قبل أن أذكر حكاية حكامنا، نذكر قصة العدل التي ورد فيها اسم كسري. فروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه عندما جاء والياً علي مصر أخذ أرض بعض النصارى ليقيم مسجداً عليها. فجاء هؤلاء النصارى لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يشكون له واليه، فحملهم بن الخطاب كتاباً لعمر بن عبد العزيز. وكل ما جاء في الخطاب من أمير المؤمنين عبارة بسيطة تقول (نحن أولي بالعدل من كسري) فما أن قرأ عمر بن عبد العزيز الكتاب حتى أجهش بالبكاء ورد للنصارى أرضهم وطلب منهم العفو والسماح. وقصة العمرين رضي الله عنهما مع كسرى، أنهما عندما كانا يعملان بالتجارة ظلمهما بن لكسرى ووزير له، فرفعا الأمر إلي كسري فرد إليهما حقهما ثم طلب من كل واحد منهما أن يخرج بباب معين، فعندما خرج عمر بن الخطاب ببابه وجد بن كسري مشنوقاً علي الباب، بينما وجد عمر بن عبد العزيز الوزير مشنوقاً علي الباب الآخر. وهذا هو عدل كسري الذي ذكر به عمر بن عبد العزيز ففاضت عيناه من الدمع.

تذكرت هذه القصة وأنا أطالع في صدر الصفحة الأولي لصحيفة الوطن الصادرة يوم أمس السبت قصتين لظلم حكومي علي مواطنين، الأولي قصة المواطن الطريفي الذي ظل يقاضي حكومة النيل الأزرق لست سنوات طالباً تعويضاً عن محل تجاري شيده بحر ماله، ثم هدمته سلطات الولاية، وظلت المحاكم تقضي له بالحق والحكومة تماطل بالاستئناف، حتي إذا قضت له بحكم نهائي تقدم مستشار الحكومة القانوني بطلب مراجعة للحكم، فلجأ الطريفي للإعلام وقدم قضيته عبر قناة الجزيرة الفضائية لعله يجد من الحاكمين من يستمع لقصته فيكتب لحكام الدمازين ويقول لهم (نحن أولي بالعدل من كسري)

القصة الثانية والتي وردت بذات الصحيفة هي قصة مطاعم جاد المصرية التي أعياها السعي بين السلطات الولائية والسلطات الاتحادية التي تتنازع في فرض رسوم التصديق عليهم فيدفعون لهذا ويدفعون لهذا ولا ينجون. وتلك مأساة تتكرر كل يوم آلاف المرات نتيجة صراع الجهات الحكومية بعضها مع بعض ويدفع المواطنون الثمن. وفي ذات اليوم البارح وجدت مواطناًَ أنجز عملاً معيناً لجهة حكومية محلية، وعندما جاء يطالب بحق ما أنجز وجد المسئول الذي اتفق معه علي العمل قد غادر موقعه لموقع آخر، فرفض الذين خلفوه سداد الالتزام. وظل صاحبنا يشكو لطوب الأرض دون أن يجد مجيباً. وهناك عشرات بل مئات وآلاف القصص والمآسي المشابهة. ولدي قصة مأساتها أكبر من كل ذلك، وظلمها أشد، وحجتها بائنة، لكنني لم أشأ بعد أن أحولها لقضية عامة. وأرجو ألا أضطر لذلك.

وما دعاني للربط بين قصة العمرين مع كسري وبين قصص الظلم الحكومي عندنا، أن حكومتنا بايعناها علي أن تلتزم النهج المحمدي الذي التزمه العمران رضي الله عنهما. وتشاء أقدار الله أن يكون قائد مسيرتنا يحمل أيضاً ذات الاسم الذي ارتبط بعدل الحكم (عمر) وما زلت أذكر قصيدة أستاذنا الراحل فراج الطيب (العمرية) والتي شبه فيها أمير المؤمنين الفاروق عمر بن  الخطاب، برئيسنا المشير عمر حسن أحمد البشير. وكان ذلك قبل أن يكون عمر البشير رئيساً منتخباً من الشعب. وقبل بيعتنا الأخيرة له، وقبل عهده لشعبه ولله من قبل ومن بعد. وبذات العهد، ولذات البيعة، نقول لرئيسنا المشير عمر البشير، ولكل من تقدم لحكمنا باسم برنامج المشروع الحضاري، نقول لهم جميعاً (أنتم أولي بالعدل من كسري)

Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]