموي (المراهق) مع السلطة والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وبصفة عامة مع الدولة، افرز حالة من التخبط والتدهور طال كل شئ، وبما في ذلك انتاج بيئة سياسية وقيادات علي درجة عالية من الانحطاط، ليس علي مستوي السلطة ولكن المعارضة ايضا، وبما في ذلك ادعياء نضال كشفت الثورة كم كانوا يتاجرون بدماء رفاقهم قبل المتاجرة بدماء الثوار، ليصل بهم الحال تكوين جسم آخر للحرية والتغيير، ليشكل خنجر في خاصرة الفترة الانتقالية، وهذا بدوره يخلق عقبة او حجر عثرة امام فترة الانتقال. خاصة وان الفلول والعساكر جاهزون للاستثمار في كل ما يضعف قوي الحرية والتغيير كحاضنة مدنية، او في الحقيقة لكل ما يمت بصلة لفرص تاسيس دولة مدنية. لنصبح امام مشهد بائس، تجسده مرحلة انتقال تعج بالمتآمرين علي الانتقال، لتتحول الي حلبة صراع عبثي بغية احتكار المشهد وتشكيل المستقبل لخدمة الاجندة الضيقة.
وكما ان الاسس السياسية والسلطوية التي ارتكزت عليها الدولة منذ الاستقلال عانت الهشاشة والتشوه، نسبة لافتقاد رؤية واضحة لما بعد الاستقلال، كذلك اصبحت هذه الواقعة سمة لكل الفترات التي تلي الثورات، وهو ما يشكل بدوره عثرة او عقبة امام الانتقال، تنذر باعادة انتاج الحلقة الشريرة من عسكر غير مؤهلين يسيطرون علي السلطة، وثورة تعقبها قوي مدنية ضعيفة ومتشرذمة، ترث واقع اشد قتامة.
ورغم ان ثورة ديسمبر كانت اقرب للثورة الابداعية بخروجها عن نمط (صندوق) الثورات السودانية، وبتقديمها لنموذج يحتذي في كيفية مواجهة الدكتاتوريات الباطشة، إلا ان ما اعقبها كان اكثر رداءة من كل الثورات السابقة، بسبب ان نظام الانقاذ مارس نوع من الابادة يتعدي البشر الي مؤسسات الدولة واعراف المجتمع، كما انه ارتكب اكبر جرم في حق الدولة وشعبها بتوريطه مؤسسات حمايته المتعددة (جيش شرطة امن دعم سريع) في فساده واستبداده. ونسبة لما وجدته هذه المكونات وبصفة خاصة علي مستوي قادتها، من امتيازات فائضة، ولما تملكه بين يديها من قوة عسكرية وامكانات اقتصادية ضاربة، فرضت نفسها علي معادلة الفترة الانتقالية، ولكن من موقع المتآمر علي الانتقال! وساعدها علي التآمر قوي اقليمية وفلول داخلية متربصة بالثورة من جانب، وضعف الحاضنة المدنية لعدم اصطفافها في كيان جامع او اقلاه الالتزام بميثاق شرف للمحافظة علي الفترة الانتقالية.
والحال كذلك فقد بدأت المؤامرة علي الثورة منذ اليوم الاول لانتصارها الجزئي، ولتستمر خيوط المؤامرة بقيادة المكون العسكري، وباستخدام ما يملكه من ادوات ضغط، سواء في جانب الاقتصاد او الامن او حماية الفلول والتواطؤ مع مشاغباتهم وحربهم المعلنة علي الدولة (نموذج ترك وتهديدات برطم)، وكذلك بذر بذور الشقاق بين مكونات الثورة، واستقطاب الحركات المسلحة لتوظيفها ضد المكون المدني! وباختصار عمل المكون العسكري علي اجهاض الانتقال ليستمر ممسكا بخيوط اللعبة حتي النهاية. وما يؤسف له، استجابة كثير ممن يدعون مساندة الثورة، بل اصحاب الجلد والراس فيها، لواحد من مخططات العسكر التآمرية، وهو تكوين جسم موازٍ للحرية والتغيير، بغرض التحكم في مجريات الانتقال ولما بعد الانتقال، بعد اقصاء القوي الثورية الحقيقية، والالتفاف علي مستحقات الوثيقة الدستورية، او كا يقال نوع من الانقلاب الابيض (المدني) او الانقلاب بادوات وواجهات مدنية!
ولكن نظلم انفسنا والعسكر الطامعين، اذا انكرنا درجة من تواطؤ حكومة حمدوك مع العسكر، لشراء رضا الاخيرين الذين يسيطرون علي كثير من الملفات، بل ويفرضون سطوتهم علي مرحلة الانتقال! لتتحول فترة الانتقال لملك عضوض او مشروع ملك عضوض لشركاء الانتقال الذين يكيدون لبعضهم كيدا، ولكن العسكر الذين اعدوا الملعب جيدا للانقضاض علي الثورة، فضلوا اللعب علي المكشوف بتشديد الضغط الاقتصادي (تحريك جبهة ترك) والامني (انفلات امني في المدن) وفبركة انقلاب او استغلاله لا فرق، طالما الهدف تمرير مخطط تغيير قوانين شراكة الانتقال بما يخدم العسكر. وهذا بدوره يمثل اكبر تآمر او مهدد للانتقال، وتاليا كل من يتورط فيه غض النظر عن تاريخه او مبررات دعواه او غفلته، فهو متآمر علي الانتقال.
وبما ان الامور وصلت الي هذا المنعرج الخطير، فليس هنالك خيار غير دعم حكومة حمدوك وحاضنتها السياسية غض النظر عن اهليتها واداءها طوال الفترة الماضية، لقطع الطريق علي المتآمرين بمختلف تلوناتهم، ويكفي فقط ان العسكر اكبر داعميهم! لان المسألة ببساطة تتعلق بمكان وموقف العسكر من السياسة والسلطة؟!
واخيرا
لا تبدو الفترة الانتقالية علي ما يرام، وهي تواجه عواصف هائجة من التآمر، وقليل من الحكمة والتكاتف من القوي الراغبة في الانتقال السلس. ودمتم في رعاية الله.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!