ذئــاب الانــقلاب.. وحكومة تصريف أعمـال بقبعـات عسكـرية!! .. بقلم: محمد أحمد الجاك / كاتب وصحفي سوداني


رئيس وزراء السودان المعزول عبد الله حمدوك لم يَصمُد طويلاً في موقع «القطب» السياسي المدني الذي يواجه أقطاب كارتيلات الجيش السوداني، ويختزل في شخصه طموح الشارع الشعبي إلى حكم يُخضٖع الجنرالات إلى مدنيين تسمّيهم صناديق الاقتراع وتُعهد إليهم مسؤوليات إدارة البلاد في شتى المستويات. والذين راهنوا على تمسكّه بالمواقف المبدئية التي أعرب عنها مبكراً صبيحة 25 (أكتوبر) الماضي، بما في ذلك وضع متغيرات ذلك النهار تحت تصنيف الانقلاب، خاب أمل بعضهم بالطبع. ولكن بعضهم الآخر توجّب عليه أن يتذكر الحقيقة الأمّ: أنّ الرجل، حتى إذا كان خيار المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، ليس ثورياً بما يكفي لتجذير خيارات حاسمة في وجه العسكر؛ بل لعله أثبت مقدرة ملحوظة على «بلع» إهانة الجنرالات لشخصه وموقعه ومنصبه، حين عُزل واحتُجز ووُضع قيد الإقامة الجبرية، ثمّ اقتيد (عملياً) إلى القصر الجمهوري لتوقيع الاتفاق مع البرهان.
وثمة رأي، وجيه تماماً في الواقع، يقول إنّ موافقة العسكر على اختيار حمدوك رئيساً للوزراء كانت جزءاً من صفقة الرضوخ التي اضطرّ الجيش إلى إبرامها مع المدنيين، تحت ضغوط أفريقية ودولية لم تغب عنها مؤسسات شديدة الفاعلية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ وأنّ الاضطرار كان خطوة تكتيكية إجبارية، أتاحت للجنرالات ترتيب البيت العسكري والأمني الداخلي قبيل الانقضاض على اتفاق الشراكة مع المدنيين، كما تمثل في «الوثيقة الدستورية» لشهر آب (أغسطس) 2019. ذلك لأنّ المخاطر التي كانت تنتظر أمثال عبد الفتاح البرهان وشريكه الأوّل محمد حمدان دقلو من تسليم السلطة إلى المدنيين كانت جسيمة، سواء على صعيد محاسبة أدوارهم في زمن نظام البشير، أو جرائم الحرب في دارفور، أو جريمة مذبحة فض اعتصام القيادة أو احتكارهم لمؤسسات الفساد والإثراء غير المشروع والتورّط في تغذية حروب الجوار بالميليشيات.
هذا صنف واحد فقط من حسابات الحقل الذي اشتغل الجنرالات على زراعته، ولم يجدوا خياراً آخر سوى المسارعة إلى حصاده مبكراً عبر الانقلاب المباشر والصريح، حيث حتّمت الإطاحة بالمدنيين أن يكون حمدوك نفسه في السلّة ذاتها. ولأنّ غالبية صريحة من أبناء الشعب السوداني رفضت الانقلاب، ليس حبّاً بالمدنيين المنقسمين على أنفسهم وبرامجهم بل انحيازاً إلى انتفاضة كانون الأوّل (ديسمبر) 2018؛ ولأنّ واشنطن ضغطت، محرجة تماماً بالطبع، ولوّحت بإيقاف المساعدات المالية؛ ومثلها فعل الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة؛ ولم تقدّم العواصم التي غمزت وابتسمت للانقلاب، من موسكو والقاهرة إلى الرياض وأبو ظبي، ما يكفي من حلول لوجستية لإزالة الحرج أو التلاعب فيه وعليه؛ لهذه، وسواها من الأسباب، ارتبطت حسابات حقل البرهان بما يمكن أن يُحفظ من حصاد في شخصية حمدوك، ذاته دون سواه!.
مأزق الأخير لا يبدو، اليوم، منحصراً في تحوّل شارع شعبي واسع ضدّ مشروع «القطب» الذي كان حمدوك مرشحاً لتعزيزه لو أنه صمد في وجه العسكر، أكثر وأطول، فحسب؛ بل، كذلك، في هتافات الشارع ذاته وهي تتهم الرجل بـ»خيانة الثورة». وجه آخر للمأزق يصنعه شركاؤه الجدد، العسكر أنفسهم هذه المرّة، لأنّ الأسابيع التي أعقبت الانقلاب شهدت سهرهم على تطهير مؤسسات الدولة المختلفة من المعارضين وبذور المعارضة، وزرع الأتباع وأنصار الجيش؛ بحيث يصبح وزراء ((الكفاءات)) الذين سيترأسهم حمدوك أقرب إلى حكومة تصريف أعمال، تنفّذ إرادة العسكر. الوجه الثالث تعكسه اللغة الخشبية التي اعتمدها حمدوك في تبرير اتفاقه مع البرهان، أي حقن الدماء والحفاظ على المكتسبات؛ وكأنّ الذي أراق دماء السودانيين ليس جيش البرهان وحميدتي، وليس أجهزة الأمن وميليشيات الدعم السربع.
ويبقى أن أيّ تطابق بين حسابات حقل البرهان بيدر حمدوك رهن بأداء شارع الاحتجاج الشعبي السوداني، أياً كانت مقادير القصور والتفكك والعجز ضمن «أقطاب» أخرى تزعم تمثيلها «قوى الحرّية والتغيير»؛ فالمعادلة هنا جدلية، بقدر ما هي حيّة وحيوية.
المثقف السوداني يأكل الكيكة ويحتفظ بها، غريب امر عينة من المثقفين السودانيين ((الحمدوكيين)) السُذج الذين يُدينون الانقلاب ويُدافعون عن رئيس وزرائه في نفس الوقت!!. خطوة الدكتور اثارت ردود فعل متباينة بين رفض وقبول وهذا طبيعي، ولكن ما ليس هو بطبيعي أن يكون الرأي (مع وضد) الانقلاب. إذا اتفق المثقف مع أسباب الدكتور حمدوك للتوقيع على اتفاقه مع البرهان فعليه مساعدته بدعم الوضع الجديد بكامله علناً، أو على اقل تقدير أن يكف عن ادانة شركائه في الحكم من جنرالات وميليشيات بوصمهم بالانقلابية كي يعينهم بالتأييد السكوتي. أما أن يدافع المثقف عن حمدوك وخطته ويدين الجنرالات والانقلاب فذلك تناقض بائن بينونة كُبرى لا يجوز ويدخل في باب الاستهبال السياسي الشنيع إذ كيف يكون المرء ضد حكومة ولكنه مع رئيس وزرائها؟! هل يمكن أن يحدث هذا في أي مكان غير جمهورية التوم هجو الاستهبالية؟ لقد مهد الانهيار الثقافي للانهيار الثقافي، والتوم هجو عرض لازمة المثقف السوداني التبريري.
على السادة ((الحمدوكيين)) مناصري الاتفاق مساعدة السيد رئيس الوزراء بالدفاع عن كامل الحكومة، وعلى ((المعترضين)) علي ما جاء به مساعدته بمعارضة كامل الحكومة حتى يستبين لهم الامر قبل أن يتوغل في طريقه يكفي استهبال سادتي، فلا يمكن اكل الكيكة والاحتفاظ بها.
28.11.2021

mido34067@gmail.com
/////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات