Sudanese Crises Management Group

في البدء تهنئ المجموعة السودانية لإدارة الأزمات جموع الشعب السوداني بإنفراج الأزمة السياسية في جزء منها بتوافق قوي الثورة والمجلس العسكري الانتقالي حول المجلس السيادي وتكوين الوزارة ، وهي خطوة في سبيل إنجاز مهام الثورة السودانية العظيمة نرجو أن تكون مقدمة لإرساء دعائم الإستقرار والشروع عمليا في حلحلة القضايا السياسية وتهيئة الأجواء لانتقال ديمقراطي سلمي وسلس. ونشيد بالجهود المثابرة والمضنية التي اضطلعت بها الوساطة الأفريقية الإثيوبية.
إن شد ما يثلج الصدر في هذا الإتفاق إرجاء تشكيل المجلس التشريعي ، وهو إجراء نثمنه ونضيف عليه ضرورة التخلي عن فكرة المجلس التشريعي من أساسه وذلك لأنه بتصوره الراهن يحمل مثالب تنذر بأزمات لأسباب متعددة يمكن اجمالها في :-

1. إن التشريع حق لا يكفل إلا عبر كيان منتخب جماهيريا.

2. غياب التفويض الشعبي للمجلس يجرده من الشرعية ولا يحمل الصفة النيابية التمثيلية الشعبية Popular representation المعروفة عن البرلمان.

3. المجلس في صورته المطروحة يقوم علي المحاصصة الحزبية بنسب معلومة (67% و 33 % ) وهذا من شأنه أن يهزم جوهر الفكرة الديمقراطية من وجود المجلس اصلا (حيث تصير الأحزاب داخل المجلس أحزاب سلطة).

4. المجالس التشريعية في النظم الديمقراطية النيابية الليبرالية تقوم علي التمثيل النيابي بالانتخاب الحر لكي يختار الشعب من بين عدة برامج من يمثله وهو الهدف الأصلي من وجود التعددية الحزبية.

5. المحاصصة بالنسب المطروحة ستؤدي لخلق حساسية بين مكونات قوي الثورة المتمثلة في قوي الحرية والتغيير مما ينذر ببروز انشقاقات حول من يُمثل بعدد كم من المقاعد، حيث ستظهر مشكلة الأوزان الحزبية وثقلها الجماهيري فقد لا تقبل الأحزاب الكبيرة مساواتها بالأحزاب الصغيرة وسيكون ذلك إعتراض وجيه وله ما يبرره.

6. لا يستطيع المجلس بتكوينه وتفويضه المقترح البت في أمهات القضايا لاسيما الخلافية مثل الهوية وعلاقة الدين بالدولة أو إجازة اتفاقية مثل ( الغاء كافة اشكال التمييز ضد المرأة - سيداو ) أو غيرها من الموضوعات الخلافية والاشكالية.

7. اسم المجلس هو المجلس التشريعي الانتقالي وفي الأصل أن أي مجلس تشريعي هو انتقالي وذلك لطبيعته المحدودة بزمن (الدورات النيابية) فكل دورة هي أمد المجلس يُحل ثم يُصار إلي انتخابات عامة تفضي لمجلس جديد وهكذا دواليك.

8. اختارت الأحزاب المنضوية في قوي الثورة (قحت) إطالت أمد الفترة الانتقالية لضرورات موضوعية ومفهومة ، منها إعادة بناء نفسها وترميم علاقتها مع قواعدها التي تأثرت بمجمل سياسات النظام البائد ، غير أنها في ذات الوقت تريد أن تستأثر بحق التشريع من خلال تمثيلها في المجلس التشريعي مما يقدح في صديقتها ومبدئيتها تجاه قضايا الحكم والتمثيل.

9. تضمن الإتفاق الحالي بين قوي (قحت) والمجلس العسكري أن يتم التوافق علي أمر "التشريع " بين المجلس السيادي ومجلس الوزراء لفترة ثلاثة أشهر الي حين التوافق علي توزيع مقاعد المجلس التشريعي ، إذا كان هنالك إمكانية بهذا الشكل يجب أن تستمر طوال الفترة الانتقالية دون الدخول في حرج المجلس التشريعي غير المنتخب والاستعاضة عنه بإصدار المراسيم فقط.

10. في النظم البرلمانية عادة ما يقوم البرلمان بمنح الثقة للحكومة إيذاناً ببدء أعمالها وهو وحده من يملك حجب أو سحب الثقة منها. وفي الترتيب الحالي سيسبق تشكيل الحكومة قيام البرلمان مما يجعل العملية المؤسسية مقلوبة رأساً علي عقب ، ويؤكد من عدة زوايا أن البرلمان عديم الصلاحية وعاجز عن أهم مهامه، ووجوده مجرد صورة لا أكثر ولا أقل.

11. تقوم الفكرة المركزية في البرلمان من أغلبية تدعم الحكومة واقلية تشكل المعارضة ، الصيغة الحالية لتكوين المجلس لا تفرز من هم الأغلبية ومن هم الأقلية وما هي صفة زعيم المعارضة البرلمانية أهو ضد أهداف الثورة مثلا؟! أم هو ضد إجراءات الحكومة وتصوراتها وبرامجها ؟! علما بأن الحكومة ليست حزبية إنما حكومة كفاءات.

12. جملة الأسباب السابقة ستجعل القوي السياسية في موقع تساؤل تاريخي وأخلاقي حول إنشاء والدخول في كيان تشريعي غير منتخب ، ويجعلها في موضع الاتهام بإستنساخ ذات الممارسات الشمولية التي ثارت ضدها بفارق بسيط وهو أنه في السابق كان هناك حزبا حاكما واحدا والآن هنالك تحالف لأحزاب حاكمة مع الإبقاء علي جوهر الفكرة الشمولية المدنية.

13. لو حدث وتم حل البرلمان لأي سبب لن تكون له القدرة والحجة القانونية التي يمكن أن يرتكز عليها ضد إجراء حله لأنه ليس منتخب من الشعب ولا مفوض من قبله.

14. فكرة حشد المجلس التشريعي بعضوية الأحزاب أو من تختاره يؤسس لمبدأ العبث بالمؤسسات الديمقراطية ، حيث يمكن أن تنسحب نفس الممارسة علي القضاء وغيره من الدوائر الحساسة وبذلك يتم التمهيد لتقويض فكرة إرساء دولة المؤسسات.

تأسيساً علي النقاط الواردة أعلاه فإننا نري ضرورة التخلي عن فكرة المجلس التشريعي والذي ينذر قيامه بأزمات قد تتولد من داخل المؤسسات المفترض أن تقود للتحول الديمقراطي المنشود.

إن كان لابد من إيجاد جسم تمثيلي فاليكن جسم رقابي مشكل من قوي الثورة يضطلع بمهام الرقابة علي الأداء الحكومي ومراجعة الموازنة دون أن تكون لديه صلاحيات تشريعية كما تكفل للبرلمان في الظروف العادية.

إن هذا البيان هو مساهمة لقرع جرس الإنذار بضرورة أن تتسق مرحلة الانتقال بكل تعقيداتها مع النظم الديمقراطية المرعية حتي لا تحمل الديمقراطية القادمة بذرو فنائها في داخلها كما أنه تجسيد للمقولة الذهبية في علم إدارة الأزمات (أن تأتي متأخرا خير من الا تأتي).