السودان بلد له خصوصية لا توجد في غيره، وهي سر وجوده وتماسكه وعبقريته. ففي السودان يلتقي الضدان في مكان واحد لا يتنافران ولا يتعاركان ولا يتقاطعان. وأية محاولة للتقاطع مع هذه الخواص السودانية يكون مردودها وبالاً علي أهلها.

وفي شأن وحدة السودان التي يمتحنها الاستفتاء علي حق تقرير المصير بالنسبة لجنوب السودان في التاسع من يناير العام القادم 2011م، فإن الطبيعة تقول أن الوحدة هي الأصل، وأن نتيجة الاستفتاء لا بد أن تؤكد هذه الحقيقة. وتجيء اتفاقية السلام لتؤكد هذا الواقع وتلزم الشريكين بأن يعملا علي جعل خيار الوحدة جاذباً. وهو إلزام يجري ضمنياً علي كل أهل السودان. فلقد أثبتت الاتفاقية في الدستور، وصارت بذلك ملزمة لكل أهل السودان. ويكون الإلزام أصرماً علي طرفي الاتفاق لأن من سواهما يمكن أن يستفيد من حرية الخيار بين ترجيح الوحدة أو الانفصال.

وفضلاً عن أنا محسوبين علي أحد طرفي اتفاق السلام، وأعني المؤتمر الوطني، فإنا لا نري خيراً للسودان وأهله في غير تأكيد الوحدة. ولذلك نبذل كل ما نملك من جهد لتغليب خيار الوحدة، وندافع عنها وندفع خصومها دفعاً حد القتال. ومع ذلك لا نتهم من ينادون بالانفصال من الشماليين أو الجنوبيين في صدق أو قصد، رغم أنا نري ما يرون قاصراً ومحدوداً وشاذاً. ولكن هذا حق لهم. فما داموا يرون أن الخير في الفصل بين الجنوب والشمال من حقهم علينا أن نوضح لهم قصور نظرهم وضعف حجتهم. ولا نذهب أبعد من ذلك، لاسيما وأن بينهم من لا يتهم في دين ولا وطنية، ولا نستطيع أن نقول أنهم من المتخاذلين ولا من المرجفين.

نقول هذا القول لأنا نري المعركة بين بعض دعاة الوحدة وبعض أعدائها قد خرجت عن مسارها الطبيعي، وفي ذلك خطورة كبيرة علي الوطن الذي نزعم جميعاً ــ دعاة الوحدة وأعداؤها ــ أنا نعمل لصالحه. فنحن الذين ندعو لوحدة السودان نفعل ذلك لقناعة راسخة أن هذا هو الأصل الذي يجب أن يكون ويكون عليه كل أهل السودان. ونسعي بذلك لتكون قناعتنا هذه هي الراجحة والسائدة والغالبة. ولا بد أن كثيرين من دعاة الانفصال يؤمنون بما يقولون به، ويعملون من أجله. وفي تقديري أن أسلم طريق لمدافعة هؤلاء وردهم عما هم فيه أن نجادلهم بالتي هي أحسن دون أن نطعن في نواياهم لأن ذلك يباعد بيننا وبينهم، والمباعدة بين بني الوطن الواحد قد تكون مخاطرها أكبر من الانفصال نفسه. فالذين يتعاركون حول الوحدة والإنفصال جلهم من الشمال إن لم يكن كلهم، والطريقة التي يدار بها الآن الحوار بين دعاة الوحدة والانفصال من الشماليين لا يقرب بين وجهتي النظر المتعارضتين ولا يحقق ما نصبو له من وحدة. ولو تركنا الحبل علي قارب هذا الخلاف يقوده هكذا بلا وعي فسوف نخسر وحدتنا بين الشمال والجنوب، ونشق صف طرفنا الشمالي، ونقطع طريق التلاقي مع أخواننا في الجنوب إذا اختاروا الانفصال. ولذلك لا بد من إلتزام الموضوعية في الحوار بين الذين يدعون للوحدة، والذين ينادون بالانفصال. ويحمد لأخواننا في الجنوب أنهم لا يحملون الأمر أكثر مما يحتمل. وعند أشقائنا في الجنوب تتقارب الدعوة للوحدة مع المناداة بالانفصال. وهذا نهج معقول لمثل ظرفهم. ولا نريد أن تتساوي الدعوة للوحدة مع دعوة الانفصال في الشمال، لأنهما لا يستويان، ولكن فقط نريد أن يحسن بعضنا الظن ببعض، ونتساوى فقط في افتراض حسن النية.

Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]