كان غاندي ومانديلا وغيرهم - من الرموز الوطنية - ضمائر متصلة ألهمت ثورات شعوبها وملأت فراغ الكراسي بعد انتصارها، لذلك جنَّبوا بلادهم شرور العنف الذي يعقب اندلاع الثورات، ولكن مشكلة الربيع العربي هي أن خريفه مبني للمجهول ..!
تونس التي تحررت من حكم بن علي وفتحت ملفات الفساد والمحسوبية، تواجه مرحلة ما بعد الثورة بأخطائها ومشكلاتها وعثراتها القاتلة .. صدامات فكرية بين العلمانية والإسلاموية، واحتجاجات، وإضرابات عمالية في معظم المدن تتعجل قطاف التغيير الذي قامت لأجله الثورة، قبل ظهور نتائج الانتخابات ..!
ومصر التي تحررت من حكم مبارك، أصبح كل أعدائه فيها أحباء ثورتها بالضرورة، وكل أصدقائه القدامى ألد خصومها، كل الذنوب في العهد السابق مغفورة، وإن كان المدانون فاسدون وطغاة، وكل من كان يهتف ضد مبارك يحق له أن يفتي في الدين والسياسة والأخلاق .. والنتيجة هوس جماعي، ومحنة طائفية، وقتلى جدد، ليسوا شهداء الثورة هذه المرة، بل، ضحايا الفراغ السياسي العريض الذي خلفه انتصارها ..!
ميزة الثورة المصرية – ومشكلتها أيضاً! - أنها قامت فعلاً مبنياً للمجهول، بضمائر مستترة، وأبطال مخلصون حقاً، لكنهم ذائبون في جموع التكسير، وزحام العالم الافتراضي .. أهم رموزها ليسوا قياديين، بل مفكرين ومثقفين، طموحاتهم وطنية وليست سياسية .. أما المعارضة في مصر – فشأنها شأن المعارضة في بلادنا – كيانات هشة، تصلبت مفاصلها بعد طول الرقاد، وبدَّلت أجندتها المساومات، ففقدت ثقة الشعب في جدارتها بقيادة التغيير ..!
أما فيما يلينا نحن من أمر تلك الثورة، فهاهو التاريخ يقلب للبلدين ظهر المجن، وبعد أن كانت مصر تمارس قلقها السياسي من تأثير انفصال جنوب السودان على عافيتها الإستراتيجية وأمنها القومي وحصتها من مياه النيل، أصبح السودان اليوم يمارس رجاءه الدبلوماسي في تأثير الثورة المصرية وتداعياتها الإيجابية على استقراره السياسي، وعلى إرث الأخطاء الإستراتيجية التي خلفها النظام السابق في ملف علاقات تبادل المصالح التي تربط البلدين ..
النظام المصري السابق كان يتعامل مع قضايا السودان بعواطفه السلبية تجاه حكومته، دونما مراعاة لتبادل المصالح، ومواقفه غير المشرفة تجاه استفتاء الجنوب ومشكلة دارفور كانت – بشهادة ويكيليكس –  مقصودة جداً .. كراهية في هذه الحكومة من جهة، ونكاية في الريادة القطرية من جهة أخرى ..!
مصر الجديدة اختارت بالأمس قنصلها العام بجوبا ليكون سفيرها الأول في دولة جنوب السودان، وفتحت صفحة جديدة مع حكومة السودان القديم، التي كان النظام السابق لا يكاد يرى لها وجوداً أو وزناً حقيقياً يستحق عناء المجاملات السياسية .. ثم ها هي الزيارات الرسمية تفتح باباً لتغيير ما، إن لم يكن للأفضل، فلن يكون للأكثر سوءاً .. وهل هنالك أسوأ من سيناريو "السادة البهوات" .. و"أهالي العزبة" .. و"الفطير المشلتت" .. ؟!

الأحداث


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.