واقع المسلمين بين أسس الوحدة وعوامل الفرقة (1/ 2) .. بقلم: أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي


بسم الله الرحمن الرحيم
ahmedm.alglai@gmail.com
مقدمة
تمر الأمة الإسلامية والعربية-والسودان واحدة من دولها- بحالة من التشرزم والفرقة والشتات لم تمر بها من قبل، وتعيش حالات من التمزق والاختلاف لم تعهدها في تاريخها الطويل. ورغم أنَّ العالم كله يتجه نحو الوحدة والتوافق والاجتماع على قيم مشتركة أو على أسس من المصالح والمنافع بين الناس. فإن كثيراً من المجتمعات الإسلامية بما فيها المجتمع السوداني -تعاني من الصراع السلفي الصوفي ،ويتفشى بين افرادها الخلاف السني الشيعي ،ويسود في جوانبها العراك الإسلامي القومي ،والقطيعة بين العلمانيين والإسلاميين، والتقاتل القبلي ….. وهلم جرا..
وقد أثارت ظاهرة التشرزم السائدة بين المسلمين،والتشظي داخل الجماعات والمجتمعات الإسلامية،وما ادت اليه من تأخر في مسيرة الأمة،واعاقة نهضتها، اهتمام كثير من الدارسين،فعقدت الندوات،واقيمت المؤتمرات ،وكتبت الكتب التي حاولت تحليل الظاهرة واستكشاف الدوافع لها، ومعرفة السر الذي يكمن وراءها،والأسباب التي أدت إليها،وكيف يمكن الخروج من هذا النفق المظلم الذي تمر به الأمة؟ (انظر على سبيل المثال :قضية التخلف العلمى والتقنى فى العالم الإسلامى المعاصر، قطر، كتاب الأمة ـ 1409ه تضامن الإسلامى فى: عبدالمنعم المشاط (وآخرون)، قضايا إسلامية معاصرة، العينن مؤسسة العين للنشر والتوزيع، )1989 . )
وإسهاماً في معالجة هذه القضية نقدم هذه الدراسة التي لا نزعم أنَّها تعطي إجابة حاسمة على تلك الأسئلة،أو أنَّها تقدم حلاً سحرياً لتلك الظاهرة،ولكن على أمل أن تسهم في تشخيص هذه الظاهرة ولفت الإنتباه إلى بعض جوانبها ، والتفكير حول أسبابها ، وذلك من خلال التركيز على المحاور التالية:
المحور الأول: الأساس الفكري والعملي للوحدة الإسلامية
المحور الثاني:بداية الإختلاف بين المسلمين وظهور الفرق.
المحور الثالث:اثر تلك الخلافات في وحدة المسلمين.
المحور الرابع: سبل الإصلاح والطريق إلى الوحدة.
وقد قسمت الدراسة الى قسمين: يتناول القسم الاول اسس الوحدة بين المسلمين وبداية الاختلاف ،ويضمها المحوران الاول والثاني ،بينما يتناول القسم الثاني: اثر تلك الخلافات في الوحدة والانقسام،وسبل الاصلاح والطريق الى الوحدة ويضمها :المحوران الثالث والرابع من الدراسة.
المحور الأول: الأساس الفكري والعملي للوحدة الإسلامية
من الأصول التي قررها الإسلام: أن الوحدة أصل من أصول الإجتماع البشري، وأن الناس جميعاً يعودون الى أصل واحد منه انبثقوا وعليه ينبني إنتماءهم ،قال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) النساء:1 ،وفي أية أخرى:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ ) الأعراف: 189 ، ويقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) الأنعام: آية :98..فالبشرية جمعاء ،كما يقرر القرآن الكريم، تعود إلى آدم وحواء. وفي الحديث الشريف عن جابر قال : خطبنا رسول الله ﷺ خطبة الوداع ، فقال: “يا أيها الناس ! إنَّ ربكم واحد ، وإنَّ أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : فليبلغ الشاهد الغائب.)
وداخل هذه الدائرة الإنسانية العامة، أكد الإسلام على الإنتماء الإيماني ،وأن المؤمنين خلال تاريخ البشرية الممتد من لدن آدم إلى قيام الساعة يمثلون أمة واحدة، كما في قوله سبحانه وتعالى:( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) الأنبياء: آية :92. ويقول أيضاً:( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) المؤمنون: 52..ويقول الرسول ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي سلمة وأبي عمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه :” أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد “.
وداخل تلك الدائرة الإيمانية الواسعة ،يمثل المسلمون وحدة تلتقي حول وحدانية الألوهية وتوحيد الرسالة ،ووحدة القبلة ،ووحدة التوجه والقصد .ومن ثم كان أول ما دعا إليه القرآن الكريم،بعد توحيد الله تعالى وإقامة حكمه،ضرورة تأكيد الوحدة بين المسلمين والأخوة بينهم.واعتبر ذلك من النعم التي أنعم الله تعالى بها عليهم،إذ توحدت كلمتهم بعد أن كانوا متفرقين،واجتمع شملهم بعد أن كانوا أوزاعاً،وسادت بينهم روح الإخاء والتعاون،بعد أن طغت على مجتمعاتهم العداوة والبغضاء.فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) آل عمران: 103 .
ونهى القرآن عن الفرقة والتنازع والاختلاف والشقاق،والتحزب،واعتبر ذلك نوعاً من أعمال الشرك،ينبغي للمسلم أن يتجنبه،فقال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً ). الروم:الآيات: 31-32، وفي آية أخرى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ). الأنعام: 159 ويقول تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ). الأنفال: 46 ، تذهب ريحكم:أي تتلاشى قوتكم.
وجاءت أحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه مؤكدة لهذه المعاني،مثل قوله ﷺ”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”،كما وردت العديد من الأحاديث النبوية محذرةً المسلمين من الاختلاف ،ناهيةً عن تفرق الكلمة ،داعية إلى الوحدة.فعن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله  يوماً خطاً ثم قال:” هذا سبيل الله ،ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل ،على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه،ثم قرأ قول الله تعالى 🙁 وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ”. الأنعام: 153 ” .وقال صلوات الله وسلامه عليه في حديث آخر: “لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض”
وبناءً على هذا التوجيه الإلهي والهدي النبوي ،قامت حياة المسلمين الأوائل،يسودها الإخاء والحب في الله،وتجمع أفراد مجتمعهم الألفة والمودة.
وقد ضرب الأنصار مع بداية الدعوة الاسلامية، مثلاً خالداً في التاريخ،ونموذجاً فريداً سطروا من خلاله اسمى أنواع الحب الإيماني والإخاء الإنساني بين البشر،ذلك أنَّه حينما هاجر المسلمون من مكة بسبب ما تعرضوا له من أذى ،ونالهم من اضطهاد،لاقوا في المدينة الأنصار الذين آووا الرسول ،وتعاهدوا على حمايته والدفاع عنه.ففتح الأنصار مدينتهم لمن هاجر إليهم من المسلمين، وعقد الرسول ﷺآصرة الإخاء بينهم وبين المهاجرين،فلم يكن من الأنصار إلا أن عمدوا إلى أموالهم وأراضيهم فتقاسموها مع إخوانهم المهاجرين،وبلغ بهم الأمر أن الرجل منهم ممن كان يجمع في عصمته زوجتين أو أكثر كان يعرض على أخيه في الله أن يطلق له من شاء من زوجاته ليتزوجها ذلك الأخ المهاجر.( صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة ،باب إخاء النبي  بين المهاجرين والأنصار، رقم:.3569-3570)
وقد نزل القرآن الكريم واصفاً لتلك التجربة مخلداً لها ،في قول الله تعالى:( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). الحشر: 9.
وبعد أن توطدت دعائم المجتمع الإسلامي في المدينة،ظللت ذلك المجتمع روح الوحدة والمحبة والإخاء،وكان إذا ما حدث خلاف في الرأي بين أفراد المجتمع-وكان يحدث أحياناً- ردوه إلى رسول الله  ،ونزلوا جميعاً لحكمه،لإدراكهم بأن حكمه لا يصدر عن هوى،ولا ينتج عن عصبية أو تحيز،بل نتيجة للتوجيه الإلهي، كما قال تعالى 🙁 وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). النجم:3-4.
وسعى المسلمون جميعاً أنصاراَ ومهاجرة إلى طاعة الرسول  فيما يأمر به وينهى،اتباعاً لأمر الله تعالى الذي ألزم بطاعته سبحانه وتعالى وطاعة رسوله،والأخذ بما جاء به وعدم مخالفته،قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ). التغابن: آية 12.و (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا). الحشر: 7. و قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً) الأحزاب: 36.
وهكذا كان شأن المسلمين،السمع والطاعة لأمر الله تعالى ورسوله ، كما عبر القرآن الكريم: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). النور: 51.
ولم تكن تلك الوحدة التي حققها الإسلام ،وحدة مثالية ذابت فيها واختفت كل الفروق،بل أفسحت تلك الوحدة مجالاً للتنوع الذي أكده الإسلام وأقره. قال تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) يونس: 19.،ويقول أيضاً: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) هود: 118.بمعنى لو شاء ربك لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على دين واحد وهو دين الإسلام, ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك, فلا يزال الناس مختلفين في أديانهم; وذلك مقتضى حكمته ،وفي آية أخرى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) النحل: 93. ولو شاء الله لوفَّقكم كلكم, فجعلكم على ملة واحدة, وهي الإسلام والإيمان, وألزمكم به, ولكنه سبحانه يُضلُّ مَن يشاء ممن علم منه إيثار الضلال, فلا يهديه عدلاً منه, ويهدي مَن يشاء مِمَّن علم منه إيثار الحق, فيوفقه فضلاً منه, وليسألنَّكم الله جميعًا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم به, ونهاكم عنه, وسيجازيكم على ذلك. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الشورى: 8. ولو شاء الله أن يجمع خَلْقَه على الهدى ويجعلهم على ملة واحدة مهتدية لفعل, ولكنه أراد أن يُدخل في رحمته مَن يشاء مِن خواص خلقه، والظالمون أنفسهم بالشرك ما لهم من وليٍّ يتولى أمورهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله تعالى..
وتظهر حكمة التنوع في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )، الحجرات: 13.
وقد انعكس ذلك التنوع في الواقع الذي عاشه المجتمع الإسلامي،من غير أن يؤثر ذلك في مسيرة المجتمع وتطور الحياة فيه. وقد راعى الرسول هذا التنوع فلم يفرض على القبائل العربية زعماء من خارجها.كما كان يعقد الألوية بناءً على الانتماء القبلي حفاظا ً منه على تماسك النسيج الداخلي الذي يؤدي إلى تماسك الأمة. كما لم يحل التنوع القبلي والاختلاف الفكري لدى الصحابة دون تماسك الاطار العام الذي التقي فيه الجميع.وحينما انتشر الإسلام في العالم ،ودخلت فيه شعوب متباينة ،وثقافات مختلفة ،لم يمنع الإسلام أن تحافظ تلك الشعوب على ثقافاتها وان تحتفظ تلك الأمم غير العربية بلسانها القومي ،مع بقاء اللغة العربية لغة القرآن والتشريع قاسماً مشتركاً بين الجميع.وداخل هذا الاطار الإسلامي بقي من بقي من أصحاب الملل والنحل على معتقداتهم الدينية،فلم يكرههم الإسلام على الدخول فيه ،بل ترك لهم حرية تنظيم أمورهم الدينية، وكأنَّهم كيان مستقل داخل كيان الأمة الواسع الذي جمع تحت عباءته الناس جميعاً.ولذلك حينما يقال المجتمع الاسلامي،لايعني انه مجتمع قاصر على المسلمين بل مجتمع يضم جماعات مختلفة في معتقدانها ولغاتها وعاداتها وتفاليدها،يشملهم الاسلام بعدله .
المحور الثاني:بداية الإختلاف بين المسلمين وظهور الفرق الإسلامية.
بعد انتقال الرسول ﷺإلى الرفيق الأعلى ، سارت أحوال المسلمين على ما كانت عليه في حياته من إخاء ومحبة ووحدة، معتصمين بحبل الله تعالى، ملتزمين بقوله ﷺ: ” تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي”. ولعل أول خلاف ظهر بين المسلمين – سجله التاريخ بعد وفاة رسول الله ﷺ–كان حول خلافته ، أو من يلي الأمر من بعده ،إذ كان للأنصار رأي وللمهاجرين رأي آخر، عبر كل منهما عن رأيه في سقيفة بني ساعدة كما هو معلوم ، ولم يلبث أن نزلوا جميعاً للحق بعد ما تبين لهم. وحسم الخلاف ببيعة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما واتباع الناس جميعاً لفعله ،وانتهى الأمر باجتماع الكلمة عليه، كما اجتمعت كلمتهم مع ما انتهى ابو بكر اليه – بعد تبادل الرأي – في حرب المرتدين.
وتولى الأمر بعد أبي بكر عمر ثم عثمان. وشهدت هذه الفترة من التاريخ ، فتح المسلمين لمصر والشام والعراق وفارس وما وراءها، وانتشار الإسلام في تلك الأصقاع ، والسعي لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ،ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان الى عدل الإسلام”،كما قال ربعي بن عامر لكسرى ملك الفرس. ثم وجدنا أنواعاً من التباين في الرأي والاختلاف في الرؤية حول ما يعرف بالسياسة أو العقيدة والفكر أو الفقه والتصوف.
الخلاف السياسي:
أثناء فترة خلافة عثمان حدث ما يعرف بالفتنة الكبرى،فخرجت طوائف من الناس من الأمصار والبصرة والكوفة ومصر إلى المدينة،بدعوى أن لديهم مظالم من ولاتهم،مطالبين الخليفة برفعها،ومحملينَّه ما قام به ولاته في الأمصار من تعد ومخالفات،ورغم وعد عثمان بالنظر في تلك المظالم ،واخضاع من تعدى من ولاته للمساءله،لم يقتنع الخارجون بذلك،بل عادوا الى المدينة بعد انصرافهم إلى أقاليمهم المختلفة، متعللين بدعاوى كاذبة ، وحاصروا دار الخلافة،وقتلوا عدواناً الخليفة عثمان ،” وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم  -كما قال الأشعري- اختلافهم في الإمامة،ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر ،وأيام عمر،إلى أن وليَّ عثمان بن عفان ،وأنكر قوم عليه في آخر أيامه فعالاً، كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين، وعن سنن المحجة خارجين السني الشيعي فصار ما أنكروه عليه اختلافاً إلى اليوم ، ثم قتل رضوان الله عليه وكانوا في قتله مختلفين، فأما أهل السنة والاستقامة فإنهم قالوا‏:‏ كان رضوان الله عليه مصيباً في أفعاله قتله قاتلوه ظلماً وعدواناً، وقال قائلون بخلاف ذلك. وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم‏.(‏ مقالات الاسلاميين ، الأشعري، ص: 3)
و أعقب ذلك الحدث الجلل، أحداث عظام وفتن جسام.لم تُجْدِ البيعةُ لعليٍ وتوليه الخلافة في إخمادها، إذ اختلف الناس في أمره،كما يقول الأشعري، فمن بين منكر لإمامته ومن بين قاعد عنه ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته،بل تطورت الأحداث والتقى المسلمون بسيوفهم، وتقاتلوا في موقعتي (الجمل) و (صفين).ذلك أنَّ حماعة من الصحابة على رأسهم أم المؤمنين عائشة ،وطلحة والزبير رضي الله عنهم جميعا،خرجوا على الخليفة علي ،واتجهوا الى البصرة مغاضبين ،واحتج هؤلاء جميعا لموقفهم هذا بدم عثمان ،وذهبوا إلى انه لا بد من القصاص من قتلته ،وأنكرت عائشة ومن معها على علي ،منعه من قتل قتلة عثمان ،وترك الاقتصاص منهم.
وحاول علي أن يرد هؤلاء الى الصواب ،مبيناً أنَّه لم يشترك في مقتل عثمان كما يعلمون،وإنًّ تتبع قتلة عثمان والقصاص منهم يحتاج الى وحدة صف المسلمين،و لا يمكن قتالهم بعد أن أصبحوا قوة ولهم شوكة،وصالحو المسلمين على هذا الحال من الفرقة واختلاف الكلمة،وبعد ان وافق الجميع على الصلح ،تحركت عناصر الفتنة في المعسكرين ،وفوجيء كل من علي ومخالفوه بنشوب القتال بين الفريقين ،وظن كل فريق أن الفريق الآخر غرر به وخرق الاتفاق ،وانتهى الأمر بموقعة الجمل الشهيرة ،التي سقط فيها عشرة آلاف من الطرفين، وقتل فيها طلحة والزبير بايدي مدبري الفتنة من المعسكرين. (انظر:مقالات الاسلاميين ، الأشعري، ص: 3. لعل في هذا العدد مبالغة كما يقول يوسف العش : انظر: الدولة الاموية ، يوسف العش، ص: 96). ،
أمَّا أهل الشام فقد دعاهم علي الى الدخول في بيعته ،وان يكونوا عوناً له في تحقيق مطلب الجميع المتمثل في القصاص من قتلة عثمان ،ولكنهم بقيادة معاوية استعصموا بالشام ورفضوا كل دعوة للصلح . واعتبر الامام علي هذا الموقف خروجاً على السلطان الشرعي للدولة،ومن ثم لم يجد بداً من حرب معاوية ،والتقت سيوف المسلمين مرة ثانية في موقعة صفين ،وبعد قتال بين الفريقين، مالت كفته لعلي،رفع معاوية ومن معه الراية داعين الى تحكيم كتاب الله تعالى ،ورغم معارضة علي لذلك،واعتبار هذه حيلة اراد بها معسكر معاوية الهروب من نتيجة المعركة ، فلم يكن علي يملك الا الخضوع للكثرة من جيشه، الذين قبلوا بالتحاكم بين الفريقين.
وقد اغتيل علي في أعقاب هذه المعارك، وظهر في التاريخ جماعة الخوارج بآرائهم المتطرفة حول الحكم على مرتكب الكبيرة وتكفيره، وتكفير كل من خالفهم الرأي، وزعمهم أنَّهم جماعة المسلمين، وأنَّهم الفرقة الوحيدة الناجية ومن عداهم هلكى، إضافة إلى أعمالهم الآثمة، من قتل للمسلمين واستباحة دمائهم، وخروجهم على السلطة الشرعية وشق عصا الطاعة، وتكوينهم لإمارة خاصة وتعيينهم لأمير يقودهم، وظل الخوارج فترة من الزمان يمثلون قوة معارضة تستخدم السلاح كوسيلة لتقديم رأيها ومنازلة خصومها.( انظر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين ( احمد محمد احمد جلي) ص:51-65..)
وفي المقابل ظهرت جماعات الشيعة التي رأت رأياً آخر في الإمامة ومن هو أحق بها، وكيف يتم تنصيب الامام. إذ رأى هؤلاء أنَّ الإمام بعد النبي  علي بن أبي طالب ،نصاً وتعييناً من الرسول،وأن النبي عليه السلام عين علياً ليكون خليفة عنه،وأنَّ الخلافة تكون فيه وفي عقبه دون غيرهم بالوصية والتعيين،وأنَّ الخلفاء الذين تولوا الخلافة قبله قد سلبوا علياً هذا الحق،وبهذا يعرف الشهرستاني الشيعة “بأنَّهم الذين شايعوا علياً وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصاية إما جلياً وإما خفياً واعتقدوا أنَّ الإمامة لا تخرج من أولاده وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده” (الملل والنحل ، الشهرستاني، ج 1 ص:146.).واعتقد الشيعة أنَّ علياً والأئمة من بعده هم مستودع العلم اللدنِّي،وإليهم تعود أحكام الشريعة وأسرارها،وأنهم معصومون من الكبائر والصغائر،وأنَّ الإيمان بالأئمة أو الأوصياء جزء من العقيدة ومتمم للشهادتين،فضلاً عن القول بعصمة الأئمة،والقول برجعتهم ،واتخاذ الشيعة التقية مبدأ .(انظر:دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين ، احمد محمد أحمد الجلي، مصدر سابق ص:151-244.)
وحول كل من هذه المباديْ اختلف مع الشيعة السواد الأعظم من المسلمين،الذي يحبون علياً وآل بيت النبي ﷺ،وصحابته ويرتبون الأئمة وفقاً لاختيار الأمة وشورى المسلمين بدءاً من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين.و لا يرون لبشر بعد رسول الله  عصمة أو اختصاص بعلم لم يبلَّغ للأمة جمعاء كما زعم الشيعة.و لا يرون مرجعاً في الدين سوى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ،وهما المحجة البيضاء التى ترك رسول الله الأمة عليها،وامرها بالالتزام بها.
الخلاف العقائدي:
إذا تجاوزنا تلك الفرق السياسية التي رأت رأياً معيناً في الإمامة، فقد أدت الآراء المتطرفة التي نادى بها الخوارج حول مرتكب الكبيرة والقول بكفره إلى إثارة بعض المسائل المتعلقة بالإيمان، ضوابطه ونواقضه، وبالإسلام والعلاقة بينه وبين الإيمان، وبحكم مرتكب الكبيرة ومصيره في الآخرة، إلى غير ذلك من قضايا العقيدة والإيمان. وقد قاد اختلاف الآراء حول هذه المسائل وغيرها إلى ظهور بعض الفرق الكلامية، كالمرجئة التي أرجأت – طوائف منها – الحكم على مرتكب الكبيرة، وغالت – جماعات منها فنادت – في مقابل آراء الخوارج-بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما أنَّه لا ينفع مع الكفر طاعة. والقدرية الذين انكروا تقدير الله للأشياء وقالوا: لا قدر والامر أنف ،اي مستأنف بمعنى أنَّ علم الله تعالى يتبع وقوع الأفعال ولا يسبقها ،ومن ثم لا تقدير مسبق لأفعال الانسان، والإنسان مخير لا مسير، والمعتزلة الذين نادوا بأصولهم الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد ، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. )انظر: في علم الكلام( المعتزلة) أحمد محمود صبحي،مؤسسة الثقافة الجامعية الاسكندرية،1992م.، (
وفيما بعد ظهر الأشاعرة والماتوريدية وغيرهم من الفرق الكلامية. وقد اختلفت هذه الفرق – على الاختلاف فيما بينها – حول مسائل عقائدية ما كان ينبغي الخلاف حولها،وأثارت من المشكلات ما لم يثر في عهد الصحابة والتابعين، كمسألة الأسماء والصفات، والقدر والإيمان وغيرها، واستخدمت أساليب كلامية، وابتدعت مصطلحات بعدت عن منهج القرآن ومصطلحه.وقد استند المتكلمون في مشروعية منهجهم الكلامي الى حث القرآن الكريم على النظر،وجداله مع اصحاب الديانات والملل الأخرى،واستخدامه طرقاً عقلية في الجدال مع الخصوم .)انظر: مناهج البحث في العقيدة الإسلامية ( احمد جلي) ،مجلة كلية الدراسات العربية والإسلامية .دبي (
ورغم محاولة المتكلمين تلمُّس أصول لمناهجهم الكلامية ومصطلحاتهم في القرآن الكريم والسنة النبوية ، فإنَّهم – في الحقيقة- استمدوا كثيراً من تلك المصطلحات من الفلسفة اليونانية، كما تسربت إليهم بعض القضايا والمشكلات خلال حوارهم وجدالهم مع أصحاب الديانات والملل الأخرى، من يهود ونصارى ومجوس وبراهمة، الذين سبق أن تأثروا بالفكر اليوناني، واستخدموا أساليب الجدل اليوناني في صراعاتهم الطائفية، وقد دخلت تلك الشعوب ضمن الدولة الإسلامية والتقى بهم المسلمون وجادلهم المتكلمون، وتأثر هؤلاء بمصطلحاتهم واستفادوا من مناهجهم، وأثيرت كثير من القضايا نتيجة لذلك.
الخلاف الفكري:
شهد منتصف القرن الثاني والقرن الثالث للهجرة ما يعرف بحركة الترجمة،التي نتج عنها نقل التراث الهندي والفارسي واليوناني إلى اللغة العربية، وكانت الترجمة في البداية نقلاً للعلوم التجريبية التي كان المسلمون بحاجة إليها، كالطب والفلك والرياضيات والهندسة والحساب، ولم ير أحد من المسلمين إشكالاً في ترجمة هذه العلوم ، لأنَّها في نظر المسلمين من التجارب البشرية، وهي نوع من أنواع الحكمة التي ينبغي على المسلم أن يطلبها ، والنبي  يقول :”الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه” ، ولكن الخليفة العباسي المأمون ( 170-218م)، قام خلال القرن الثالث بترجمة ما يعرف بالثقافة اليونانية،بعد أن نقل بعض ما يعرف بالعلوم التجريبية (التطبيقية)،من قبل من تقدمه من الخلفاء كابي جعفر المنصور وهارون الرشيد.فتقدم المأمون بخطوة لم يقدر عواقبها،وما سيترتب عليها من آثار سالبة، فأمر ،بالاضافة إلى ترجمة تلك العلوم التطبيقية، بترجمة الإلهيات والأخلاق والاجتماع وغيرها من العلوم الثقافية إلى اللغة العربية.
وقد كان من الآثار المباشرة لحركة الترجمة ظهور طائفة من المفكرين عرفوا في تاريخ الحضارة الإسلامية بفلاسفة الإسلام من أمثال : الكندي والفارابي والرازي وابن سينا وابن رشد وغيرهم، ولإعجاب هؤلاء الفلاسفة بالفكر اليوناني وتقديرهم لأعلامه كأفلاطون وأرسطو حاولوا التوفيق بين الفلسفة اليونانية وبين الدين الإسلامي.ونظراً لاختلاف مرجعية كل من الاسلام(الوحي والعقل )،والفلسفة (العقل المجرد)، كانت محاولة التوفيق تلك على حساب الإسلام ، إذا أوَّل الفلاسفة النصوص الإسلامية-حينما يبدو تعارض بينها وبين مقررات الفلسفة- كي تتوافق مع أراء اليونان، في محاولة لايمكن أن توصف إلا بأنَّها كانت محاولة غير موفقة للتعارض البيّن بين ذلك التراث اليوناني الوثني في أصوله، وبين الإسلام الموحى به من عند الله تعالى. وأخطر من ذلك أنَّ أثر الفكر اليوناني لم يقتصر على دائرة من عرفوا بفلاسفة الاسلام ،بل تسرب ذلك الفكر الفلسفي اليوناني ، إلى دوائر أخرى غير دائرة الفلاسفة، وكانت له آثار سلبية تمثلت في ظهور جماعات كالباطنية،الذين تبنوا مقولة الباطن والظاهر واتخذوا من الغنوص منهجا، وفلاسفة الصوفية الذين قالوا بالحقيقة والشريعة ،ونادوا بنظريات فلسفية مثل نظرية الاتحاد والحلول ووحدة الوجود،فهذه الجماعات وامثالها تبنت نظريات واستخدمت مناهج بعدت عن المنهج القرآني والهدي النبوي.
الخلاف في فقه الفروع
وإذا كانت الخلافات السابقة- وما ارتبط بهامن فرق- تدور حول قضايا تتعلق بالعقائد والقيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وكان لذلك الاختلاف آثار سلبية، فقد كان هناك نوع من الخلاف لم ير فيه الناس ضيراً بل عُدَّ اختلافاً محموداً دعا إليه الإسلام واعتبره رحمة للناس، ذلكم هو الاختلاف في فقه الفروع أو الأحكام.
فمنذ عهد الصحابة ظهر اختلاف في الرأي حول بعض المسائل، واجتهادات في بعض القضايا، وتميز بعض الصحابة من أمثال: ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزيد بن ثابت وغيرهم بالإجتهاد في بعض المسائل .ثم تطورت حركة الإجتهاد ونمت حتى ظهر بعض الأئمة الأعلام، وتكونت على أيديهم أو حولهم النواة لبعض المذاهب الفقهية ، كالإمام أبي حنيفة (ت:150ه)، والإمام مالك بن أنس (ت: 179ه)، والإمام الشافعي(ت:204 ه)، والإما م أحمد بن حنبل (ت:241ه)، وقد اشتهر هؤلاء الأربعة باجتهاداتهم الفقهية المعروفة. وكانت الساحة مليئة بأئمة مجتهدين آخرين من أمثال: الإمام الأوزاعي(157 هـ)، ومحمد بن جرير الطبري (ت310 هـ) ، وسفيان الثوري، (ت161 هـ) وجعفر الصادق(148 هـ )، وداوود الظاهري (200 هـ – 270 هـ) ، وغيرهم، وهؤلاء جميعاً، كان منطلقهم الكتاب والسنة، وإعمال الرأي-(على درجات متفاوتة)- فيما ليس فيه نص، مهتدين في ذلك بتوجيه الرسول  حينما بعث معاذاً إلى اليمن، إذ سأله: ( كيف تقضي إذا عرض لك قضاء)؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: (فإن لم تجد في كتاب الله)؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: (فإن لم تجد في سنة رسول الله، ولا في كتاب الله)؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺصدره وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله).
ورغم أنَّ الخلاف الفقهي بين المذاهب خلاف مشروع أثمر ثماراً عظمية في تاريخ الإسلام،وكان له آثاره الإيجابية في مواجهة ما يجد من أحداث ،والسعي إلى معرفة رأي الإسلام فيها، وتراكم تلك الثروة العلمية التي تزخر بها المكتبة الإسلامية في شتى المجالات ،فقد جمد بعض الناس على تلك المذاهب الأربعة وتعصبوا لها، ورد المتعصبون من أتباع المذهب ما يراه الآخرون، وتحول الخلاف في الرأي إلى اختلاف بين الناس وعصبية مذهبية وتنابز وشقاق.
تيار التصوف:
إلى جانب تلك الطوائف التي تكونت حول بعض العقائد وظهور المذاهب الفقهية، ظهر تيار آخر كان له أثر كبير في حياة المسلمين، هو تيار التصوف، والذي انبثق من نظرات خاصة في الزهد والعبادة،التي هي من أساسيات الإسلام وأصوله ، وقد كانت العبادة والزهد هما الطابع العام والسمة التي اتسم بها المسلمون الأوائل الذين أقبلوا على عبادة الله بكلياتهم، وجعلوها غاية حياتهم، متبعين قول الله تعالى 🙁 وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، الذاريات: 56.فأحالوا حياتهم كلها عبادة لله سبحانه وتعالى مهتدين بقوله تعالى 🙁 قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ..)، الأنعام: 162 .كما أنَّ نظرتهم للدنيا كان يحكمها أمران:
الأمر الأول : إنَّها مسخرة للناس، وإنَّها مزرعة الآخرة، ومن ثم ينبغي السعي فيها تأكيداً لسنن الله في الحياة، وللمسلم أن يستمتع بطيباتها وزينتها من غير إسراف ولا تبذير، ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ..)، الأعراف: 32.( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ..)، الأعراف: 31.
الأمر الآخر: إنَّ الدنيا قد تغر الإنسان وتأسره وتبعده عن منهج الله، ومن ثم ينبغي الحذر من إسارها وغرورها. والله يحذرنا من غرور الدنيا فيقول:( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.) الحديد : 20. (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)، آل عمران: 185.
ولكن نظراً لعوامل معينة، من أهمها بعد الناس عن نهج الصحابة والتابعين وما كان عليه الرسول ﷺ من حياة زاهدة عابدة، وانفتاح الدنيا على الناس وانغماسهم فيها،وتفشي بعض الظواهر السالبة كالثراء والترف واللهو وانجراف بعض الناس إليها. نظراً لهذا كله، تميزت طوائف بالتمسك بذلك النهج النبوي والأدب الرباني في العبادة والتعامل مع الدنيا فسموا الزهاد أو العباد وأخيراَ ( الصوفية)، وعرف منهجهم بالتصوف، واهتموا بأعمال القلوب وأسرار العبادة والسير إلى الله، والتزام “الطريق” أو ” الطرق” الموصلة إليه. وكما يقول ابن خلدون -الذي يرى أن هذا العلم من العلوم الحادثة في الملة- ” فإن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ،طريقة الحق والهداية وأصلها: العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف. فلما فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة بإسم الصوفية والمتصوفة” .( المقدمة ،ابن خلدون، ج3 ص:1097). فنسبة لتغير الظروف السياسية وماتبعها من تغير اجتماعي وتغير في اخلاقيات الناس، تميزت جماعة من المسلمين عرفت بمواظبتها على العبادة والتقوى وتسموا بالصوفية أو المتصوفة.ولم يؤد هذا النهج في السلوك والعبادة الى انقطاع هذه الفيئة عن الحياة بل نجد أنَّ اوائل الزهاد والصوفية يمارسون حياتهم العادية من بيع وشراء وزراعة ،ويهتمون بأمر المسلمين ويشاركونهم مختلف مناحي حياتهم ويسعون بالخير والاصلاح بينهم ،وينتقلون الى سلك المجاهدين والمرابطين حين يدعوا داعي الجهاد ،ويضربون امثلة حية للمسلم في أخلاقه وتعامله ومعالجته للأمور كلها.
ولكن لم يكن هذا دأب جميع الصوفية والزهاد الاوائل، بل ظهر في إطار الحركة الصوفية جماعات تفاوتت في بعدها عن ذلك المنهج الملتزم بالقرآن والسنة وأدب النبوة، وتحلل كثير منها من قيود الشريعة وأحكامها، مما أساء إلى التجربة الصوفية ووضعها في موضع المواجهة مع طوائف أخرى من المسلمين. ( الفلسفة الصوفية في الإسلام،عبد القادر محمود، ص:71)
كما أنه في وقت لاحق، بعد كثير من الصوفية عن هذا النهج وانحرفوا عن الجادة ،وابتدعوا بدعاً كثيرة في العبادة والسلوك ،واتخذوا مناهج في البحث عن الحقيقة خالفوا بها منهج القران ووسائل السلف ،واصبح التصوف لدى كثير من أدعياء التصوف عبارة عن مظاهر جوفاء ووسائل لطلب الدنيا , وقد عبر عن ذلك كثير من الصوفية انفسهم ،كابي محمد سهل بن عبدالله التستري (200 – 283هـ ، 815 – 896م). ؛ الذي قال :” بعد سنة ثلاثمائة لا يحل ان يتكلم بعلمنا، لأنه يحدث به قوم يتمنعون للخلق ،ويزينون بالكلام لتكون مواجيدهم لباسهم ،وحليتهم كلامهم ،ومعبوداتهم بطونهم” ،وفقد الصوفية تأثيرهم في المجتمع ،ولم يعودوا مكانا للثقة والقبول .وقد قيل لحمدون القصار (توفي سنة 271 ):” ما بال كلام السلف انفع من كلامنا ؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ،ونجاة النفوس ورضا الرحمن ،ونحن نتكلم لعز النفس وطلب الدنيا ،وقبول الخلق”.وفي اسلوب مليء بالأسى لما آل اليه أمر التصوف من انحراف وانحلال يقول القشيري صاحب الرسالة الشهيرة في التصوف: ” إنَّ المحققين من هذه الطائفة –الصوفية –انقرض اكثرهم ،ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة الا أثرهم كما قيل:
اما الخيام فإنها كخيامهم وارى نساء الحي غير نسائها
حصلت الفترة في هذه الطريقة ،لا بل اندرست الطريقة بالحقيقة ،وقد مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء ،وقلَّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء ،وزال الورع وطوي بساطه ،واشتد الطمع وقوي رباطه ،وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة ،فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ،ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام،ودانوا بترك الاحترام ،وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة،وركضوا في ميدان الغفلات ،وركنوا الى اتباع الشهوات ،وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات ،والارتفاق(الانتفاع) بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان. ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الافعال حتى اشاروا الى أعلى الحقائق والاحوال، وادعوا أنهم تحرروا من رق الاغلال ،وتحققوا بحقائق الوصال وانهم قائمون بالحق تجري عليهم أحكامه وهم محو،وليس لله عليهم فيما يؤثرونه او يذرونه عتب ولا لوم،وانهم كوشفوا باسرار الأحدية واختطفوا عنهم بالكلية ،وزالت عنهم أحكام البشرية ،وبقوا بعد فنائهم عنهم بانوار الصمدية ،والقائل عنهم غيرهم اذا نطقوا ،والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا ،بل صرفوا”.( انظر :الرسالة القشيرية (ابو القاسم القشيري ) ص:7-8.)
وقد بدأ هذا الانحراف في أوله طفيفاً اكد على بعض المعاني الإسلامية كالزهد والعبادة مهملاً ما عداها من تعاليم الإسلام ،ومع تطور الزمن وربما بفعل عوامل خارجية ظهرت انحرافات أخطر في العقيدة والمفاهيم الإساسية في الإسلام انتهت بالبعض الى تبني نظريات في الوجود تخالف تصورات الاسلام كنظريات الحلول والاتحاد ووحدة الوجود.
بل إننا نجد صوفياً كالغزالي الذي درس التصوف من بين ما درس من معارف عصره ،كما ترسم رسوم الصوفية ومنهجهم في الوصول إلى الحقيقة.فخبر التصوف- كما قال-علما وعملا أو معارف وسلوكاً،وكتب في ذلك موسوعته الشهيرة ” إحياء علوم الدين”كما ذكرنا،ووجد ضالته- ( اليقين الذي كان يبحث عنه)- في التصوف،ورغم هذه المعرفة بالتصوف علماً وعملاً،فإننا نجد الغزالي ينتقد بعض المظاهر لدى الصوفية،وينكر ما انتهى إليه بعضهم من القول بالحلول، أوالاتحاد، أو الفناء،وما وقع فيه بعضهم من انحرافات : من إغراق في الطقوس ،والمظاهر الكاذبة،والتكلف في الزي والرسوم،وسقوط بعضهم في نوع من الإباحية زاعمين أنهم مع الشهوات بالظاهر ،أما قلوبهم فوالهة بحب الله”.( انظر: المنقذ من الضلال ، ابو حامد الغزالي، ص: 122 وما بعدها.)

يتبع….


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات