عندما خرج من بيته في ذلك الصباح .. هل كان معلم الأساس إياه يظن أنه سوف يزهق روحاً بريئة بغير حق ؟! .. ما هو الطيش الفظيع الذي ارتكبه المرحوم، وفي ذلك اليوم بالتحديد، لكي يكون عقابه التربوي ضربات قاتلة انهالت على أم رأسه ؟! .. ثم ما هو الفرق – والحال كذلك – بين وسائل التعذيب في أجهزة الأمن، وأساليب العقاب البدني في المدارس .. ؟! 

كم يبلغ طول وعرض وارتفاع تلك المسافة الفاصلة بين "العنف" و"الجريمة " في لوائح وزارة التربية والتعليم ؟! .. وكيف ترى "هي" حالات الأذى الجسيم، والعاهات المستديمة، وخسائر الأرواح تلك ؟! .. كم تساوي عندها حياة "محمد" ؟! .. آخر  ضحايا الضرب في مدارس السودان ..؟!

إن حوادث الضرب العنيف التي تقع في المدارس لا تختلف عن أي جريمة جنائية تقع في أي مكان آخر، والمتهم في كلا الحالين يصبح "مجرماً" بعد صدور حكم قضائي لكفاية الأدلة .. وفي علم النفس التحليلي هنالك نظريات لتبرير هذا النوع من الجرائم يمكن تلخيصها في مقولة فرويد "الجريمة طبيعة بشرية نحاربها بالعقوبات" ..!

فضلاً عن تحليل المدرسة الاقتصادية التي تؤكد أن الجرائم دوماً وليدة ظروف اقتصادية، وتدلل على هذا بارتفاع معدلات الجرائم في فترات الأزمات الاقتصادية .. هذا هو السياق العلمي الذي ينبغي أن يناقش عبره أي سلوك تربوي عنيف يصدر عن أي مدرس، فما بالك بحوادث القتل ..؟!

سئل معلم أمريكي كان يعمل في إحدى مدارس حي عصابات شهير في لوس انجلوس، كيف استطاع أن يحول أبناء اللصوص والقتلة إلى مشاريع أكاديمية باهرة، - واستحق لذلك أغلى جائزة تقدير أمريكية وأعلى وسام ملكي بريطاني – فأجاب: " لم أسمح لقوالب الوظيفة الجامدة أن تسحقني"!.. ربما كان ذلك المعلم قاتل الطفل محمد بحاجة إلى تنمية احترامه لذاته، والاعتراف بفضله، وتنمية مقدراته وتطوير أدائه المهني، وإعطاءه فرصاً قيادية تحقق له التوازن النفسي بعيداً عن سيطرة الروتين ..!  

الكاتب البريطاني جورج أورويل قال في كتاب خصصه لحياة الفقر والتشرد التي عاشها في باريس ولندن: " كنت أغسل الصحون في أقبية المطاعم، وأرصد سلوك زملائي في العمل، فلاحظت أنهم يعاملون بعضهم بعدائية وشراسة، والسبب ليس فقرهم وبؤس حياتهم، بل شعورهم باليأس وفقدانهم الأمل في التغيير ..!

الضرب في المدارس هو آخر فصول حكايات اليأس، وفقدان الأمل، والإجهاد النفسي والاستنزاف الانفعالي الذي تسببه مشكلات الأسرة وصراعات الإدارة، وضعف العائد، وقلة الحيلة، والشعور بالحصار والرق الوظيفي، ومعاناة قلة التقدير التي تتحول بمرور الوقت إلى شحنات سالبة لا يمكن تفريغها إلا بتضخيم الأخطاء ومضاعفة العقاب ..!

الأحداث




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.