لماذا يحكمنا هؤلاء؟

 


 

 

المُلْكُ الذي لا ينبغي لأحد: نظرية الأجساد الملقاة على الكراسي وفتنة نبي الله سليمان

هل تريدون أن تعرفوا لماذا يحكمنا أشخاص أصحاء الأجسام معتلو العقول والقلوب؟
على نحو أكثر تحديداً: لماذا يحكمنا، في السودان، البرهان الآن وقبله البشير؟ السيء ثم الأسوأ منه؟
لماذا تنحصر خياراتنا بين حميدتي وعقار؟
لماذا ننظر إلى سماء الخرطوم فلا نرى شمساً ولا قمراً ولا نجوماً بل نرى مُسوخاً: نرى البرهان وحميدتي وكباشي والعطا، والتوم هجو، ومبارك الفاضل، ومريم الصادق، وأردول، ومناوي، وجبريل...وركاماً كثيفاً من السحب الكذوبة وذرات الغبار العالق و"الدُرَّاب" العالق؟
فإذا كان هؤلاء أمثلة من "مُسُوخ" السياسة، فهناك أيضاً مسوخ الإعلام والفن والمجتمع، بل هناك مسوخ يعتلون المنابر، مثل ذلك الشيخ الذي جَمُلَ اسمُه، وساء خُلُقُه، فتراه يشتم الناس ويبصق عليهم من على منبر رسول الله (ص) والناس راضون!
صدقوني لا أقصد السخرية، بل أدعو هنا دعوة جادة وحادبة إلى تدبر القرآن الكريم لمعرفة سبب هذا الأمر الجلل.
ثم العمل على إزالة ذلك السبب لكي يبطل العجب!
ويتوفر لدي من الأدلة ما يثبت أن السبب الذي يجعل أمثال هؤلاء "المسوخ" يحكموننا، في كل المجالات، مذكور في القرآن الكريم في آيات باهرات من سور (ص).
في إحدى عشرة آية من هذه السورة العظيمة يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى أنّ من سنته في خلقه أن يزيح الأخيار من الحكم، ويضع على كراسي الحكم "مُسُوخاً" يتولّون أمر الناس إنْ حدثَ سبب معين. وتوضح لنا تلك الآيات الكريمة أن ذلك السبب هو حب الناس للحكم، وشغفهم به، وتكالبهم عليه.
القاعدة الرحمانية ألا يسعى شخص عاقل إلى الحكم أبداً.
وأعلمُ أن الناس لا يعملون بهذه القاعده، بل معظمهم لا يعلمها!
وكان الأجدر بهذه القاعدة أن تكون مما هو معلوم ومطبّق من الدين بالضرورة.
فطالما أنك تؤدي الصلاة، فإن صلاتك ينبغي أن تنهاك عن منكر كبير هو حب الحكم والمال والجاه.
وإن كنت تصوم، فينبغي أن تصوم عن حب السلطة والرئاسة والوجاهة مثل صومك عن المفطرات؛
وإن حدثتك نفسك بالجهاد في سبيل الله، فينبغي أن تجاهدها الجهاد الأكبر فتقتل فيها أي حب للرئاسة والتميز والسمعة!
ومما هو معلومٌ في الهدي النبوي أن الشخص إنْ وصل إلى الحكم عن طلبٍ و حرص، يكون قد ابتعد عن الله عز وجل؛ ومن ابتعد عن الله عز وجل، أوكله الله لنفسه، فاقترب منه الشيطان الرجيم، واحتنكَهُ، ثم استحوذ عليه. وحين يستحوذ الشيطان على ذلك الشخص الجالس على كرسي الحكم، يجعله مسخاً في شكل بشر: يأكل ويشرب مثل الأنس، ولكنه يفعل أفعال الشياطين. وأما من وصل إلى الحكم من دون أن يكون حريصاً عليه، ومن دون أن يطلبه، بل أوصله إليه إجماعُ الناس، وكان زاهداً فيه، خائفاً على نفسه من تحمل الأمانة والمسؤلية، فإن الله سيكون عوناً له، فينعم الناس تحت حكمه بالخير والعدل.
ولعمري إن الجهل بهذه القاعدة هو سبب ما نحن فيه من الويلات بسبب حكامنا.
فهذه القاعدة، عزيزي القارئ/عزيزتي القارئة، أساس عظيم لبناء المجتمع، فإنْ انهدمت انهدم المجتمع والدولة!
كل هذا ما سنفهمه من مدلول الآيات الكريمة، التي نحن بصدد تدبرها، وتعضده الأحاديث الشريفة. وانخرام ذلك الأساس هو سبب مأساتنا.
نحن قوم نحب الحكم والرئاسة والوجاهة والسمعة!
ولا نرى في ذلك ضيراً.
ومن أمثالنا الشعبية: "حكم للساق ولا مال للخنّاق"، أي حكم يصل إلى ساقيك خير لك من مال تنغمس فيه إلى رقبتك.
ومن أمثالنا أيضاً: "السمعة ولا طولة العمر"، أي اكتسب سمعةً بين الناس ولا يهمك إنْ قَصُر عمرك!
إذن فإن التدبر الذي نحن بصدده يكشف لنا "من أين جاءَ هؤلاء" الذي يحكومننا؟ وستكون الإجابة أنهم جاءوا من حبنا للسلطة.
ولولا ثقافة حب السلطة التي ما فتئت تتجذر في مجتمعنا لوصل إلى كراسي الحكم في بلادنا خيار الناس!
ولكن لأننا قوم يحبون كل أشكال التميز والوجاهة، أصبح كل ضابط يدخل الجيش تحدثه نفسه بالانقلاب والاستيلاء على السلطة.
ففي رأس كل طالب حربي انقلاب، وفي رأس كل طالب جامعي وزارة.
تجد الطالب يدخل كلية الطب ويتخرج طبيباً متميزاً، ولكنه سرعان ما يدع مرضاه ويهجر عيادته، لأنه أصبح هو نفسه مريضاً بحب الوزارة!
نحن قوم نحب الألقاب، فمن لم يجد له لقباً، سعى بكل قوته إلى الحصول على لقب: الدكتور فلان، الباشمهندس فلان، اللواء دكتور فلان، اللواء شرطة حقوقي فلان.
ونحن قوم نحب النجوم والنياشين على الأكتاف. ولذلك ترى أن معظم الضباط "المزيّفين" في الحركات المسلحة، التي لا حصر لها، جل همهم وضع النجوم كثيرة على أكتافهم!
هذا هو السبب في أن جميع من هم على كراسي الحكم في بلادنا "مسوخ"، ابتعدوا عن الله بحب السلطة، فابتعد عنهم، واستحوذ عليهم الشيطان فهو الذي يملي عليهم كيف يحكومننا، أي كيف يسوموننا سوء العذاب: تعذيب في الداخل وتشريد في الأرض.
والآن دعونا نتدبر الآيات التي تثبت لنا ذلك.
ونؤكد بشدة، في هذا المقام، أن هذا التدبر يرتبط ارتباطاً مباشراً بواقعنا الحاضر. كثيرون يقرؤون قصص القرآن ولا يسقطونها على واقعهم وكأنما تلك القصص أساطير للتسلية. على العكس من ذلك، سنؤكد من خلال هذه القراءة أن قصة سيدنا سليمان في سورة ص، على سبيل المثال، تؤكد لنا عدم جواز طلب الحكم الذي بتنا نتكالب عليه، وتوضح لنا الطريقة الشرعية للوصول إلى السلطة. وسنعرف ما هي حقيقة الملك الذي لا ينبغي لأحد، وما هي تلك الفتنة التي فُتِنها سليمان، وما كان سببها، وما هو الدرس الذي نستفيده منها في واقعنا الحاضر.
نُقدِم على هذا التدبر لأن التفاسير القديمة لم تلتزم بالسياق اللغوي، ولا السياق القرآني، بل اعتمدت اعتماداً مجحفاً على الإسرائيليات والقصص الموضوعة، فجعلت من تلك القصة أسطورة بلا مغزى ولا درس يستفاد.
والمنهج الذي نتبعه هنا هو الاستقراء اللغوي والسياقي، والعناية بإزالة الأسطورة عن القصص القرآني.
والآيات هي، بعد أعوذ بالله من الشيطان من الرجيم:
وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (30) إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ (33) وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ (35) فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ (36) وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ (37) وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ (38) هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ (39) وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ (40).
وهي إحدى عشرة آية من سورة (ص)، من الآية 30 إلى الآية 40، وتتعلق بقصة سيدنا سليمان، وكيف طلب الملك واستجاب الله له، ولكنه عرّضه لفتنة عظيمة.
تمثل الآية 30 بداية القصة بمولد نبي الله سليمان "ووهبنا لداؤود سليمان".
ونرى في الآيات الثلاث 31-33 نقلة كبيرة على الخط الزمني. فنحن نجد أنفسنا فجأة في مشهد حصل بعد أن أصبح سليمان ملكا. فها هو الملك سليمان يشاهد عرضاً ملكياً للخيول. ويستمر المشهد في الآيات الثلاث، ثم ننتقل في الآية 34 إلى موضوع جديد.
ولئن كان تاريخ حدوث هذا المشهد الملكي في الآيات الثلاث 31-33 يفصله أمد كبير عن الآية الأولى 30، فإن مدة الحدث نفسه قصيرة نسبياً في حساب الزمن، إذ لا تتعدى بضع ساعات. كان الوقت وقت العشي، ويبدو أن ساعات طويلة قد مرت قبل أن ينتبه سليمان ويقول لنفسه معاتباً إياها: "إني أحببتُ حب الخير عن ذكر بي". فقد أعجبه المنظر فاستغرق في مشاهدة الخيل، التي وصفها بالخير. وفي الحديث الشريف "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة". وفي تحليل الجمل نقول إنّ الدالَّ ليس هو فقط الفعل "أحببتُ"، بل هو العبارة المكونة من الفعل وحرف الجر "أحببتُ...عن". ويفيد حرف الجرف "عن" البعد والتجاوز، وبالتالي فإنه يصلح للتعبير عن السهو والنسيان. ولم يقل "أحببتُ.. علي"، لأن حرف الجر "على" يفيد الاستعلاء، وبالتالي فإن المعنى كان سيختلف اختلافاً شديداً. فإذا قلت "أحببت شيئاً عن شيء"، فإنك تقصد أنك انشغلت بالأول عن الثاني. أما إذ قلت "أحببتُ شيئاً على شيء" فإنك تعني أنك تفضله تفضيلاً مطلقاً. ونجد في سورة فصلت: "وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى"، أي أنهم فضلوا الكفر على الإيمان، ولكن في سياق سورة (ص) لم يَعْدُ الأمر أن يكون انشغالا مؤقتاً ثم عودة وانتباه. وحدث ذلك سهواً بسبب الاستغراق في المشاهدة.
يعمد بعض المفسرين إلى تنزيه الأنبياء الصالحين عن أشياء هي في حقيقة الأمر جزء من طبيعتهم، ولا منقصة فيها. لم يقل سليمان "أحببت حب الخير على ذكر ربي"، بل قال "عن ذكر ربي". إذن فإن سليمان انشغل عن ذكر موقوت، أي محدد بوقته. وسبب انشغاله كان مشاهدة الخيل. ثم قال: "حتى توارات بالحجاب"، وقد تكون الإشارة هنا إلى الخيل أو الشمس. "فقال ردوها عليّ، فطفق مسحاً بالسوق والأعناق". الدال الأساسي هنا ليس مجرد الفعل "مسح" بل الفعل زائداً حرف الجر (بـِ): "مسح ِبـ...". عندما تحدث سليمان عن سهوه وانشغاله عن الذكر، أو الصلاة، أشار إلى الخيول، وفي تلك الإشارة ما يوحي بأنه ربّما حمّل تلك الخيول البريئة جزءاً من المسؤولية. ولذلك أمر بردها، وقال "ردوها علي"، ولم يقل "ردوها إلي"، و"على" هنا تذكرنا بـحرف الجر "على" في آية أخرى في سورة الأحزاب: "امسكْ عليك زوجك"، وفي الحديث الشريف "أمسِكْ عليْكَ لسانَكَ". "على" تفيد هنا العناية والاحتضان. والفرق في الاستخدام بين حرفي الجر يفيدنا بالحالة الشعورية التي تملكت سيدنا سليمان في تلك اللحظة. إنه شعور بالذنب تجاهها، فلما ردوها عليه، (وليس ردوها إليه) طفق يمسح على سوقها وأعناقها. وفي السياق القرآني، وردت عُبيرة "مسح بـ" في سياق الوضوء والتيمم. إذن فإن مسح سليمان على السوق والأعناق هو مسح تربيت وتطيب خاطر، ومسح تطَّهر واغتسال، وليس مسح الضرب والنحر، كما ذكرت بعض كتب السادة المفسرين الذين قالوا إن سليمان أعمل سيفه في الخيول لأنها شغلته. ومن الواضح أنّ هذا لا يستقيم، لا عقلاً، ولا دينا، ولا لغةً، فالحقيقة، أن الخيل لم تشغله، بل هو الذي انشغل بها. ودعونا نركز على الناحية اللغوية. فكما لجأنا للقرآن في "أحبّ عن / أحبّ على" فكذلك لجأنا إلى القرآن في "مسح بـ"، واتضح لنا أن المسح إنما كان تربيتاً. وهو ما يليق بالعبد الصالح. والخيول ليست مذنبة. فإن كان قد انشغل عن ذكر ربه، فالخيول لم تنشغل عن ذكر ربها. ولعلّ ما كانت تقوم به من استعراضات هو ذكرها وتسبيحها. ولكن سليمان كان أواباً، وورود كلمة "أواب" في الآية السابقة ليس اعتباطاً، فبعد أن حمل الخيل المسؤولية وأنها كانت سبب انشغاله، "آب" إلى رشده، وعرف أنه وحده المسؤول، والخيول بريئة تماماً. فالمسح على السوق والأعناق هو بمثابة تربيت واعتذار لها، وبمثابة استغفار وأوبة إلى الله سبحانه وتعالى.

نأتي الآن إلى الآية 34، وفيها ندلف إلى موضوع جديد. "ولقد فتنا سليمان فألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب".
بعد حادثة المشاهدة، وما فيها من عبرة الانشغال بدنيا الملك عن ذكر الله، تُقدِّم لنا السورة حادثةً مهمة في حياة سليمان هي فتنته وإلقاء جسد على كرسيه. والفتنة للأنبياء هدفها التعليم والتقريب ورفع المكانة، وهي ليست كفتنة العباد العاديين، إذ إنّ فتنة عموم العباد هدفها أن يعرف الله إنْ كانوا مؤمنين أم لا، أيكفرون أم يصبرون.
الكلمة المفتاحية هنا هي "جسد". في القرآن الكريم لا تطلق كلمة جسد أبداً على بشر. ونشير هنا إلى أن اللغة القرآنية كثيراً ما تختلف عن لغة الاستخدام العادي؛ وكثيراً ما يتجاوز الاستخدام القرآني الاستخدام العادي. الجسم في القرآن للبشر، والجسد لغير البشر من المخلوقات الروحية، كالملائكة والجن. ونجد أن الأصل الاشتقاقي لماد ة (ج س د) يتعلق بمعاني التحول، والتجمع، وأخذ الشكل، والاشتداد، وهو يدل على التحول لأخذ شكل مختلف، مثل الدم السائل حين يتحول من السيولة إلى الجمودة فيسمى "جاسد". إذن الجسد هو أن يتحول المخلوق من شكل ما إلى شكل آخر، فيصبح "مُتجسِّدا"، كما نقول الآن. ونفهم من السياق القرآني أن الأجساد لم تكن مادية في البداية، ثم تجسدت لما دخلت عالم المادة وباتت مرئية وملموسة. والبشر في القرآن لهم أجسام "وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم"، وغير البشر فهم أجساد "وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام". وعجل بني إسرائيل كان جسداً له خوار. والملائكة يظهرون للأنبياء في شكل بشر، وما هم ببشر، ولكنهم أجساد لا يأكلون الطعام.
وبالتالي عندما نقرأ "ألقينا على كرسيه جسدا" نفهم أن هذا الجسد بالضرورة ليس من البشر. وهكذا نستبعد تماماً التفسيرات التي تجعل الجسد هو سليمان نفسه وقد مرض وأصبح نحيلاً، أو أن الجسد هو ابن له كان يعاني من إعاقات جسمية (ولا أقول جسدية). وما نصت عليه الآية 34 إنما هو إشارة عامة إلى الفتنة ربطاً لها بما سبقها، أي حدث الانشغال بالمشاهدة عن الذكر. أما الآيات التي تلي الآية 34 فهي تفصيل لهذه الفتنة. إذن فكأن الآية 34 هي العنوان، والآيات التالية هي التفاصيل. وفي الحقيقة، تعود جذور الفتنة إلى الوقت الذي سأل فيه سليمان الملك. فطلب الملك هو سبب الفتنة. وأول ما نلاحظه أن سليمان كان قد مهد لطلب الملك بطلب المغفرة. لماذا فعل ذلك؟ لأن طلب الملك لا يصح. فكأنه قال: يارب اغفر لي سؤالي هذا، وهبني الملك. إذن فسليمان لم يبدأ طلب الملك مباشرة، بل مهد له بطلب ما هو أهم، وهو المغفرة. ليس ذلك فحسب، بل أتبع طلب الملك بتقديم إقرار: يا رب إن أصبحتُ ملكاً فليس ذلك بحولي ولا قوتي بل هو منك أنت، وهذا ما نفهمه مما جاء على لسانه: "إنك أنت الوهاب".
الملك دنيا، والدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة. وسليمان كان يدرك ذلك بكل تأكيد. وكان يدرك أن طلب زخرف الحياة الدنيا لا يليق.
نعم، لا يجوز طلب الملك لمؤمن، وهو موضوع له أدلته الثابتة من الكتاب والسنة، وليس هنا مكانه، وهو، كما أسلفنا، مما ينبغي أن يكون معلوماً من الدين بالضرورة. والكلمة المفتاحية هنا هي "لا ينبغي". لقد أجحفت معظم كتب السادة المفسرين إجحافاً شديداً في تفسير "لا ينبغي". ونجد في هذا الصدد كلاماً كثيراً ولكنه لا يستقيم في اللغة. قال بعضهم في تفسير "هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي"، أي أعطني ملكاً لا يستطيع أحد أن ينزعه مني. وقال آخرون إنه طلب ملكاً لا يتهيأ مثله لأحد من بعده. وهنا يجعلون نبي الله يحب أن يتميز على الناس بأمر دنيوي. وهذا مما لا ينبغي في حق الأنبياء. والثابت أن عبارة "لا ينبغي" تعني لا يجوز، ولا يصح، ولا يحل، ولا يليق. إذن فإن الملك الذي لا ينبغي، ولا يجوز، ولا يصح، ولا يحل، ولا يليق، هو الملك الذي يطلبه صاحبه، ويحرص عليه. الملك لا يُطلب لا بالدعاء، ولا بالسعي.
لكن السؤال هو: لماذا سأل سليمان الملك، وهو يعلم أن الملك أمر دنيوي، وأن الدنيا لا تساوي عند الله شيئاً؟
هذا الطلب ينم عن الطبيعة البشرية، والنبي بشر، وعندما يصطفيه ربه ويقربه، ويحس بالأمان، يتجرأ فيطلب شيئاً استنثائياً لنفسه لا يجوز ولا يليق ولا ينبغي طلبه.
ولم يكن سليمان بدعاً بين الرسل في ما طلبه. فكثير من الأنبياء طلبوا "ما لا ينبغي طلبه":
فقد طلب نوح النجاة لابنه الكافر: "إن ابني من أهلي...."، وما كان ينبغي له أن يطلب؛
ثم طلب سيدنا إبراهيم المغفرة لأبيه: "واغفر لأبي..."، وما كان ينبغي له أن يطلب؛
ثم طلب إبراهيم أن يريه الله سبحانه كيف يحي الموتى: "رب أرني كيف تحي الموتى"؛ وما كان ينبغي له أن يطلب؛
ونفس الطلب طلبه موسى حين قال: رب أرني أنظر إليك؛ وهو كذلك طلب لا ينبغي له أن يطلبه.
ولأن الطلب لا ينبغي، نجد لمسة من العتاب الرباني لهؤلاء الأنبياء الذين طلبوا ما لا ينبغي طلبه. فقد قال الله تعالي لإبراهيم: "أو لم تؤمن؟ قال بلى؛ وقال قبله لنوح: أني أعظك أن تكون من الجاهلين.

إذن فإن سيدنا سليمان كان يعرف أنه لا ينبغي أن يطلب الملك، ولكن لما ضمن المغفرة، تجرأ على الطلب. وكانت تلك حاجة في نفسه. وربما يعبر سليمان عن حالنا كبشر. عندما نرى سوء الحكم والإدارة، قد يتمنى أحدنا أن يصبح حاكماً ليملأ الأرض عدلاً بعد أن رآها قد ملئت جوراً.
ولم يقدم سليمان على ما أقدم عليه إلا بعد أن تحسّب كلّ التحسب. فهو لم يكتف فقط بطلب المغفرة، كما أسلفنا، بل طلب المغفرة في أول الآية ثم أقر في آخرها بأن الملك من الله وحده. فكأنه أراد سد جميع منافذ الفساد.
والآن كيف بدأت فتنة سليمان، ولماذا فتنه ربه؟ على الخط الزمني، تقع الآية 35 (بداية الملك) بعد الآية 30 (الميلاد) مباشرة. وعندما كان سليمان يشاهد الصافنات، كان قد تحقق له الملك وبلغ فيه شأوا بعيداً. وبالتالي فإنّ جميع الآيات 35 و36 و37 و38 و39 سابقة للآية 31 (حادثة مشاهدة استعراض الخيول). سأل سليمان ربه الملكَ واستجاب له: سأعطيك ملكاً لا مثيل له، ولن تكون ملكاً على البشر فحسب، بل ستملك أيضاً الجماد، مثل الريح والبحار، وستملك الطير، بل وستملك الجن.
نرجع إلى الآية 34، آية الفتنة والعبرة، والاختبار والتعليم. فمثلما علّم المولى عز وجل عبده إبراهيم بعد أن أراه كيف يحي الموتي، فقال "واعلم أن الله عزيز حكيم"؛ ومثلما علّم موسى، فقال "سبحانك! تبتُ إليك وأنا أول المؤمنين"، فكذلك علَّم الله عبده سليمان، "ثم أناب". فبعد أن أعطاه الملك، قضت حكمته، سبحانه وتعالى، أن يفقد سليمان ذلك الكرسي لبعض الوقت، وأثناء ذلك الوقت جعل على كرسي ملكه "مسخاً".
رأى سليمان مسخاً على الكرسي الذي طلبه من الله، فعلم أنه لم يطلب عزيزاً.
هذه الكراسي إنما كراسي دنيا، والدنيا متاحة للبر والفاجر: "كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا".
فكأن الله أراد أن يقول لعبده سليمان، ولنا جميعاً من بعده: هذا الكرسي ليس عزيزاً عليّ فلماذا تطلبونه؟ وانظر يا سليمان، ها هو مسخ تافه يجلس على الكرسي الذي كنت تحلم به وتدعوني من أجله. إن هذا الكرسي الذي تتكالبون عليه قد أجلستُ عليه حتى أعدائي من أمثال فرعون والنمرود. لقد بدأت فتنة سليمان يوم طلب الملك، وبلغت العقدة ذروتها يوم أن أُلقي على كرسيه جسداً. وازداد سليمان يقيناً ومعرفة يوم انشغل بأبهة الملك عن ذكر الله أثناء عرض الخيول.
إذن، بعد أن تحقق الملك لسليمان استمر ملكاً إلى أن وقعت له فتنة إلقاء الجسد. وبعد أن استرجع ملكه وأدرك هوان الملك الذي سأله، وقعت له حادثة المشاهدة فازداد بها يقينا بخطر الملك لأنه انشغل بسببه عن ذكر الله. ففي تلك اللحظة من لحظات أبهة الملك، أدرك سليمان أن الملك فتنة يمكن أن تنسي العبد ذكر ربه، وبالتالي فإن طلب الملك لا ينبغي لأحد. أراد سليمان أن نعلم من بعده أن طلب الحكم لا ينبغي، ولكننا، للأسف، فهمنا الآية فهماً خطأ، فاعتبرنا أن سليمان سأل الله ملكاً عظيماً وكبيراً لا يستطيع أحدٌ من بعده أن يحققه. وهذا الخطأ كلفنا استمراء طلب الملك. كم من آية من كلام الله تهنا عن فهمها، فتهنا!
ونلاحظ أن ترتيب الآيات في السورة لا يعكس التسلسل الزمني للأحداث. وهذا شائع جداً في القرآن، وكذلك في القصص والروايات الأدبية. ونجد ما يشابه ذلك أيضا في الأفلام في "الفلاش باك". فالآية 30 هي المولد. ثم الآية 35 تمثل طلب الملك وتحقيقه. ولم يكن سليمان جاهلاً بعدم جواز سؤال الملك، بل كان على يقين من ذلك. ثم تأتي الآيات من 36 إلى 39 التي تمثل فترة ممارسة المسؤوليات الملكية. ثم الآية 34 حصول الفتنة الكبرى وهي إلقاء الجسد على الكرسي وفقدان الملك ثم رجوعه، وعندها علم سليمان علم عين اليقين معنى حرمة طلب الملك. ثم الآيات 31-33 وهي حادثة المشاهدة الملكية، والتي تمثل الفتنة الثانية التي علم سليمان من خلالها، علمَ حق اليقين، خطر الملك على علاقة العبد بربه.

خاتمة
يعلمنا ربُّنا عز وجل، من خلال قصة إلقاء الجسد على كرسي سليمان عليه السلام، أن المُلك ليس شرفا، ولا تكريماً، وأن النجاة والعافية من مسؤوليات الملك، خير من تجشمها؛ وأن كرسي الملك من الهوان عند الله بحيث أنَّ مسخاً لعيناً يمكن أن يناله. وجميع الطغاة والظلمة مسوخٌ وأجساد ملقاة على كراسي الحكم. يمكن لمسخ تافه أن يجلس على كرسي الملك في أعظم مُملكة عرفتها البشرية: مملكة سليمان التي كان من رعاياها الإنسان والحيوان الجان، ومن أدواتها الأحياء والجمادات!

والعبرة من قصة سليمان وزبدتها هي أنه لا ينبغي لأحد أن يطلب الملك أو يسعى إليه. وهذا مما يجهله، للأسف، كثير من العامة وبعض الخاصة. ففي المعراج اختار الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدا رسولا على أن يكون ملكاً رسولا، مثلما فضل، عليه صلوات الله وسلامه، قدح اللبن على قدح الخمر. المُلك يُعطى، ولا يُطلب، ويقبله المكلف مُكرهاً خائفاً منه على نفسه ودينه.
تمثل "الأجساد الملقاة على الكراسي" أحد أهم عناصر مؤامرة الشيطان على البشر. ويعتمد الشيطان في إنفاذ خطته على أعوان وأولياء يمنحهم السلطة، بأن يضع، على كل ما يتيسر من كراسي المسؤولية، "أجساداً" تفسد على الناس حياتهم ودينهم. ونقصد بالأجساد هنا شياطين الإنس. وهؤلاء يصبحون أجساداً حين يحتنكهم الشيطان ويستحوذ عليهم.
وهذا سبب ما نراه في حكوماتنا الوطنية وفي مؤسساتنا الدولية من فساد مستشرٍ. ويكفي أن يكون الشخص مفرط الطموح، همه السلطة والشهرة والمال، ليتحول، عاجلاً أو آجلاً، إلى جسد ملقي على كرسي. ويكفي أن تتعلق قلوب أفراد الشعب بأصحاب السلطة والمال والجاه والشهرة، ليسلط الله عليهم "أجساداً ملقاةً على الكراسي" يذيقونهم سوء العذاب.
ولكن لماذا يستحق الناس هذه الأجساد المسوخ الملقاة على الكراسي؟
لأن الناس، رغم انتقادهم الظاهري لهؤلاء التافهين، فإنهم، في حقيقة الأمر، مفتونون بهم، وتشرئبُّ أعناقهم إليهم، وتطير أعينهم من محاجرها لمشاهدتهم، وتصغي إليهم آذانهم، ويسعون إلى متابعتهم في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بل ويتمنون أن يكونوا في مكانهم، فلسان حالهم يقول: "يا ليتَ لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم"!
لماذا أخرج السامري العجل لبني إسرائيل؟ لأنه يعلم أن حبَّ العجل موجود في قلوبهم: "وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ".
وكذلك نحن: لقد أُشْرِبْنا حبَّ هؤلاء التافهين في قلوبنا.

هذا، وليس بالضرورة أن يكون الجسد الملقي على الكرسي ملكاً أو رئيسا أو أميراً.
فقد يكون زعيما كبيراً أو صغيرا، أو عالماً، أو داعية، أو إماماً، أو صاحب أعمال، أو مسؤولا فاسداً، أو أديباً مغرورا، أو فنانا نرجسياً، أو رياضياً مستجد نعمة، أو صحفياً وصوليا، أو حتى شخصاً لا له في العير ولا في النفير لكنه أصبح مشهوراً بضربة حظ، فأحب الناس شهرته، وجعلوه "عجلا جسداً له خوار".
ولما كنا "كلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته"، فإنه يخشى أن يتحول أيّ راعٍ منا إلى جسدٍ ملقي في رئاسة، أو وزارة، أو مؤسسة، أو ولاية، أو في مكتب، أو في مسجد، أو حتى في بيت!

فما أكثر من يطلبون ما لا ينبغي طلبه! وما أكثر الأجساد الملقاة على الكراسي!

elrayahabdelgadir@gmail.com

 

آراء