هذا الكلام (الخيل تجقلب في محل والخير مصوبر في محل)  مثل شعبي سوداني  يقال عندما يبذل جهد في غير مظانه. ولقد وجدت هذا المثل الأقرب لبعض ما يبذل من جهد من الحكومة السودانية لجعل خيار الوحدة جاذباً. وأعني بذلك ما بدأت تنقله الأخبار من أنشطة شعبية تحاول أن تقول للجنوبيين أن البقاء في السودان الموحد أفضل من الانفصال.

ورغم قناعتي الراسخة أن فرصة بقاء السودان موحداً مازالت كبيرة، إلا أن مثل هذه الطريقة لا تفيد في ذلك، فمثل هذه المشروعات تحتاج إلي وقت طويل. والوقت الذي كان يمكن أن تتم فيه هذه المشروعات الوحدوية أضيع في المكايدات والمعاكسات. أما ما تبقي من زمن وهو لايتعدي بضع شهور فيجب أن يستغل في حوار مباشر للوصول إلي اتفاقات محددة بين الشمال والجنوب حول قضايا محددة، وأسس واضحة تقوم عليها العلاقات بعد الإستفتاء إذا اختار الجنوبيون الوحدة.

والجنوب الذي أعنيه هو الحركة الشعبية وحكومتها. فلقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أن إرادة الحركة الشعبية هي الغالبة والراجحة في الجنوب. وما تريده الحركة الشعبية في الجنوب هو الذي يكون، بصرف النظر عن طريقة تغليب هذه الإرادة. وبرغم أني أميل إلي أن النتيجة في الجنوب مثل نتيجة الشمال، فما جعل المؤتمر الوطني يفوز بكل دوائر الشمال تقريباً، يجعل الحركة الشعبية تفوز بما فازت به في جنوب البلاد. ومع ذلك لو قلنا بما قال به معارضو الحركة الشعبية بأن الانتخابات في الجنوب لم تكن نزيهة، فبذات الطريقة التي أديرت بها الانتخابات سوف يدار بها الاستفتاء. فلذلك فإن الطريق إلي وحدة السودان لابد أن يمر عبر بوابة الحركة الشعبية. وما تصرفه الحكومة الاتحادية من أموال في جنوب السودان لجعل خيار الوحدة راجحاً عبر تبنيه بواسطة الجنوبيين، لا يختلف عما صرفه المؤتمر الوطني في الحملة الانتخابية في جنوب السودان. وتفيد بعض التقارير أن حملة دعم الرئيس البشير في جنوب السودان بلغت كلفتها 35 مليار جنيها سودانياً، ومع ذلك لم يحز الرئيس البشير علي أكثر من ثلاثمائة ألف صوت إلا بقليل، في حين أن أصوات مرشح الحركة الشعبية لرئاسة الجمهورية السيد ياسر عرمان فاقت أصواته المليونين. ولا نريد لأموال السودان أن تضيع في مثل هذه المشروعات التي لا تأتي بخير ونخسر وحدتنا. لذلك لا نشجع ما يجري باسم دعم خيار الوحدة ونرجو أن يفطن من بأيديهم الأمر لذلك.

وأذكر عندما انحاز الرئيس البشير لفكرة قيام هيئة وطنية لدعم خيار الوحدة، وأوصي البشير بأن تتحول الهيئة التي تكونت لدعم ترشيحه برئاسة المشير سوار الذهب إلي هيئة لدعم الوحدة، قلنا أن هذه الهيئة إذا أرادت أن تدعم خيار الوحدة فعلاً عليها أن تبدأ برئيس الحركة الشعبية، فإذا وجدت الضوء الأخضر منه، تبدأ انطلاق حملتها في الجنوب بالتنسيق الكامل مع حكومة الجنوب والحركة الشعبية. ولقد سعدت بعد ذلك بتجميد نشاطها رغم أني كنت من أوائل الداعين لقيام هذه الهيئة، ولكنني سعدت لأنها كانت ستبدأ خطأ. فكانت سوف تبدأ بذات الذين كانوا يدعمون ترشيح الرئيس البشير. ومعلوم أن بعض الذين يؤيدون البشير لا يقفون مع الوحدة، وفي ذات الوقت فإن بعض الذين يعارضون المؤتمر الوطني ورئيسه المشير عمر البشير يقفون مع الوحدة ويدعمونها. ولذلك كان ينبغي أن يعاد تأسيس هذه الهيئة علي مبادئ وأسس جديدة.

أما أساس العمل الحكومي لدعم الوحدة فيجب أن يكون حواراً واضحاً مع حكومة الجنوب و الحركة الشعبية يستهدف وضع أسس الوحدة الجديدة. وفي تقديري أن الحركة الشعبية لو وجدت ما يطمئنها سوف تنحاز لخيار الوحدة. وهذا التطمين لا يقع عبئه علي الحكومة وحزبها الغالب وحدهما، وإنما تشارك في ذلك كثير من الدول التي تهمها وحدة السودان.

Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]