عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نموذج: رابطة الأصدقاء الأدبية بكوستي ونادي القصة – الخرطوم
رابطة الأصدقاء الأدبية بكوستي :
فضاء عام :
هذا (حديث) من الذاكرة , عفوي .. تلقائي طبيعة الذاكرة النائية وهي تحاول اختراق هشاشة بعيدة ,  فتجد نفسها غير محكومة بمناوراتها(الذاكرة) ومكرها , و يستهدف(الحديث) طرح عدد من الأسئلة بصورة غير مباشرة من خلال(التجربة الذاتية لي – كأحد الأعضاء المؤسسين لرابطة الأصدقاء الأدبية_1986 ونادي القصة السوداني- 2000 وما بينهما من تجارب لم يكتب لها الاستمرار لعوامل مختلفة) في   محاولة مقاربة مفهوم " الوسط الثقافي " في السودان .و في سبيل فتح الحوار حول تجارب أخرى شبيهة مثل : رابطة سنار الأدبية , رابطة الجزيرة للآداب والفنون , رابطة النوارس بور تسودان , الخ .. فمن خلال كل هذه التجارب (لو كتب أعضاءها عنها )ربما نكتشف  بدراستها القوانين التي تحكم النشاط الثقافي في السودان ,في مسيرة  صعوده وانحداراته , وأسباب هذا الصعود أو ذاك الانحدار , وبالطبع سأكتفي بسرد وقراءة التجارب التي كان لي بها صلة , على أمل أن يشاركني الآخرون من مختلف (مدنهم) بالكتابة والقراءة لتجاربهم حتى نمتلك جميعا صورة عامة , تضيء لنا مستقبل العمل الثقافي في السودان. وادعوا هنا بصورة خاصة الصديق القاص النيل مكي قنديل من رابطة سنار الأدبية , والصديق الشاعر:بابكر الدقوني من رابطة الجزيرة للإسهام بتجربتيهما , إلى جانب الدعوة المفتوحة للجميع بالإسهام في هذا المعنى .
 إذا كان الوسط الثقافي هو ذلك الفضاء الواسع, الذي يتم تداول المنتج الإبداعي داخله ,ومن ثم تحديد قيمته الجمالية(ما يعني تطوير التجربة الإبداعية واغنائها ونشر الإبداع) نجد أن الروابط الثقافية في العاصمة والأقاليم هي ما شكّل ذلك الوسط الثقافي في السودان, في ظل غياب مؤسسات الدولة(خاصة مؤسسة الثقافة) التي من المفروض أن عبء هذا الدور يقوم على عاتقها , بحيث يكون دور الروابط الثقافية ثانويا . والشاهد في تجربة الأقاليم والعاصمة, أن الروابط تحملت هذا العبء كأمر واقع ,فمؤسسة الدولة اختارت أن تقف على طرفي نقيض مع هذه الروابط(مستهدية بتحسس مسدسها كلما سمعت مفردة ثقافة), خاصة في ظل غياب أو عدم فاعلية إتحاد الكتاب أو الأدباء , وتعرضه (في الفترات التي لم يتعرض فيها للحل من قبل النظم الانقلابية )إما للتوظيف الأيديولوجي أو الملاحقة الأمنية لاعضاءه .
هذا الدور : دور" الوسط الثقافي" الذي ظلت تلعبه الروابط الثقافية , يحتاج لقراءة الآن(في عصر منتديات الإنترنيت = الروابط الثقافية الفضائية, فبالجلوس إلى أي café net  أصبح الفرد منا  يمارس المثاقفة مع أي شخص آخر في أي مكان آخر , ما يجعلنا نتساءل : هل  الانترنيت حلّ محل تلك الجلسات الحميمة التي كانت تستضيفها أسرنا ,في الصالونات أو الحيشان  في "قعدات " شاي "المغربية" , وتبادل الإبداع والآراء : كما كنا نفعل في "مدينة كوستي" ونحن نجتمع لنقيم أعمال بعضنا, أو نعقب على آراء بعضنا ؟) , ولن نتمكن من هذه القراءة التي نطمح إليها , إلا باستعادة تجارب الروابط الثقافية , والأدوار التي لعبتها , وتحليل هذه الأدوار , للكشف عن جزء من عمل الذاكرة الثقافية السودانية (هذه الذاكرة الفريدة لإنسان السودان المحب للمعرفة والثقافة والأدب والعلم )في لحظة من لحظات التاريخ الثقافي التي أضافت إلى المشهد الثقافي الإنساني العام على مستوى السودان ككل.
ما أثارني للشروع في الكتابة حول هذا الأمر:( تجربة الروابط الأدبية ), هو التعليق "الحميم" للصديق القاص عبد الحميد البرنس في معرض حديثه عن روايتي"لا وطن في الحنين" لدى نشر الصديق علاء الدين سنوري لها على بوست سودانيز أون لاين . (فهو في كندا وأنا في القاهرة والموقع سودانيز في أميركا وسنهوري في السودان, وجمهور القراء للبوست من مختلف أنحاء العالم"سودانيين الشتات", ومع ذلك جميعنا مارسنا المثاقفة على صفحة البوست , لكنها كانت مثاقفات رقمية معلبة تفتقر لما اعتدنا عليه من روح .. أبدا لم تكن كتلك المثاقفات الحميمة في المساءات في بيت احدنا :أمامنا أكواب الشاي باللبن واللقيمات , يا لجمال ذلك الزمن النبيل! ). عبد الحميد عباس أو عبد الحميد البرنس , هو أحد الأعضاء المؤسسين والبارزين لرابطة الأصدقاء , وإن كان قد غادر السودان إلى القاهرة منذ وقت مبكر من تجربة رابطة الأصدقاء .
استعاد عبد الحميد إلى داخلي مرة أخرى , عوالم ظلت منفية لوقت طويل , بفعل الهموم المتعاظمة , التي لم تترك لنا مساحة للعودة إلى الوراء, وإلقاء نظرة جديدة مختلفة ,على ماكنا جزء منه من تجارب ذات يوم .. خاصة أن هذه الهموم نهض فيها لاحقا غبار الغربة , وتراب الترحال, وركام الحنين إلى ما خلفناه وراءنا من شجن , يتلفت القلب بين آن وآخر عله يصطاد منه نظرة , تكون معينا لأيام قادمات , فتخف حدة الغربة والاغتراب بهذه "الزوادة" التي نستلها من قلب الذكريات : الذكريات التي ربما يكون بعضها حميما وبعضها الآخر مؤلما وبعضها بين بين. . لكن هكذا هي الحياة  بمراراتها ونبلها في آن والا لأطلقنا عليها اسما آخر , فديناميكيتها تستمد من نقائض المشاعر ومتناقضات القيم , ومتضادات الحنين والشجن بما يعتمل فيهما من مواقف وأسى .. ربما ..
إذن من هنا تكون البداية : من كوستي . مدينة ساحرة كجنيات البحار , تغسل في "المغارب" شعرها , وتمد إلى عاشقيها أكف تضوع برائحة البحر – الطمي – طين الجروف- نبتة المعونة وأعشاب النيل الأخرى  بملمسها البارد . كوستى كما تصورها شعراء رابطة الأصدقاء الأدبية عبد الله إسماعيل : أنثى حيية , لا تخلو من ذلك الجمال الذي ليس له اسم .. أو كما تصورها الشاعر التوم ود البخيت , برؤية مقطعية من الخارج , تطل عليها رفاعة الهوى , ليشكلان معا سيرة من سير التوم فضل الله سالم في حروب البدو "الجمع" و"دار محارب" , التي تضاهي سيرة أبو ليلى المهلهل . وبينهما ينهض  قريب الله محمد فرح فيختار حبيبته " قمر الزمان" موضوعا لنص يجسد الدهشة كوستي التي لم تكفها مياه نيلها , فاغتسلت من "قيزانها" الرملية التي تحددها غربا  , فلا يجد الفاضل فضل عندها  مناصا من كتابة أبيات عذبة الإيقاع نكاد نتحسسها تبصم على شوارع المدينة وأزقتها ودروبها وحواريها , في خطى السابلة , وتهامسات عابرو السبيل : أنها كوستي .. كوستي .. كوستي .. لتمضي كخطى القرين خلفنا ..حتى يوقفها ناظم بابكر في منتصف المسافة , وهو يهتف ليلتف حوله كل هؤلاء المارة وأولئك , ليقود بهم ثورته الجديدة لأجل الفجر المسلح  في كوستي , فلا يجد شمس الدين فضل بدا من "تفجير بالونه" الشهير تضامنا مع شعب كوستي الخاضع للأحكام العرفية , وتوابعها من كبت وقهر في زمن لاحق !!..
كوستي منتصف الثمانينات ليست هي كوستي الآن .. كانت كوستي مدينة حميمة مرحبة ورحبة, بمثابة وطن لكل الذين لا وطن لهم : جاؤها من أصقاع السودان المختلفة, ومن الجوار الأفريقي الغربي . اختلطوا بسكانها وضربوا جذورهم في أرضها, وصاروا جزء من ذاكرة المكان, وذكريات المدينة وحاضرها .. في هذا المناخ نشأت رابطة الأصدقاء الأدبية في العام 1986 .. كان السوق الشعبي في بداياته ببناياته الواطئة المتفرقة هنا وهناك , وكان (موقف) وسوق( الفشاشوية) بعد لا يزال في أوج مجده , لم يتشرد تجاره ومزارعيه بعد , وتحل محله "الملجة" بعجورها وطماطمها وبطيخها ,تنتظر أن:( اهبطوا فيها وكلوا من شمامها و"در دقوها" وخيراتها الأخرى ). كان موقف الفشاشوية  بعد لا يزال يلفت الأنظار ببائعي الراتب المهدي ( والسبح والطواقي وجزء عمّ, والحصن الحصين وقرة العيون ,الخ ..) المتجولين بين لواري الريف الغربي والجنوبي والشمالي للمدينة, فكوستي ليست مجرد مدينة محددة , فهي منطقة كبيرة تشمل "قرى" و"فرقان" و"حلال" وأشباه مدن .. كانت المسافة بين ضريح سيدي الشيخ الطيب الناهض على مقربة من الشاطيء جوار الملجة , وبين أكوام البطيخ والسمك .. كالمسافة بين اثنين ينادي أحدهما الآخر , فكل شيء في كوستي كان قريبا من كل شيء .
هذا القرب هو ما حكم علاقات الناس ببعضها البعض , حتى السنوات نفسها كانت متجاورة , فقد خرجت المدينة لتوها من السبعينيات وشارفت منتصف الثمانينيات , دون إن يشعر احد بذلك , إذ لا تزال السبعينيات الزاهرة تسم بكل محمولاتها ذاكرة المدينة الخارجة من النهر لتوها . فكوستي مدينة قليلة التأثر(وقتها) بقوانين الفيزياء وأضاليلها . فهي كأًسرة ممتدة تنهض في (ميثولوجيا الأرزاق) وأساطير الأولين الذين عاشوا في ريفها الغربي والشمالي في كر وفر ..ولذلك ليست ثمة تعقيدات اقتصادية في نظامها , والقاعدة الأساسية "الكل مستور" .. من قلب هذا المناخ الريفي – المديني البسيط , المفعم بالدفء و بالانتماء لكل شيء خرجت رابطة الأصدقاء الأدبية, كامتداد لتجربة الروابط الثقافية ,التي لا تزال أصداء شعر العبادي والعباسي وعلاقتهما بذاكرة المدينة, ترن في الفضاء الواسع لتجربة نادي كوستي الثقافي ( المرابيع ) العتيق الذي بدأ بريقه يخبو بعد سطوع دام لأكثر من خمسة عقود .. لم يعد نادي كوستي هو ذات ذلك الملتقى الذي شهد المطارحات والمجادعات , فقط ثمة أثر وحيد تبقى من ذلك المجد : هو العم محمود عكاشة الشاعر الغنائي العذب .. آخر من تبقى من جيل الشعراء القدامى   the old poets generationالذين أشعلوا سماوات كوستي ذات يوم بالحنين والشجن .. وتصدوا للشاعر الواثق في وقت ليس بعيد عندما "شتم" المدينة (اتصالا بتجربته العتيدة , في شتم المدن السودانية بدء بأم درمان التي تحتضر وصولا إلى كوستي التي لم يجد شيئا يهجوها به سوى حي الرديف الجميل , الذي أوحى لكثر بعوالم لم تخطر لهم على بال , والذي أخرج لهذا العالم "التو مات" فمنحنه إيقاع التمتم الذي شكل إضافة وإسهاما كبيرا في الهارموني "الانسجام" الغنائي ). كانت كوستي هكذا تقترح عبر الرديف خطوة أولى تجاه إيقاع موسيقي قومي .
في هذا الاتصال  والتواصل نهضت التجربة الوليدة"رابطة الأصدقاء الأدبية" , كمشروع تحت التأسيس تنازعته الكلاسيكية  والواقعية الاشتراكية والغنائية الرومانسية , وجنح نحو الحداثة والتجريب متعثرا في كل خطواته ..طرح هذا المشروع الأستاذ القاص الجميل  صديق الحلو اثر عودته من العربية السعودية . وكانت لا تزال وقتها شعارات انتفاضة مارس ابريل المجيدة, تشعل الحماس في النفوس وتولد في المدينة مناخا شبيها بمناخ حركات التحرر في الأربعينيات والخمسينيات ومطالع الستينيات  . فقد خرج الناس من تجربة قهر وملاحقة مريرين, امتدت لأكثر من عقد ونصف (1969- 1985) كانت خلالها كوستي مدينة مغضوبا  عليها من النظام المايوي, اشتهرت بنشاطها السياسي اليساري و"الأمي"  : نسبة لحزب الأمة  وتعاطفها مع الجمهوريين  , فكانت(صفوتها ) شرهة (في هذا المناخ ) لشعر المقاومة الفلسطينية شرهة لروايات دار رادوغا , شرهة لقصص دار العلم للملايين , ودار العودة شرهة لكل ما يشعرها بأنها حية وتقاوم الموت حتى الرمق الأخير , وقادرة على أن تصنع من ذكرى القمع البائد معبرا نحو غدا جميل . ومن ذكريات الحزن حصونا لفرح يمتد .. بهذه الروح العارمة انضم العم ناصر بابكر النقابي الاشتراكي القديم قدم الحرس الأحمر إلى الرابطة واحتضن منتدياتها في منزله , ممسكا يد بيد الأستاذ صديق (حمامة السلام عندما تشتد المعارك بين الأعضاء), وتوالى الأصدقاء واحدا تلو الآخر يحلمون بسقيا الفولاذ , والأرض البكر وعبور الجسر : كان ذاك حماس أيديولوجيا شعبية تخص كوستي وحدها .. أيديولوجيا خبرت الحياة العملية وانعكاساتها على الثقافة والإبداع لأكثر من ستة عقود . أيديولوجيا صاغت وجود الأصدقاء : عبد الله إسماعيل – قريب الله محمد فرح- وعبد الحميد عباس : أنيقا في حديثه وتعبيره عن محبته و – محاسن علي دوكة– نجم الدين كرم الله – وآل فضل(الفاضل , نجم الدين وشمس الدين ) وناظم بابكر الشاعر المسلح بتجربة تشي غيفارا : جميلا ونبيلا مثله , لكن متطرفا إلى حد مخيف !! وأخيرا جدا منال حمد النيل وسلمى النذير وصلاح عوض الله  وبين كل هذه الأسماء أسماء أخرى سقطت من ذاكرتي الآن بطول المدة , فعذرا لمن لم يجد اسمه  .. وهكذا نهضت رابطة الأصدقاء في تباينات الاتجاهات الراديكالية لليسار ألأممي والقومي . واليمين الوسطي والطائفي . باستثناء الجبهة الإسلامية التي لم يكن مرحبا بها , فانزوت في أربعة منفيين كونوا جسما يخصهم .سرعان ما تلاشى , فقد كان بعيدا عن روح المدينة وأحلامها الثقافية .
تلك  كوستي ,مدينة عجيبة يعج فضاءها الواسع بالحياة .. في الوجوه السمراء , الشوارع , كلاب أحياءنا الفقيرة , بائعات الفول المدمس والطعمية , والشارع المترب الذي أصبح يشق المدينة إلى نصفين , منحدرا من السوق الشعبي باتجاه الشمال متخطيا أبو شريف . أو منحدرا من السوق الكبير مار بأستوديو صلاح متخطيا زريبة البهايم الجديدة مارا بالوساع ومتجاوزا تند لتي ييمم وجهه شطر الأبيض .. إنها كوستي الجديدة , فالحركة التجارية والزراعية تلفظ أنفاسها الأخيرة , فالحكومة الانقلابية الجديدة قررت تصفية مراكز نفوذ حزب الأمة (الذي ينتسب إليه المزارعين  داخل وخارج التخطيط جنوب وجنوب غرب المدينة  ومزارعين الجروف . شمال وشرق المدينة = فكوستي مدينة نهضت في الزراعة الآلية والمطرية ) وهكذا بتصفية مركز نفوذ الأمة تصاب المدينة بجرح عميق ظل ينزف وينزف , ولا تتوقف الطغمة الانقلابية عند هذا الحد إذ تصفي مراكز نفوذ الاتحاديين بمعنى قضاءها على الحركة التجارية . وهكذا تشهد المدينة عصرا من الاعتقالات للمزارعين والتجار , وميلاد حركة زراعية وتجارية طفيلية , ومع إعلان الحرب الجهادية على الجنوب , تتعقد ممارسة المزارعين والتجار الطفيليين الجدد فإلى جانب تجارة الحرب ,  أصبحت الزراعة عبارة عن تجارة في  تصديقات الجاز والتجارة  التجارة نهب منظم وتلاعب بحركة السوق وهكذا تم خلق  نشاط هامشي فأصبح المسيطر هو السوق الأسود , وأصبح الميناء النهري منفذا من  منافذ التهريب غير المشروع (خارج النظام الاقتصادي) من والى الجنوب  , وهكذا تبرز إلى حيز الوجود تعابير مهيمنة  إلى الوجود مرة أخرى , تعيد أخريات أيام التجربة المايوية إلى الأذهان مرة أخرى مثل :" بيع السلم"." الاسلاربوية – القرض الحسن – فثقافة الزراعة والتجارة الإسلاميتين (المزعومتين) تتوطنان كمرض مزمن يدفع السكان للجلاء عن ديارهم ,التي شهدت مولدهم ونشأتهم وصباهم وذكرياتهم . وهكذا يهرب سكان المدينة باتجاه العاصمة , فمدينتهم لم تعد مدينتهم بعد أن امتلأت ب"الزعانف" والمؤلفة قلوبهم والانتهازيين من الفصائل المختلفة فتناسلوا  كالفطريات والطحالب و انتشروا كالفيروسات والجراثيم و استحالت حياة المدينة إلى شقاء وضجر!! بعد أن أدخلت  هذه الكائنات الطارئة على تاريخ المدينة المجيد الدين في مأزق سؤال موضوعي في علاقته بالممارسة النظرية والواقع الفعلي ..
ترتب على هذا الانهيار المتسارع للمدينة التي كانت مزدهرة بناسها ونمط حياتها تشريد وتشرد المبدعين فلم تعد تلك المنتديات التي ألفناها تقام إلا لماما وفي ظروف استثنائية بالغة التعقيد فالتجمعات محظورة بنص القوانين العرفية للجبهة الإسلامية .
لم تعد كوستي هي ذاتها المدينة التي أحببنا , الوطن الذي ولدنا فيه وتفتح وعينا بين منتدياته وأحياءه . صارت كمدينة شبح .
النشاط الثقافي لرابطة الأصدقاء (86-1993) ورياح التحولات :
إنها تداعيات من الذاكرة , تلزمها للتواصل مداخلات الآخرين حولها ومعها فالذاكرة المشتركة مهمة في الكتابة , إذ تضيء لها أكثر فأكثر ..
وبالحديث عن الذاكرة المشتركة . أجد أن للذاكرة عموما نشاط غريب , شبيه بنشاط الفرد في التاريخ , فهي تقيم من بقايا الصور لوحة مكتملة , ومن ركام الذكريات فيلما متسقا , بعد أن تنفض عنه غبار الأيام وابتلاءاتها , ليصبح متسقا بوقائعه ولحظاته التي تنهض فيها مختلف الأحاسيس والمشاعر . فكل لحظة من لحظات عمل الذاكرة , تمثل عالما هاربا يسترد لينهض من جديد في سياق متسق .. يا لهول هذه العملية المعقدة , في هذا المخزون الرهيب للذاكرة منذ تكونت في رحم الأم , حتى انتزعت منه لتخرج إلى الوجود , لتكون صدمتها الأولى في اشتقاقها من كيانها والدخول في كيان آخر مجهول :هو كيان الأسرة الوطن العالم..
 فتبدأ الذاكرة في التحول من بداوتها وبراءتها , لتتسق مع معمارية محيطها .. لذلك كانت كل فقرة تتداعى عنها هذه الشهادة, تضيف لهذه الشهادة المتعلقة برابطة الأصدقاء  بكوستي, وأتمنى لو يكتب أعضاء الرابطة في هذا السياق مداخلاتهم لتكتمل زوايا الرؤيا , من خلال تلك التجارب والمشاهدات .. فالمشاهدات للناس والجغرافيا تنطوي على السلوك الثقافي للمكان, فخصائص المكان تسم كل شيء حولنا , وهي خصائص عمل الذاكرة فيه , قطعا .. هكذا محاولة للجوس في ذاكرة المدينة ربما  تنجح في  ترتيب وقائع وأحداث ترتبط بموضوع هذه الشهادة ..
شهدت الفترة من 86 – 1993  نشاطا مكثفا للرابطة , فضلا عن المنتديات التي كانت تقيمها, في بيوت أعضائها.. كانت مساهماتها في إحياء الليالي الشعرية (في ختام الأسابيع الثقافية للكورسات الصيفية,  التي كان يقيمها أبناء المدينة بالجامعات ) فعالة . فقد أسهمت الرابطة في الفعاليات الثقافية( لرابطة طلاب كوستي ب : الجماهيرية الليبية , جامعة القاهرة فرع الخرطوم (النيلين حاليا) , معهد الكليات التكنولوجية (جامعة السودان حاليا) , جامعة الجزيرة , الخرطوم , أم درمان الإسلامية , جوبا , الخ من روابط أبناء كوستي بالجامعات والمعاهد العليا , أسهمت مع كل هؤلاء وأولئك في إنجاح برامجهم الثقافية في المدينة , بشعرائها وقصاصيها , إذ كانت تستجيب لدعواتهم , وتلبيها في العديد من الأماكن : نادي" التنس أو الخريجين "أو" نادي كوستي  الثقافي الاجتماعي "أو المدارس العليا التي كانوا يقيمون فيها أنشطتهم , وتصدح سماوات المدينة بعدها لأسابيع بوقائع تلك الأمسيات الثقافية ..
 كذلك شهدت هذه الفترة فعاليات للرابطة, في مقار بعض الأحزاب بدعوة منهم .. هذا النشاط المحموم للرابطة ابرز إلى سطح الحياة الثقافية في المدينة, أسماء لمعت بفضل الرابطة مثل: التوم احمد البخيت  الشاعر الحداثوي العذب , وقريب الله محمد فرح  شاعر الغنائية الجميل وناظم بابكر الشاعر الثوري الجريء وعبد الله إسماعيل بشعره الرصين , كأن ذاكرته(عبد الله إسماعيل اعني) التحمت بعصور الشعر العربي المتقدمة (الجاهلي , الأموي , العباسي) ولم ترغب في المغادرة . أذكر أنني كرهت الخليل ابن احمد الفراهيدي بسببه , فهذا الرجل لا ينفك يطبق عروضه على كل قصة قصيرة اقرأها له , فكرهت الفراهيدي واللغويين ولا أظني سأحبهم يوما !! وانسحب ذلك بالطبع على علاقتي بالشعر (أب ضلفتين , أي شعر الصدر والعجز ) ..
كانوا أشخاصا جميلين يحلمون للمدينة وناسها بعالم فاضل وإنساني ونبيل , كانوا يتقلبون بين الغزل والثورة والمجتمع , كانوا شعراء حقيقيين لو توافرت لهم ظروف أخرى ,غير ظروفهم ,لربما أسهموا بفتوحات شعرية تغني تجربة الشعر في السودان, وتمثل إضافة حقيقية لمسيرته العامرة بالإنجازات ..
ما يقفز إلى ذاكرتي الآن هو جديتهم في الإسهام مع شعراء المدينة ,الآخرين. في صناعة فعل إنساني جاد رغم محاولات الاختراق التي مارسها شعراء" الحلمنتيش" الدخلاء الذين حاولوا أن يحرفوا التجربة الجادة لهؤلاء الشعراء الخضر اليانعين كزهور برية , تعدى أريجها الحدود الضيقة لكوستي  المدينة فشمل النيل الأبيض ..
فالحلمنتيش (سيء الذكر والسمعة ), كان مقترح شعري اسلاموي(الجبهة الاسلامية) في المدينة (وهذه مفارقة بالنظر لارتباط اللغة العربية نفسها بالقرآن الكريم بحيث تستمد قداستها(المزعومة) منه لأنه دين والدين مقدس . لكن اللغة ليست مقدسة فهي كائن حي يتعرض للتغييرات عكس الدين" المعتقد", ومع ذلك  الاسلامويين ينظرون لها كمقدس بالتالي ينبغي ألا يبتذلوها ( على الأقل ليتسقوا مع اعتقادهم ), ولكن للأسف  ابتذلوها في الحلمنتيش , والبذاءات باسم تسليط الضؤ على الظواهر السالبة في المجتمع . ونحن الذين كنا ننظر إلي اللغة ككائن حي يتأثر يوميا وينمو وتحدث له تغييرات , نحن مع ذلك كنا ندافع عن اللغة العربية ونرفض ابتذالها , على عكس دعاة قداستها الذين كانوا يبتذلونها كل يوم . قال أحد شعرائهم في كوستي :
 لاقيتها في جزر السمك
ريحة بخورها تسوي بق
عينيها جوهرة في طبق ..
جات دافرة زى تمساح ربك
 ولم يكتفي الرجل بلقاء حبيبته في جزر السمك  برائحته المريعة ومناظر جزاريه بسكاكينهم المخيفة , وتوصيفه لعينيها بهذه الطريقة البشعة فوجهها قبيح  كالطبق لكنه يحتوي على جوهرة مع ذلك .. هذه أمور نسبية في التذوق لكن مع ذلك يبقى القبيح هو ما تم الاتفاق على قبحه .
وقال آخر متأثرا بهذا الهراء :
جكس ياي
تلزو غادي يجيك جاي ,
يا خوي دا ما بينفع معاك ولا معاي ..
. عموما كانت الحرب شرسة من قبل عدد من أعضاء الرابطة ضد تغول الحلمنتيش . وأسهمت هذه الحرب إلى جانب عوامل أخرى ,لاحقا في الانقسامات المتتالية في الرابطة .
كنا نريد شعرا حقيقيا , بلغة حقيقية نابعة من الوجدان , مصدرها الحياة الخصبة للإنسان , ونتصور أن الشعر الحقيقي لا يمكن أن يجد في ابتذال اللغة بالحلمنتيش وسقطه مصدرا لرواجه وإنسانيته وجماله , كنا نريد لغة جميلة تعبر عن الجمال . وهذا لم يروق لكثر .
استطاعت رابطة الأصدقاء إذن حتى من خلال هذه المعارك أن تشكل اسمها, وتفرضه على الساحة الثقافية للمدينة , وسط مناخ موتور ومتوتر , يعج بحركة الاستقطاب السياسي الحاد , فكل تنظيم سياسي كان يرى أن عليه التحكم في الرابطة ,وتوجيهها وتحويلها إلى واجهة من واجهاته , اجتهد في هذا الأمر اليمين واليمين الطائفي واليسار على حد سواء , ولكن ظلت الرابطة صامدة تعبر عن نفسها فقط دون أن تلينها رياح الاستقطاب الحادة , فلم تتحول أبدا إلى أداة لأي قوة من القوى المتصارعة على السيطرة عليها .
واتسعت تجربة الرابطة , وتعلمت من هذه التجربة نفسها الكثير , إذ أوحت لها تجربتها بالتحالف مع روابط أخرى تمارس أجناسا أبداعية مختلفة عن الكتابة , وهكذا التقت رابطة الأصدقاء الأدبية المهمومة بالشعر والقصة بفرقة الإبداع المسرحية , وندى البراءة المسرحية والأضواء المسرحية  وبالتنسيق مع هذه الروابط خرجت رابطة الأصدقاء إلى ريف كوستي لتقدم فعاليات متنوعة في بلدة "قلي" و"الطويلة" وقرى "أم غانيم" و"والوساع ", الخ ..
وتقبلت دعوات مصنع سكر كنانة وأقامت في نادي الموظفين فعاليات اظنها لا تزال في ذاكرة النادي . ربما كان اتجاه الرابطة حينها تجاه الريف أو خارج المدينة , هو إدراكها أن هذا المحيط بمثابة المكمن البكر والمصدر لقوة الفعل الإنساني , التي لطالما حلمت النصوص بالتعبير عنها . وربما أوحى ذلك للأستاذ صديق الحلو برحلته إلى جنوب السودان مع عدد من الفرق المسرحية والغنائية  بكوستي لإقامة فعاليات هناك رحب بها الأخوة الجنوبيين , في ظني كان الحلو بتوقه الشديد لتوسيع دائرة تأثير الرابطة , مضى جنوبا يحلم بتلاقي الأطراف ولو على المستوى الثقافي ولكن هموم الحياة لم تتح له المواصلة في هذا الاتجاه الذي أتصور انه مهم لأن كوستي حدودية مع الجنوب تؤثر عليه وتقع في دائرة تأثيره .
أذكر الآن جيدا انه كان على الرابطة أن تجتمع مساء 30 يونيو 1989 لمراجعة أوضاعها والبت في شأن انتخاب مكتب تنفيذي جديد , فقد استمر المكتب التنفيذي منذ مرحلة التأسيس حتى الآن( في 1989 ) دون أن يحل نفسه , أو يقيم أعماله خلال هذه المدة الطويلة . وكان تكوين مكتب جديد في خضم صراع حاد بين أعضاء الرابطة (على الرغم من موضوعيته في بعض الأمور, لم يكن يخلو من جوانب شخصانية خاصة أن احد الأعضاء أساء استخدام ختم الرابطة) , وهكذا بين ما هو موضوعي ومشروع في تكوين مكتب جديد وبين ما هو شخصاني وضع الأساس  لتمزيق عرى الرابطة لدى أول اختبار للمطالبة بالمؤسسية . ويبدو لي الآن أن المؤسسية هي مشكلة كل التكوينات في بلادنا سواء كانت ثقافية أو سياسة : لا احد يريدها , وهذا سؤال يحتاج إلي بحث عميق وجدي : لماذا يرفض المثقفون السودانيون المؤسسية , ويميلون لعدم الموضوعية و"شخصنة" الأمور أو تعليقها دون حل ؟ لماذا ؟ .. ويبدو الرفض للمؤسسية وحب الهيمنة أكثر وضوحا في مؤسسات المجتمع المدني , للمفارقة ليست التي في الخرطوم فحسب بل حتى , مؤسسات المجتمع المدني السودانية بالقاهرة .
المهم أن اجتماع مساء الانقلاب لم يتم في المكان الذي حدد له سلفا بسبب التخويف والإرهاب الذي وعد به بيان  الانقلاب وفرضه لقانون الطواريء وتملص البعض ممن كانت المناخات المايوية لا تزال تهيمن على فضاء ذاكرتهم فانسحبوا ويمم أربعة أو خمسة ضمنهم صديق الحلو وناظم بابكر وأنا شطر احد الأندية الرياضية شرق المدينة , ويبدو انه كانت هناك مشكلة في الكهرباء فاجتمعنا على ضؤ فانوس أو شمعة لا اذكر ..وكان ذاك آخر اجتماع رسمي احضره شخصيا للرابطة كرابطة إذ توصلت كما توصل ناظم في حديث جانبي بيننا أثناء الاجتماع أن لا جدوى من تغيير أوضاع الرابطة ..فلا احد سوانا ناظم  وأنا و اثنين أو ثلاثة آخرين(لكن خجولين ولا يرغبون في خوض أي صراع لتصحيح الأوضاع إذ يأملون أن تصحح نفسها لوحدها , كأنهم لم يقرأو التاريخ يوما !!)  يرغبون في جعل الممارسة داخل الرابطة ديموقراطية ومؤسسية , بمكتب منتخب . فانصرف كل منا إلى همومه , وهكذا نشأت تكوينات منقسمة مثل رابطة كستاليا (النبع الصافي في اللاتينية) الأدبية , والنوارس للآداب والفنون , وآفاق الثقافية التي كونها الخجولين بقيادة شمس الدين فضل وحمد حداد  إذ لم يكونوا  يرغبون في تصحيح الأوضاع عبر المواجهة بالأخطاء داخل الرابطة نفسها , بل خارجها ) ولم يكتب لهذه التكوينات الاستمرار , فسرعان ما طواها النسيان رغم محاولاتها وذلك لظروف أعضائها وارتباطهم بجامعاتهم واختلاف هذه الجامعات , فأصبح من المستحيل مع هذا الشتات أن يتمكنوا من تكريس هذه الروابط التي انقسمت عن رابطة الأصدقاء .
ثمة أسماء  أعطت لهذه الرابطة من روحها وكيانها حري بنا أن نقف قليلا عندها ,علنا نوفيها شيء من الوفاء . بالتأكيد على أهمية الدور الذي لعبته في مسيرة الرابطة والتعريف بها .من هذه الأسماء العم ناصر بابكر ناصر , فقد استقبل بحفاوته وحبه للأدب والأدباء الكثير من المنتديات في بيته , وكان خير معين لأعضاء الرابطة في أحزانهم وأفراحهم .فهو رجل دمث ولطيف . وكان أكثر من مجرد رئيس فخري للرابطة حتى بعد أن غادر المدينة واستقر في الخرطوم بحري .
صديق الحلو : احد الأسماء اللامعة في القصة والصحافة الثقافية في الخرطوم , له أكثر من مجموعة قصصية الآن نشر بعضها على حسابه وكما علمت مؤخرا أن واحدة من مجموعاته نشرت وفقا لبرنامج الخرطوم عاصمة للثقافة , لولا هذا الرجل لما كانت هناك رابطة أصدقاء أدبية "ولا يحزنون" فهو الوالد الروحي لها , والذي كان في سبيل استمراريتها (يأتي على نفسه ), فقد تملكه هاجسها على حساب الكثير من الأشياء التي تخصه , قدم هذا الرجل برابطة الأصدقاء للمدينة ما لم يقدمه لها احد أبنائها يوما , وحري بالمدينة أن تكرمه بعد كل هذه التضحيات التي قدمها في سبيل استمرارية الرابطة وهي تضحيات غالية (لأنني اعرفه عن قرب) . فهو صاحب فكرة إنشاء الرابطة وهو الذي قام بمجهودات تسجيلها لدى الجهات الرسمية وهو الذي كان يستقبل أعضائها في بيته طوال سنوات خصما على زمنه العائلي , وهو الذي بذل مجهودات جبارة لبنائها وتعريف الناس بها حتى أنهكه هذا الجهد الفائق . وهو الذي حاول أن يربط الرابطة بالملفات الثقافية للصحافة السودانية , أي عطاء نبيل هذ الذي قدمه هذا الرجل , فضلا عن مجهوداته المستمرة بشخصيته التوفيقية الوسطية , لإقرار السلام بين الأعضاء عندما تحتدم بينهم المعارك , أتصور انه لولا وجود رجل كصديق الحلو كرئيس للرابطة وقتها لما استطاعت رابطة الأصدقاء  أن تمضي خطوة واحدة للامام . ذاك رجل أعطى المدينة أكثر مما اخذ منها. كان يعطي بلا من رغم الخذلانات العميقة وقسوة الناس والحياة والأسى الذي تعاظم بسبب كل ذلك ..
(ج) أسماء في الذاكرة :
الشاعر الصادق أحمد كباشي : والحديث عن الصادق كباشي ذو سجون أكثر مما هو ذو شجون . فالرجل غادر دنيانا على نحو مأساوي ,(بعد أن سجننا في جب عميق الغور , مليء بالأسى والحسرات ).. أشعل على نفسه النار "كما في مار تجلو- الرواية" !!..
كانت علاقتي بالصادق كباشي في البداية عادية , قبل سفره إلى تونس ليدرس بجامعتها , ولكن بعد عودته توثقت علاقتي به كثيرا , إذ اكتشفت فيه صديقا حميما ونبيلا, صاحب رؤية جمالية واسعة وأفق معرفي يتسع لمتناقضات ذلك الزمان الأغبر , ويحاول أن يتعامل مع هذه المتناقضات , فرحلته كانت رحلة بحث دائم عن جواب , كان شكاكا , على ذلك النحو المنهجي , وكان يشعر بأنه منذور للغربة والاغتراب , ويحاول أن يتخطى الأسئلة بإجابات لازمة , وربما ذلك ما دفعه للإجابة عن سؤاله الوجودي على نحو يعبر عن القلق الميتافيزيقي لأبناء جيلنا بالرحيل في طقس فانتازي , مرعب وساحر في آن !!.. ليس كأي انتحار .. فانتحاره تضمن رسالة مريعة للجميع ..
كنت أحرص على زيارته عندما تشاء المصادفة أن نكون متواجدين معا في المدينة , وكان يحرص على زيارتي . وبين رشفات الشاي بالحليب نتداول الرؤى , أقرأ له واحدة من قصصي الجديدة , ويقرأ لي آخر نصوصه , يستمع إلى ملاحظاتي باهتمام كبير , ويعبر عن تحفظاته على ما أطلق عليه "التعابير النابية في قصصي القصيرة " فوقتها كنت مغرما بمفردات مثل "وغد- ولعين- وحقير" , لا أدري من أين تسربت إلىّ , لكن غالبا تكون قد تسربت من أدب الواقعية الاشتراكية , فهو لا يخلو من الوقاحة !.
كانت هذه التحفظات من الصادق تعبر عن مدى لطفه ونزاهة لغته لدرجة أن تجرح مفردة مثل "وغد" ذائقته العفيفة . وتزعجه كثيرا و لدرجة إصابته بالانقباض .. كان الصادق كباشي شاعرا جميلا وعذبا ومرهفا وفوق كل ذلك حزينا ومأسوي الوجدان !!..
عندما تم قبوله للدراسة في تونس , أخذ معه قصص أعضاء الرابطة وأشعارهم , وتمكن هناك من نشر هذه النصوص في الملف الثقافي لجريدة" الفجر التونسية ", وكان كلما نشر نصا أرسله لنا بالبريد . وهكذا تعرفنا على الصحافة الثقافية في تونس من خلاله , وفي ذات الوقت كان صديق الحلو يسعى في الداخل لتعريفنا بالصحافة الثقافية السودانية ويبذل مجهودات كبيرة لنشر نصوصنا كأعضاء للرابطة على صفحاتها , حتى كاد  لم يبق ثمة ملف ثقافي لصحيفة من الصحف يخلو من كتاباتنا , وان كان النشر غير منتظم بالنسبة لنا , وقتها .
يقول الصادق كباشي في مطلع أحد نصوصه( التي كتبها إبان غربته قبل أن تخدع الحكومة الجميع وتخرج لهم لسانها , بعد أن تآمرت على إعادة  كل الطلاب الذين يدرسون خارج السودان بمنحهم وعود كاذبة من سفارات السودان للدراسة في الداخل ليكون الصادق كباشي احد هؤلاء الضحايا الأمر الذي يسهم في اتخاذه قرار الانتحار بسبب عدم إنجاز الحكومة لوعودها التي قدمتها للطلاب عبر السفارات السودانية في الخارج !!.. الصادق أحد ضحايا ما أطلقت عليه الجبهة الإسلامية سياسات التعليم العالي , وبذلك خسر السودان أحد شعراءه المميزين جدا , الذين كانت حياتهم لو استمرت لشكلوا فرقا كبيرا !!..) ..
يقول الصادق في قصيدته التي اشرنا إليها :
نهدك الثلجي مقبرة الربيع ,
أتوه في سماءه أضيع
بكل عالمي الوجيع .. الخ ..
 هذا إن لم تخني الذاكرة .. كأنني اسمعه الآن يلقي على مسامعي واحدة من قصائده الجميلة , فكل قصائده كانت جميلة ..لا تخلو من ذلك الحياء الذي يقمع كثير من المشاعر التي يصعب تخبئتها مهما فعلنا ,فشعر الصادق ينطوي على ذاتنا المنهوبة بالحصار والمخاوف والظنون ..
ألا رحم الله الصادق كباشي في عالمه السرمدي , وغفر له بقدر محبته للناس , وللحياة التي غادرها مكرها , كأنه يستجيب لقراءة التوم احمد البخيت لهذا الإذلال الذي تمارسه الأجهزة الأمنية للحكومة , فيتلقف مطلع هتاف التوم احمد البخيت :
خيولي تنهش الأرض َ
تجوب الطول والعرضَ
رماح حولك اشتبكت
سيوف ما لها غمدا
فما أنت ؟
أوطن أن أم منفى ؟؟
هكذا قال التوم وزوار الفجر يمارسون عليه مركبات نقصهم , بكل وضاعة الجواسيس , الذين لا يحترمون أي قيمة . وهكذا تضافر عامل آخر , لتكتمل الحصارات , تعلن بداية النهاية لشاعر عذب حياته حافلة بكل ما هو جميل , مغادرا هذا المناخ المرعب..  آخر شيء رآه قبل مغادرته دائرة حمراء عليها علامة كروس cross رسمها زوار الفجر خلسة على أبواب بيوت كل أعضاء الرابطة ..
نعم قرر كباشي أن يترك لهم هذا العالم , للجميع ..قرر أن يرحل على نحو فانتازي يثير حفيظتهم ويفضح بؤسهم مسجلا موقفا لا تستطيع البصيرة أن تتخطاه .. أشعل النار على نفسه ومضى محترقا تذرو رماده رياح ذلك الفصل الكئيب .
النهاية المأساوية لكباشي قريبة الشبه من النهاية المأساوية لعبد الرحيم أبو ذكرى , فكلاهما قرر أن يترك هذا العالم , الذي ليست لديه قدرة كافية لاحتمال المواهب الكبيرة . كلاهما عانى من الوحدة والغربة والاغتراب .
كان كباشي من أكثر شعراء رابطة الأصدقاء الأدبية تميزا , وكما قال صلاح احمد إبراهيم عن نفسه (انه وحده أغلبية) كان كباشي كذلك بمفرده رجلا أغلبية . وشاعر أغلبية . ولو استمرت به الحياة لمضى شعره أكثر فأكثر وارتقى كفتح من كبرى فتوحات الشعر في السودان , لكنه قرر أن يترك كل شيء ويمضي , فصدمنا وشكّل رحيله علامة فارقة (أتصور ذلك) في حياة الأصدقاء (أو في حياتي أنا على الأقل) , إذ منذها يلازمني شعور دائم بالفقد ..
ادعوا من هنا الأستاذ صديق الحلو إلى نشر كل أشعار الصادق كباشي التي بحوزته في مجموعة واحدة , خاصة أن نادي القصة استطاع الإسهام في تكوين رابطة الكتاب السودانيين وفتح قناة جيدة مع اتحاد الكتاب العرب , وأتصور انه بالامكان الآن أن تصدر مجموعة الصادق عن منشورات اتحاد الكتاب العرب بالتعاون مع نادي القصة ورابطة الكتاب السودانيين وهذا اقل ما يمكن أن يقدمه الإخوة والأصدقاء في نادي القصة ورابطة الكتاب . لشاعر مثل الصادق كباشي . حتى يتعرف المشهد الثقافي السوداني على احد الشعراء المنسيين من ذوي القامات السامقة في زمن تتضاءل فيه القامات باستمرار , إزاء الضغط والحصار بسبب مختلف العوامل .
بعد رحيل الصادق كباشي , لم تعد علاقتي بكوستي كما كانت , إذ بدأت الذاكرة المشتركة تتلاشى فقد تغيرت المدينة وأصبح سكانها يغادرونها بحزن شيئا فشيئا , ما أن يعود إليها احدهم لسبب ما حتى تخطر على ذهنه أبيات قيس ابن الملوح :
أطوف بالديار ديار ليلى
اقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار ملكن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا ..
لم يعد هناك احد ممن نحبهم ونعرفهم لا يزال يسكن المدينة فقد هجرها سكانها ومضوا باتجاه الخرطوم , والقليلين الذين تبقوا فيها أصبحت مشاعرهم باردة بسبب انهيار عالمهم الذي أحبوه , كانوا يرون وطنهم يتسرب من بين أصابعهم ويغيب ..
الوطن ليس جغرافيا نسكنها فهو قبل كل شيء ناس نحبهم سكنوا هذه الجغرافيا , الجغرافيا وحدها لا تعني شيئا .. كان ذلك لسان حالهم .. كانوا مطالبين بتأثيث ذاكرة مشتركة جديدة مع الوافدين إلى المدينة من القرى والحلالات التي تحيط بكوستي أو من الوافدين من بلدات ومدن كردفان الذين بدورهم بداوا ينزحون إلى المدينة التي غادرها سكانها ..
وهكذا أصبحت عندما ازور كوستي اشعر بالذاكرة المشتركة بيني وبينها تتلاشى , ليس ثمة سوى حنين مرضي (نوستالجيا) إلى فردوس مفقود , عالم لم يعد له وجود .من تبقوا في المدينة كأنهم ليسوا هم بل شخوص آخرين  إذ لم يعد  لتلك المشاعر الدافئة بيننا  وجود , يستقبلونك ببرود كأداء الواجب لمعرفة قديمة دون تلك الحميمة . أنهم أشخاص مأزومين وطأ عليهم الدهر بقسوة وحطم كل شيء . وهكذا فجأة أجدني في مدينتي كعابر سبيل , غريب وهو شعور قاتل وخطير , لا يستطيع الإنسان توصيفه ..
(ج) نادي القصة السوداني(الخرطوم) :
 يبدو أن بريق كل شيء من عالم الروابط كان يخبو ويذوي بداخلي .ولم استطع التخلص من هذا الإحباط لخوض التجربة مرة أخرى إلا في العام 2000 عندما طرح مشروع نادي القصة السوداني الذي كانت قد طرحته في البداية دكتورة سميرة الغالي وآخرين  كما علمت , وتلقفه بعد ذلك القصاصون صديق الحلو ومحمد خير عبد الله , واحمد عوض , وأحمد أبو حازم , ومحمد اسمعيل , والوليد إسماعيل حسن , وعمر الصايم , وتم اختيار الأستاذ الروائي المميز محمود محمد مدني  كرئيس فخري له , والاتصال بكل أجيال الكتابة السردية للالتفاف حول النادي, فتم الاتصال برائد القصة القصيرة في السودان الراحل المقيم الأستاذ عثمان علي نور وإبراهيم  اسحق إبراهيم , وعثمان الحوري الذي سافر إليه(  في عطبرة) "خصيصا "القاص عمر الصايم .. وهكذا بدا النادي يستقطب الأعضاء فانضمت إليه أعداد مقدرة من المبدعين مثل كلتوم فضل الله و استيلا قاتيانو , ومنصور الصويم , وأخيرا منال حمد النيل , وأسماء أخرى قبل وبعد مغادرتي السودان , تخونني الذاكرة الآن في استحضارها ,فلهم العتبى حتى يرضوا .. بدا النادي بداية قوية من خلال منتدياته المنتظمة في منزل الأستاذ محمود محمد مدني , بامبدة ومكتب المحامي الشاعر يوسف الحبوب بضيافة المحامي  الشاعر خالد الماحي , وهكذا مارس النادي أنشطته في مختلف ألاماكن : بيت الثقافة , اليونسكو , المركز الثقافي الفرنسي , مكتبة البشير الريح , عمارة المحامين بأم درمان  الخ .. وتمت استضافته من قبل اتحاد العاملين في الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون , وأقام منتديات  في مركز الدراسات السودانية وفي رواق مكتبة الشريف الأكاديمية استضاف فيها القدال ودكتور عبد الله علي إبراهيم , وعيدروس و محمد الربيع محمد صالح وغيرهم , وقدم للمشهد الثقافي تجربة فريدة تتمثل في برنامج (قصاصون عبر المدن ) حيث سافر أعضاء النادي لإقامة فعاليات مشتركة مع رابطة الأصدقاء في كوستي ورابطة الجزيرة للآداب والفنون في مدني ورابطة سنار الأدبية , وقدموا فعاليات في جامعة الإمام المهدي بالجزيرة أبا .. وهكذا ظل عطاءه يتواصل فطرح مسابقتين واحدة باسم الروائي السوداني المميز إبراهيم اسحق إبراهيم , و أخرى باسم الروائية الرائدة ملكة الدار محمد عبد الله .. وتمكن من إصدار مجموعة قصصية عن مكتبة الشريف الأكاديمية , تحت عنوان (دروب جديدة :أفق أول_ منشورات نادي القصة السوداني) وجدت هذه المجموعة التي اشتملت على أعمال عشرة من القصاصين أعضاء النادي , رواجا داخل السودان وخارجه ويعمل النادي  الآن على إعداد مجموعة قصصية – أفق ثان تحت النشر , بعد أن نجح في البدء في بناء موقع له على الشبكة الدولية للمعلومات (انترنيت) , بعد ان نجح في التنسيق مع اتحاد الكتاب العرب , الأمر الذي تمخض عنه تكوين (رابطة الكتاب السودانيين) , هذا غير إسهامات بعض كتاب النادي في برنامج الخرطوم عاصمة للثقافة , ونشرهم لبعض الأعمال ... لكن لم يتحقق كل هذا الإنجاز بسهولة , فقد اعترضت مسيرة النادي الكثير من العوائق والعقبات بدء بمحاولات التسجيل وصولا للعوائق التي اعترضت عمله بحكم القوانين العرفية للجبهة الإسلامية , مرورا بمحاولات الاستقطاب الحزبية للنادي , وصولا للصراعات التي حاول البعض افتعالها داخل النادي تنفيذا لأجندة خفية مريضة , تعكس مدى بؤس الحرس القديم ومواليهم من "كتبة ونقدة" في الحركة الثقافية .
وأخيرا ,
يمكننا أن نستنتج أن  التضييق على الروابط أو التكوينات الأدبية, إلى جانب  عدم وجود مهرجانات ثقافية حقيقية سواء على المستوى الإقليمي أو القومي , كان ولا زال واحدا من العوامل المهمة التي تقف خلف المنعطفات السلبية التي مرت بها حركة الأدب في أوقات مختلفة , والتي يمثل بروز الحلمنتيش أحد مظاهرها , من جهة أخرى ترتب على غياب مثل هذه المهرجانات أو المسابقات , تأخير ظهور المواهب ,وإهدار العديد من المواهب أيضا , التي كان بالا مكان أن تمثل تجديدا عنفوانيا لدماء الحركة الثقافية والمشهد الثقافي . والاهم من كل ذلك أن التركيز الإعلامي على "حركة ثقافية في الخرطوم" مع إهمال الأقاليم ظل من العوامل الأساسية للنفي الذي ظلت تعيشه الأقاليم وتقاومه , وهذا النفي بالضرورة يؤثر على تطور المشهد الثقافي في الأقاليم , كما ينعكس سلبا على مسالة مهمة لازمة للإبداع هي قضية التواصل سواء كان هذا التواصل بين الأجيال المختلفة أو بين أجناس الكتابة , ولذلك من الضروري تجسير الفجوات بين العاصمة والأقاليم ,
يمكننا من خلال هذه الذاكرة الثقافية أيضا التوصل إلى أن ولادة رابطة الأصدقاء الأدبية - كوستي, أو نادي القصة السوداني – الخرطوم , كان تعبيرا عن حاجة ثقافية ملحة أوجدتها ظروف الفراغ الثقافي نتيجة لتشريد العديد من المبدعين , بما أجبرهم على الهجرة ومغادرة السودان, بحثا عن مكان آمن يحققون فيه مشاريعهم . إلى جانب عوامل أخرى غير الهجرات والاغتراب تسببت في هذا الفراغ . الذي  جعل من الضروري نشؤ روابط ومراكز ثقافية وأندية ومجموعات , الخ تتصدى للمهام الثقافية , خاصة أن حكومة 30 يونيو 1989 كان من أول "إنجازاتها" حل اتحاد الكتاب , وتكوين بدائل له ممثلة في " منظمة شباب الوطن", التي  أتضح أن مهمة تصفية الثقافة في السودان من أولى اولوياتها , فذاك أمر على راس لائحة أجندتها . التي تدعمها في تنفيذها الأجهزة الأمنية .
نلاحظ أن نشاط رابطة الأصدقاء الأدبية بكوستي ظل متصاعدا ومتناميا منذ تأسيسها حتى منتصف 1989 قبيل انقلاب يونيو , وهكذا منذ اعتلاء الجبهة الإسلامية للسلطة في 1989 بدأت أنشطة الرابطة وفعالياتها في الضمور إلى أن كادت تتلاشى , ويطويها النسيان تماما لولا تذكير بعض الأوفياء بها بين آن وأخر في مشاركات متباعدة , لكنها أبدا لم تعد ذلك الجسم الدينامكي الفاعل بقوة كما كانت قبل 1989 . فالمناخ الديموقراطي الذي أرسته حكومة الديموقراطية الثانية 85-1989 (على علاته ) أسهم في إنجاح تجربة الأصدقاء الأدبية , إلى جانب القيادة المرنة لصديق الحلو لسفينة الرابطة (على الرغم من المآخذ الكثيرة في مسيرة هذه القيادة ) يضاف إلى ذلك استقرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية نوعا ما  سواء لأعضاء الرابطة أو لسكان المدينة , لذلك لم تكن ثمة مشقة كبيرة بالنسبة لأعضاء الرابطة تعترض سبيلهم في إنجاز مشاريع الرابطة بكل تلك الفعالية وكل ذلك العطاء . وهو عكس ما جوبه به نادي القصة من تحديات فقد ولد في قلب المناخ الشمولي القمعي للجبهة الإسلامية في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد سواء كان بالنسبة لاعضاءه أو للسودان ككل .
وجوبه نادي القصة في هذا المناخ بالكثير من التحديات المادية والمعنوية , فالحرس القديم للحركة الثقافية قسم كبير منه كان يرى أن تكوين مثل هذا النادي وبهذا التوصيف " القصة السوداني" لهو استفزاز مباشر لتاريخه وتجربته . على الرغم  من أن كل ما كان يبحث عنه نادي القصة هو إجابة " على قدر قدرته" على الأسئلة التي ظل يطرحها الواقع الثقافي . كان يرغب في المساهمة مع كل أطراف العمل الثقافي في إنجاز مشروع صغير .. جسم يجمع كتاب القصة , لتتضافر جهودهم ويدعمون بعضهم باتجاه خطوة , على الأقل خطوة واحدة للأمام . هذه المعوقات المختلفة تعامل معها النادي بحكمة إذ سجل نفسه في اليونسكو , تفاديا لأي مشكلات تعترض طريقه في حال التسجيل لدي الأجهزة الرسمية المختصة للنظام . وحتى لا يكون تحت رحمة مشاريع هذه الأجهزة . فتسجيله في اليونسكو بمثابة نوع من الحماية لاستقلاليته , التي يمكن أن تنتهكها قوانين وتشريعات الجبهة الإسلامية التي كانت تتصور وقتها أن شباب الوطن هي الوعاء الامثل لكل التكوينات سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو خدمية . وعلى هذا الأساس أي تكوين لا علاقة له بشباب الوطن تم إعلان الحرب عليه . ووصلت الأمور إلى حد إيقاف نشاط العديد من المنتديات التي أبرزها "منتدى البشير الريح" , بل وقد تم التدخل في عمل عدد من المراكز الثقافية للدرجة التي جعلت دكتور حيدر إبراهيم في العام 2002يقفل مركزه لفترة من الوقت  احتجاجا على التدخلات الأمنية . فقد كانت أجهزة النظام ترفع وقتها ضد الحركة الثقافية شعار " واقتلوهم أينما ثقفتموهم " . في مثل هذه الظروف الصعبة ولد نادي القصة واشتد ساعده , وكان كل عائق يعترض سبيله يمده بمزيد من القوة والعنفوان . وتجنب الكثير من الصراعات التي حاول الحرس القديم من كتبة ونقدة  وأرباع موهوبين مدفوعين الأجر . جره إليها . وهكذا بدأ نادي القصة العطاء في ظل تلك الظروف العسيرة لاعضاءه , بمواردهم الذاتية التي كانت لا تكفيهم هم أنفسهم ومع ذلك لطالما ضحوا بها مؤثرين أعمال النادي على وجبة ضرورية أو كوب شاي , الخ .. ولذلك تستمر مسيرة النادي حتى الآن بهدؤ لكن بقوة . فقد استطاع النادي أن يحدث دون أدنى شك فرقا واضحا في المشهد الثقافي السوداني . فيما يشبه إعادة الاعتبار للمؤسسة التي تجمع كتاب القصة .
القاهرة ديسمبر2005