تأمُلات

• أولاً دعونا نعبر عن فرحتنا الغامرة ونحن نسمع بالأمس رئيس وزراء الحكومة الانتقالية الدكتور عبد الله حمدوك وهو يتحدث بثقة مُعبراً عن رؤية واضحة لمعالجة المشكلات التي يعانيها بلدنا.
• فبعد ثلاثين عاماً من الخراب والتدهور المريع في كل شيء، صار لدينا رئيس وزراء (فاهم) نستطيع أن نجلس أمام الشاشات ونحن مرفوعي الرأس لسماعه يتحدث للعالم.
• ولعلكم سعدتم مثلي تماماً حينما بدا واضحاً أن ذلك المراسل الأجنبي الذي لم نسمع كلماته ( بسبب رداءة الشغل الفني لقنواتنا) قد استسمحه عما إذا كان من الممكن أن يطرح سؤاله باللغة الإنجليزية.
• وبالطبع منحه الدكتور الخبير الفرصة لطرح سؤاله باللغة التي يجيدها وقدم له بذات اللغة إجابة واضحة ووافية دون تلعثم مثلما كان يفعل بعض الأقزام الذين تسلطوا على هذا الشعب الأبي طوال العقود الماضية.
• يا له من شعور بالفخر أن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب في بلدنا بعد هذا المخاض العسير.
• ولا أخفيكم سراً إن قلت أنني لحظات سماعي لكلمات الدكتور حمدوك كنت أشعر وكأنني أكتب مقالاً بصوت عالِ، حيث توافقت إجاباته مع الكثير مما يدور بذهني.
• بدا واضحاً أن الرجل لم يقبل بالمنصب، إلا لأنه يملك ما يستطيع أن يقدمه خلال الفترة الانتقالية بالغة الدقة والصعوبة.
• لم أتطرق طوال الفترة الماضية لإسم الدكتور حمدوك لا من قريب ولا من بعيد، لأنني لم أكن مرتاحاً لتسليط الأضواء عليه بذلك الشكل الكثيف فـ (النجيهة) الشديدة قد تشكل ضغطاً على رئيس حكومة تتشكل في هذه المرحلة الصعبة، إذا ما أفترض الناس أنه يحمل عصا سحرية لحلحلة كافة المشاكل والأزمات.
• كما لم تعجبني فكرة تسليط الأضواء بهذا الشكل الكثيف على رجل واحد ونحن نستشرف عهداً جديداً يسير فيه الناس وراء الأفكار وطريقة الحكم لا الشخوص الذين يحكمون.
• لكن الدكتور أثلج صدري حقيقة وهو يخفف ويزيل عن نفسه الضغوط بتأكيده على عبارة ( مع بعض نستطيع أن نفعل كذا وكذا) التي تكررت أكثر من مرة في حديثه القصير بعد تأدية اليمين.
• كما أعجبتني طريقة التفكير العملية واقتناعه بأن البراغماتية ستكون مفتاح مشاكل اقتصاد السودان المعقدة، مع عدم اهمال مجانية التعليم والعلاج ورفض المساومة حول قضايا وأوجاع البسطاء.
• وأكثر ما أسعدنا في حديثه هو تعبيره الواضح الصريح عن الصرامة الثورية، فهذا ما ظللنا ننادى به منذ أمد ليس بالقصير.
• فلا يعقل أن تقوم بثورة يضحى فيها الناس وتُزهق فيها أرواح الأبرياء الذين فدوا بدمائهم هذا الوطن وأنت ما زلت تجامل وتقبل ببعض العابثين من النظام السابق الذين أفسدوا حياة الناس، أو تأتي برجال جدد بلا كفاءة كافية أو مواقف مشهودة.
• صحيح أن الوضع المعقد الذي أدخلنا أنفسنا فيه جعل أمر التفاوض مع مجلس عسكري من بقايا نظام (الساقط) البشير ضرورة حتمية حتى نجنب البلاد مزيداً من الشرور التي أرادها القتلة واللصوص المفسدين، إلا أن ذلك لا يبرر استمرار بعض ( عواليق) النظام السابق في مناصبهم سواءً في السلطة القضائية والعدلية، مجال الإعلام أو غيره من المجالات الحيوية في البلد.
• وطالما أن الدكتور حمدوك عبر عن هذه الصرامة وأكد أنه لن يختار أياً من الثلاثة الذين ترشحهم قوى الحرية والتغيير لكل وزارة ما لم يجد فيه الكفاءة والشروط الصارمة المتفق عليها، فنتوقع منه أن يأتي بالصادق الأمين في كل وزارة حتى يعجلوا بعملية بتنظيف هذه الوزارات والمؤسسات مما علق بها من أدران خلال العقود الماضية.
• ولتكن ضربة البداية بالسلك القضائي فهو أساس كل شيء.
• فبدون قضاء مستقل ونزيه لن نستطيع أن نحقق ولا ( فتفوتة) من ثورة الشعب العظيمة.
• ورئيس القضاء الذي أُدي القسم أمامه بالأمس يمكنك أن تقرأ وضاعة الكيزان في عيونه وفي تحركاته، لذلك نريد من الدكتور حمدوك أن يدفع مع بقية زملائه في قوى الحرية والتغيير باتجاه مراجعة هذا القطاع الحيوي و(فلترته) جيداً، حتى يُمكنهم تعيين رئيس قضاء صادق وأمين ونزيه وشجاع عبر المجلس الأعلى للقضاء، بعد أدخلوا أنفسهم في هذه الورطة الصعبة.
• وما لم يتحقق ذلك سيكون من المستحيل أن تعبر ثورتنا أخطر وأصعب مراحلها.
• ثم يأتي دور الإعلام المهم جداً والذي أكد الدكتور في حديثه بالأمس على احترامه وتقديره له كسلطة رابعة في ديمقراطيتنا الوليدة.
• لكن هذا الإعلام لن يصبح سلطة رابعة حقيقة ما لم يتم تنظيفه سريعاً وتطهير مؤسساته من بعض الأرزقية وعديمي الضمير الذين ظلوا يكذبون على هذا الشعب على مدى الثلاثين سنة الماضية، وما زلنا للأسف نراهم حتى يومنا هذا يتبجحون و(يتفاصحون) وكأنهم كانوا جزءاً من هذا التغيير الذي استهدف (الفاسدين) في المقام الأول.
• بالأمس أجبرتني عودة الدكتور حمدوك وتأديته لليمين الدستورية للبحث عن المناسبة وسط مصادر الألم والحزن والكذب والتلفيق (قنواتنا الرديئة).
• عندما حانت لحظة تأدية اليمين ولم أجد لها أثراً في بعض القنوات العربية، تحولت مُكرهاً جداً لقناة السودان.
• لم يكن الأمر هيناً علي، فقد تشكل لدي حاجز نفسي رهيب تجاه غالبية قنواتنا السودانية، إن لم يكن كلها في الآونة الأخيرة ولم أعد راغباً في رؤية الوجوه الكالحة التي تمتليء بها، باستثناء شاب جسور وحيد في قناة سودانية 24.
• ولسوء حظي عندما أدرت الريموت باتجاه قناة السودان وجدت واحدة من هذه الوجوه الكالحة والمذيعات اللاتي لم يملكن مؤهلاً يمكنهن من شغل وظائفهن في هذه القنوات سوى التطبيل والنفاق والتدليس لأباطرة النظام البائد.
• بقيت هناك لنحو ثلاثين ثانية فقط تم قطع صورة تأدية القسم خلالها مرتين أو ثلاث مرات!
• ولا أظن أن ذلك حدث مصادفة، بل هو في ظني عمل مخطط له ويقف وراءه بعض المخربين.
• لم أستطيع متابعة القناة لأكثر من تلك الثلاثين ثانية، تحولت بعدها للقنوات العربية التي كانت قد لحقت ببقية المناسبة والمؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء الجديد.
• ثم علمت لاحقاً من الأخت سوسن محمد ابراهيم خليل أن الكوزة إيناس كانت تردد في حديث حول المؤتمر الصحفي " قال حمدوك"! !
• حمدوك (حاف) كده يا إيناس!
• أكاد أجزم لو أن قناتك استضافت جمال الوالي ، الكاردينال أو حتى وداد ما كانت أي مذيعة منكن ستتجرأ وتقول اسمه/ اسمها كده بدون لقب ( دكتور) رغم أن أياً منهم لم يجلس في قاعات الدرس أو يقدم البحوث والأوراق لنيل مثل هذه الدرجة الرفيعة.
• اسمه الدكتور حمدوك، وهو لقب حصل عليه بعرقه ومجهوده ومثابرته، فبلاش (سخف).
• وعلى ذكر الأخت سوسن لا أدري لماذا لم يستعين الأخوة في قوى الحرية والتغيير بالعم البروف محمد ابراهيم خليل، فهو علم على رأسه نار في مجال القانون وسياسي مخضرم وبارع ومعارض شرس لنظام ( الساقط) البشير.
• ما علمته أن للعم خليل بعض الملاحظات حول الوثيقة الدستورية التي أدخلتنا في عنق الزجاجة.
• فلماذا لم تُستصحب آراء مثل هذا العالم الجليل الذي كنت قد اقترحته في مقال في العام 2013 كمستشار للشباب حين دعوتهم لتشكيل حزبهم الخاص حتى يقودوا التغيير المطلوب بأنفسهم بعد أن فقدنا الأمل في الكثير من كبار الأحزاب!!
• عموماً (حدث ما حدث)، ولا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب، لكننا نُذَكِر حتى يستفيد الناس من أخطاء الماضي ويصروا على الصواب في كل خطوة قادمة.
• فلم يعد الوقت يسمح ولو بمجرد هفوة صغيرة.
• فهل يحق لنا بعد هذا الظهور الأول المُشرف لرئيس الوزراء الجديد الدكتور حمدوك أن نتطلع لاكتمال بقية فصول ثورتنا كما نحب ونشتهي أم أننا سنضيع هذه الفرصة الثمينة مجدداً!!

عجب وقرف واشمئزاز..
• من الطبيعي كما ذكر الدكتور حمدوك أن تجد آراءاً مخالفة لأي اتفاق أو فكرة، فهذه هي الممارسة الديمقراطية الحقيقية.
• من حق كل من عارض نظام المخلوع البغيض أن يتفق أو يختلف مع ما تطرحه قوى الحرية والتغيير.
• لكنني أتعجب وأشعر بالقرف والاشمئزاز عندما أسمع أشخاصاً مثل الدكتور على الحاج ودكتور محمد على الجزولي أو بعض (هلافيت) إعلام الكيزان يتباكون ويحدثون الناس عن عدم وفاء الاتفاق الذي تم بمتطلبات السلام ومختلف قضايا الوطن!!
• أين كنتم طوال ثلاثة عقود من الزمان!!
• هل تظنون أن شعب السودان غبي لهذه الدرجة التي يمكن أن يصدق معها أن دافعكم لمثل هذا القول هو الرغبة في أن يعم السلام والوئام البلد وحرصاً منكم على الحل الشامل!!
• لا والله، فهذا الشعب ظل يعبر عن رأيه فيكم جميعاً طوال التسعة أشهر الماضية، ومن لا يريد أن يفهم حر في ذلك.
• أما ناس التوم هجو و(بعض) رجالات الحركات المسلحة( عديمي المواقف) فنقول لهم كفاكم عبثاً وضحكاً على عقول الناس.
• تاجرتم طوال السنوات الماضية بقضايا أهلنا فيما تسمونه بـ ( الهامش)، رغم أن السودان كله ظل مُهمشاً خلال حكم الكيزان، والآن حين تشكلت غالبية المجلس السيادي من مناطق بعيدة عن المركز نراكم تأتون على سيرة المحاصصة.
• أنتم آخر من يتكلم عن المحاصصة، فكفاكم هراءً.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.